الشعب نيوز/ ضياء تقتق – ليس من السهل العودة إلى جريمة اغتيال فرحات حشاد، لا باعتبارها حدثًا تاريخيًا مكتملًا، ولا كملف استُنفدت مساراته القضائية والسياسية.
ومع صدور كتاب “دماء على أيدي رواد حانة لي شارنتيه: اغتيال فرحات حشاد… الجريمة والإفلات من العقاب”، الصادر عن دار مطر للنشر بمناسبة غرة ماي 2026، للمناضل النقابي فوزي الشيباني[…] يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل لماذا بقيت الحقيقة منقوصة والعدالة مؤجّلة كلّ هذا الزمن؟
فالكتاب لا يكتفي بالتوثيق، بل يعيد بناء سردية تستند إلى الوثيقة والشهادة، وتفتح أسئلة سياسية وأخلاقية وقانونية ظلّت معلّقة لعقود.
كما يكتسب صدوره دلالة خاصة في سياق الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، التي عرفت أعمالًا عديدة حول الحركة النقابية، غير أنّ هذا العمل يتجاوز التأريخ نحو بناء مرافعة متكاملة ضدّ النسيان والإفلات من العقاب.[…]
“لي شارنتيه”: تفاصيل جريمة خرجت من الظل
واحدة من أقوى لحظات الكتاب، تلك التي تعود إلى شهادة وردت في كتاب صادر سنة 1997 لعون أمن سابق في جهاز المخابرات الفرنسية، بعنوان “اليد الحمراء: الجيش السري للجمهورية”. في هذه الشهادة، تتقاطع الرواية مع الوثيقة، ليُعاد رسم مسار الجريمة بدقّة صادمة، تكشف ما ظلّ لسنوات طويلة خارج التداول العام.
بحسب هذه المعطيات، تمّ التعرّف على منفّذي عملية الاغتيال خلال جلسة خمرية في سبتمبر 1956 بحانة “لي شارنتيه” بشارع باريس في تونس العاصمة. لم تكن الحانة مجرّد فضاء عابر، بل تحوّلت إلى لحظة انكشاف، حيث تسرّبت الحقيقة من الهامش، لا من قاعات التحقيق الرسمية.
الأخطر من ذلك، أنّ عملية تهريب المنفذين تمت عبر طائرة عسكرية فرنسية انطلقت من قاعدة سيدي أحمد ببنزرت نحو مرسيليا، تحت إشراف مباشر من دوائر رسمية، وفي سياق حماية ما سُمّي بـ“هيبة القضاء الفرنسي”. هنا تتغيّر طبيعة الجريمة: من فعل يبدو معزولًا في ظاهره، إلى عملية منظّمة ومحميّة داخل شبكة معقّدة من المصالح السياسية والأمنية.
* أسئلة لم تُطرح بما يكفي: من قصّر في حقّ الحقيقة ؟
من بين أكثر النقاط إيلامًا في هذا العمل، تلك التي تتعلّق بالأسئلة التي لم تُطرح في وقتها، أو طُرحت ولم يُستكمل مسارها إلى النهاية.
فالمسألة لا تتعلّق فقط بمن نفّذ الجريمة، بل أيضًا بكيفية التعامل معها لاحقًا، ومن تحمّل مسؤولية متابعتها.
يقول فوزي الشيباني: “ لعلّ السؤال الأهمّ… هو: لماذا لم تمضِ عائلة الشهيد أكثر ممّا ذهبت إليه في متابعة ملفات الاغتيال؟”
ثم يضيف: “ويظلّ السؤال محيّرًا: لماذا تغافلت، ولم نقل تخاذلت، السلطات التونسية بعد الاستقلال في المطالبة بالكشف عن تفاصيل الجريمة ومحاسبة مرتكبيها؟”
هذه الأسئلة لا تُدين طرفًا واحدًا، بل تفتح دائرة المسؤولية على مستويات متعددة: العائلة، المنظمة النقابية، والدولة. وهي بذلك تنقل النقاش من سرد الجريمة إلى تحليل ما تلاها، أي إلى كيفية إدارة الملف ولماذا بقيت الحقيقة منقوصة رغم توفّر معطيات عديدة.
* الاتحاد والدولة : بين الذاكرة والمسؤولية
إذا كان الاتحاد العام التونسي للشغل قد تأسّس على يد حشاد، فإنّ العلاقة بين المنظمة وذاكرة مؤسّسها لا يمكن أن تبقى في حدود الرمزية أو الاحتفاء السنوي، بل تطرح مسألة المسؤولية التاريخية في متابعة الملف. هل استُنفدت كلّ إمكانيات التوجّه نحو القضاء الدولي؟ وهل تمّ التعامل مع القضية باعتبارها ملفًا سياديًا يمكن أن يُطرح خارج الإطار الوطني؟
السؤال نفسه يُطرح على الدولة التونسية، التي ورثت بعد الاستقلال ملفًا ثقيلًا كان يمكن أن يتحوّل إلى قضية دولية نموذجية، لكنّه بقي في حدود التداول الداخلي. هنا يتبيّن أنّ الإشكال لا يرتبط فقط بنقص الأدلة، بل أساسًا بغياب الإرادة السياسية لتحويل تلك الأدلة إلى مسار قضائي واضح ومتكامل.
* الأرشيف الاستخباراتي: حين تتكلم الوثائق
من أبرز ما يميّز هذا الكتاب، اعتماده على تقارير استخباراتية أمريكية وفرنسية، وصور ووثائق صحفية تُعيد بناء المشهد من زوايا متعددة هذه المواد لا تُستخدم كزينة توثيقية، بل كأدلة تُسند السرد وتمنحه قوة الإقناع.
اللافت أنّ هذه الوثائق تكشف، في أكثر من موضع، أنّ جزءًا كبيرًا من الحقيقة كان متاحًا، لكنّه لم يُترجم إلى مسار قضائي فعلي.
وهنا تتجلّى مفارقة واضحة: وفرة في المعطيات مقابل تعثّر في تحقيق العدالة، وهو ما يفتح باب التساؤل حول العلاقة بين المعرفة والقرار السياسي.
وفي زمن تتكاثر فيه الأرشيفات، وتتنافس فيه الروايات، يذكّرنا هذا الكتاب بأنّ الحقيقة لا تُختزل في سرد الوقائع، بل في القدرة على متابعتها والدفاع عنها وتحويلها إلى قضية.
اغتيال فرحات حشاد لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية في تاريخ تونس الحديث. لكنّ ما يجعل هذه اللحظة حاضرة إلى اليوم، ليس فقط ما حدث، بل ما لم يُنجز: العدالة.
“المرافعة التي طال انتظارها” ليست عنوانًا فقط، بل توصيف لحالة كاملة: حالة وطن ما زال يبحث عن توازن دقيق بين الذاكرة والمساءلة… في انتظار أن تتحوّل الحقيقة إلى عدالة .
(من مقاله المنشور بالعدد 1900 من الشعب الورقية بتاريخ 07 ماي 2026. بتصرف).
