27.2 C
تونس
11 جوان، 2026 23:25
جريدة الشعب نيوز
آخر ساعة

الهجرة غير النظامية : بين العجز الاتصالي الحكومي وثرثرة منصات التواصل وتنامي القلق الشعبي

الشعب نيوز / خليفة شوشان – إدانة الجرائم العنصريّة البشعة التي حدثت وتحدث منذ أشهر وسنوات في حقّ مهاجرين غير نظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء من قِبَلِ “بعض التونسيين” العنصريين أو الموتورين اليائسين الباحثين عن عدوّ وهمي يعلقون عليه أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية وآثارها النفسيّة مع حالة الفشل المعمم التي وصلتها الدولة نتيجة تخبط سياساتها وعجز منظومات الحكم المتعاقبة عليها في حلّ مشكلاتهم.

تعدّ هذه الإدانة واجبا أخلاقيا إنسانيا مبدئيا لا جدال فيه والأمر نفسه ينطبق على الجرائم التي يرتكبها “بعض” الأفارقة من جنوب الصحراء في حقّ تونسيين آمنين نتيجة نزوع إجرامية أو بسبب انقطاع السبل بهم وانتهائهم محاصرين في “دولة العبور تونس” فلا هم نجحوا في الوصول إلى دول الوجهة الأوروبيّة ولا هم اقتنعوا بالعودة إلى بلدانهم.

ما اضطرهم إلى ممارسة هذه الجرائم كما أن المطالبة دون تردّد بمحاسبة المتورطين مهما كانت جنسياتهم ودوافعهم وتسليط أقصى العقوبات القضائيّة عليهم حتى يكونوا عبرة لكل من تسوّل لهم أنفسهم ممارسة العنف العنصري أو الإجرامي أو ترويع أمنيين تونسيين أو مهاجرين غير شرعيين فالدولة وحدها تمتلك الحق الحصري في إنفاذ القانون والتصدي للتجاوزات والمتجاوزين.

كل ما تقدّم مهمّ وضروريّ حتّى لا يتحوّل المعتدون إلى نماذج يُحتذى بها في نظر بعض الحمقى، وكي لا يتمّ التطبيع مع هذه الممارسات الإجراميّة الوحشيّة المقززة وغير الإنسانيّة.

لكنْ يبقى الأهمّ من كلّ ذلك محاولة فهم أسباب تفاقم هذه الظاهرة ووصولها إلى مستويات منذرة بكوارث، والعمل بكل مسؤولية حتّى لا تتكرّر هذه الجرائم مرّة أخرى .

إن أخطر أسباب تفاقم هذه الظاهرة في نظري التغافل عنها لسنوات بل واستثمارها سياسيا من بعض السياسيين والحقوقيين قصيري النظر واقتصاديا من بعض الانتهازيين الذين يستغلون الأفارقة يدا عاملة بديلة ورخيصة، قبل أن يتم الانتباه لخطورة الظاهرة، لكنه انتباه متأخر اكتفى بالتعاطي الارتجالي معها.

الأخطر من كلّ ذلك بروز معادلة اتصالية فاشلة وخطيرة تقوم على الصمت الحكومي المريب والعجز الاتصالي الفادح إلى حدّ إثارة عديد الشبهات وفتح باب الإشاعات على مصراعيها، ما ترك المجال لاستشراء فوضى ما يسمّى بالمؤثرين المنتصبين على شبكات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة دون حسيب أو رقيب لينشروا الجهل والحقد والكراهيّة والإشاعات وثرثرتهم المسمومة لجمع التفاعلات وتمويل أرصدة صفحاتهم باسم الوطنيّة الرثّة وادعاء التقرّب من السلطة مستغلين القلق الشعبي المتنامي أمام كثرة المهاجرين غير النظاميين وتركزهم في بعض الجهات الداخلية الساحلية وخاصة منطقة العامرة والأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة، إلى جانب استثمار الظاهرة من قِبَلِ رهط من أسوأ السلالات الحقوقية الغثّة لصبّ الزيت على النار والاستثمار المالي لجلب التمويل والدعم الأجنبي والسياسي إحراجا للنظام واتهامه بالعنصرية في خطابها الموجه إلى الجهات الخارجيّة المانحة وبالتآمر لتوطينهم في الخطاب الموجه إلى الجمهور التونسي.

إن ترك المجال لهذه المجموعات المتشنجة الغوغائية أو المرتبطة بأجندات سياسيّة مشبوهة مع الطرف الأكثر تورطا في تفاقم هذا الملف وهي الدول الأوروبيّة وفي ظلّ حالة من الخواء والارتباك والعجز الاتصالي الحكومي  ومع محدوديّة تأثير وسائل الإعلام التقليدية العمومية منها والخاصة المسؤولة والمهنيّة ومع انعدام الثقة في الوسائط الحزبية والجمعياتيّة الجادة أو التضييق عليها في بعض الحالات، حول هذه المنصات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى الجهة الحصريّة والمصدر الرئيسي المخولة بفعل الفراغ للخوض في ملفّ بحساسيّة “ملف الهجرة غير النظاميّة” وتعقيده بكلّ تقاطعاته السياسية والاجتماعيّة والثقافية والأمنيّة وتأثيراته على المصالح الإقليميّة والدوليّة وفي الغرف الاستخباراتيّة وخاصة الأوروبيّة التي تديره وتوجهه.

أمام كلّ هذا الفراغ التواصلي والاتصالي وفوضى المعلومات الخاطئة والمضللة والأرقام المهولة ومع استشراء الشائعات وتمكن نظرية المؤامرة من أغلب العقول في “الفيراجات” السلطوية أو “فيراجات” المعارضة المتلهفة لاستعادة السلطة بكل الأساليب والوسائل.

ماذا كنّا لنتوقّع؟ وماهي النتيجة التي كنّا ننتظرها؟ بخلاف تعمّق الأزمة وتعفنها وتحوّل الخطاب العنيف والتخوين المتبادل والتخويف المعمم إلى ممارسة تقوم على العنف المادي والفوضى والدعوة إلى تجاوز القانون والتصفية وإلى كل ما تفرزه العنصرية والتطرف من جرائم وحشيّة.

باختصار، على الدولة التونسية وحدها بكل أجهزتها ومؤسساتها أن تتحمّل مسؤوليتها كاملة قبل فوات الأوان وأن تضبط استراتيجيا اتصالية ناجعة لتهدئة الرأي العام وتبديد هواجسه ومخاوفه والتسريع في خطّة “العودة الطوعيّة” للمهاجرين غير النظاميين الى بلدانهم دون تأخير، فالقضيّة تتعلّق أساسا بالأمن القومي ولا مجال لتركها في متناول الاشاعات والتحريض والاستثمار والتوظيف على منصات التواصل الاجتماعي.

بات المرجل يغلي ليس في تونس وحدها، فما يصلنا من صور وفيديوهات توثق حالات الاحتقان والتوتر في ليبيا والجزائر والمغرب وجنوب افريقيا وجميعها تحولت إلى وجهات مفضلة للعبور نحو أوروبا ينبئ بأن الأمر جلَل وبأن المرجل اذا لم يتمّ رفض الضغط عنه سرعان ما سينفجر وسيخلّف آثارا وخيمة.

مقالات مشابهة

الدورة الرابعة للصالون الدولي للانتقال الطاقي

فريق النشر Echaab News

القضاء ينصف نقابيي وعمال مركز النداء” أرماتيس” (Armatis) ويعيد لهم الاعتبار

ben salah

من الصمت إلى طب الأسنان.. أردني يتحدى فقدان السمع ويحقق حلمه بفضل دعم أسرته

فريق النشر Echaab News