الشعب نيوز / المنذر العيني
توطئة :
ما من مداولةٍ حول راهنيّة الفعل الشّعري يبعثها المتن في تخليقه من جديد إلاّ وتنامت الأسئلةُ حول دافعيّاتٍ حاثّةٍ وذرائعَ، هي التّي تقتضي ما تقتضيه من تنافس وتنافر يحيّن المفارقاتِ المؤسّسة للانشاء.
وحول ما يتجدّد من عامليّاتٍ تخصّ نَتاجَ البلاغة من الدّاخل وهي تستردّ نسبَها المتفاوتةَ من البرهنة على تلك المقتضياتِ واصفةً حيواتٍ وأفكارا ومعارفَ وحدوسًا تندفع معها الإشارةُ إلى موجة الشّعر تتحرّك محدثةً تعريفاتٍ متعالقةً جرّاء القصيدة في دواخلها المخبرة المنشئةِ، ومعلنةً عن إمضاءاتٍ توقظ حداثةَ هذه المعاصرة.
ينشأ التّجريبُ اختباراتٍ جدليّةً مع ما تتوسّله الكتابة من آذانٍ ومتعالقاتٍ متناصّةٍ متراصّةٍ مع ما يمكّنها من تحفيز الصّورة على التّمثيل في مجازاته تحدث تقاربا أو تجاورًا للمعنى الذّي يريده المنشئ حتّى يفسح المجال للمتقفّي أن يشاركَه حتّى ينفتحَ الاثنان على واجهاتٍ تتلاقح من بعضها البعض.
هذا يحيلنا إلى العديد من التّجارب الشّعريّة العربيّة التّي ما تفتأ تعلن عن هويّتها وعن مردوديّاتٍ تتجادل مع التّفلسف في حركة لا تني، تدرجُ في التّبلور دائما، معتبرةً أنّ الشّعر لا يتنازل عن تعريفاته اللاّمتناهية.
تقديم:
تمثّل التّجربة الشّعريّة للشّاعر المنصف الوهايبي حقولا ثريّة في تناول الحداثة الشعريّة العربيّة في أكثر من مستوى. اختبارات ومحون زاوجت الإشكال بالإشكال في كلّ محطّة وكلّ مرحلة وكلّ اسم، في تقصّيها حركاتٍ متنافسةً من التّأسيس النّظري إلى متناولاتِ البنية ومتعهّداتِ المواضيع والمناخات ضمن خصوصيّاتها الإنشائيّة ومرتكزاتها الفكريّة التي تعاضدت منذ بدايتها واطلاعاتِها على الموروث الأدبي العربي في مجرياته البلاغيّة الجماليّة وفي متناولاته الإخباريّة التّأريخيّة عبر المنعرجات الكبرى في تحوّلات العمود الشّعري ووظائفيّاته المتعاقبة.
اطّلع الرّجل مثابرا على المنجز العالمي كذلك على شتّى المناويل الخطابيّة وسائر تيّاراتها شرقا وغربا متوزّعا على مدرات من العلوم والمعارف الإنسانيّة والآداب، وكذلك مع المنجز التّونسي في تواز مع كلّ التّاريخيّات المنعقدة على أرضه وحتّى التّخييل الشّعري عند العرب للشّابي وإلى فترات إحيائيّة بعده، وإثر حركة الطّليعة الّتي غيّرت في وعي المنشئ متأثّرا بالمنعرج العراقي من تلك المسوّغات حول طرائق ووزنيّات تأتلف وتختلف مع يرومه المنصف الوهايبي عند الألفة مع جماعة القيروان يتجادلون في روحانيّات تقترب من مدارات نستشف منها ملاحم تصوّفية ليست بمثل الكلاسيكيّات عند كبراء المتصوّفة مع الشّطرين في غايتهما من المعاني المطروقة مع الجذب والتوحّد مع سائر العواطف، وإنّما في تمايز وتمازج ومقاربات تعتني بالهالة القيروانيّة كلّ على طريقته أنتجت البدايات مع “ألواح ” التي أتاحت الاكتشاف المبكّر لشاعر يدأَب منذ تلك الأزمان على التّغاير وعلى الحفر في أسئلة الشّعر يختلف مع الٱخرين في نزعاته السّرديّة المخصوصة، ذلك ما تتيحه النّصوص تلو النّصوص والمجموعات تلو المجموعات والمقالات تلو أخرى تترصّد كلّ ما يمكنه أن يجهّز أو يجوّز للتقّول الشّعري.
حتّى غدا المشروع يتوسّع في آداءاتِه التّعبيريّة يتوزّع على اكثر من مدار تؤلّفه وحدات معنويّة كبرى انفتحت على تساؤلات ميّزت الإنشاءات على مختلف أجناسها في تصاميم تقترب من بعضها البعض في كلّ مرّة تثبت رهانات العلاّمة المنصف الوهايبي في زواياه الإبداعيّة وفي فسحاته النّقديّة.
كثافةٌ تلعق من مجريات الموروث الأدبي لتحيل على المجاور من حياته الشّعريّة يحياها بعمق يتخاطب مع الأزمنة والجغرافيات والحيثيّات من المعاشرات، والحدوس والآلاء والألوان والأضواء والأفلام والرّكحيّات والموسيقات… اتقّدت منذ “ألواح، من البحر تأتي الجبال، ميتافيزيقا وردة الرّمل، فهرست الحيوان، كتاب العصا، بالكأس ما قبل الأخيرة… ” إلى ما جاورها من الرّواية “ليلة الإفك، عشيقة آدم…”
المدارس الكتابيّة لا تنتهي مع تواشج حيّ يقارب نسقا حاثّا في محاولة الدّراية بكلّ تواريخ النّضاليّة الطّلاّبيّة آنذاك مع أنساق جماعة “بارسبكتيف” حايث معطياتها واستجابت فكرته على تلك الأنحاء تغرف من التزاميّاتها يتغاير معها في كلّ مناسبة وهو الّذي كـرّس تعاضده معهم في مناسبات إنشاديّة وغير ذلك من متواشجات خطابيّة ملتحمة.
هذه السّياقات من التّقديمات تتناول في موفورها من العناية اختباراتٍ يعيها المنصف الوهايبي وهو إلى حلقته من النّصوص الأولى التّي تقدّر تأطيراتها المبادرة من حركة التّحديث تتماثل للتّهيئة في مشروعه القادم. قراءاتٍ وتساؤلات. لاهدوء ولاوصول.
البيّنات من تلك التّقاسيم تتمايز في حراكها الجدلي الشّعري مع نظيره امحمّد الغزّي غير أنّ منشئَنا قد استفاق على حركة أخرى للانشاد الشّعريّ ترمي بأطرافها على مدارت قديمة تحثّ تفعيلتها على الحضور وعلى حضور شعريّ يتناظر في شؤونه ويتخاطب مع طاقاته من حماسات كبرائه من الشّعراء القدامى يتعافون من الشّطرين إلى السّطور فلا يغيب الشّكّ ولا تنتفي حركته في متزاوجات تتعالق من بعضها البعض. ذلك ما سنروم إضاءته من خلال هذه المسيرة الحافلة تتغذّى دائما من تعريف النصّ للشّعر باستمرار للشّعر مستغرقا من بيانات هونري موشينيك حول هذه العلاقة التّلازميّة من الأنباض اللاّمتناهية في إيقاعات الموجات تلو الموجات ترتّبها الصّيرورة من نسق إلى آخر في مجرى القصائد تبصم هويّات الشّعر المتعاقبة.
سعيٌ يتجادل فيه المنصف مع الحياة مع المجاور يبتعد به في غمرة ما يستحضره من ذاكرة يريد إحياءها على طريقته ينتبه إلى نظرائه من القدامى ومن المحدثين يتشارك معهم سيماتهم أو ما أبلوه في رصدهم للشّعر أو تماهيهم مع التّساؤل، يشاركهم نخبهم تارة مع المتنبّي وطورا مع المعرّي وأخرى مع سعدي وثانية مع درويش و غيرهم من الأسماء التّي امتحن معها الحياة الشّعريّة من داخل النّصوص ومن خارجها في لقاءات تنتبه عادة للتّواشّج من تعريفات الأدبيّة وأسئلتها اللاّمتناهيّة. هي منابر يستعيد بها الوهايبي أكوانه التّعريفيّة لهذه الحيوات نتأمّلها وهو يجتاز التّفعيلة في تدويراتها كما لو أنّها نثر يتجادل مع إيقاعه المتجانس ويجتاز النّثر في تداوله الوزني من دائرة المجتلب يمتثل لنعمى السّرد.
صنوف من ذاكرات ومقامات مناسبات تواريخ وأسفار رحلات ونزول ومحلاّت معرفيّة فراغات وامتلاءات ودروب بنود ومصادر ومراجع وإحالات تندرج في المساحات تتراءى ولا تتراءى بين الحيازات والبيّنات صياغات شعريّة تأتئلف وتختلف حسب إرادة صائغها… ننطلق في كشفها مع هذه الفواعل في تشكيل الصّورة تتصاعد في إرسالها تتقرّب من التّشابيه تكاد من فروط المجاورة أن تنأى وتتخّذ صروفا أخرى من المتناولات الاستعاريّة في معالم من بصامته من وقفات تلو وقفات المعاصرة يتغاير ويتماثل فيها اندفاع النصّ أو اندلاعه من مناسبة إلى أخرى.
المنصف الوهايبي: حدث الشّعر
المناسبة الشّعريّة تحدث من حياة مليئة بالمغامرة مع الذّات تعتني بكلّ ما له صلة بما يوجب أن تؤدّيه الحركة في التّعبير عن مقامات تلو أخرى تدفع الوهايبي أن يحدث وقوفا معاصرا كثيرا ما انتبهت إليه النّقديّات المعياريّة من مزج للموروث الشّعريّ أبرزت تميّز نظره حين يكاشف لحظته مع شخصيّات من التّراث أو مع أفكارها يحاورها ويتخاطب معها حتّى كأنّنا إزاء تمثّل استعاريّ ناشئ لا يتعطّل في قرائنه المانعة مع المقامات حتّى تغدو مانحةً للمعنى يتشكّل من محون التّجربة في متجاوراتها من الحركة تمثّلا واقعيّا تخييليّا تتآصر معانيها في القربى بين كلّ الفواعل، جدالا بجدال، يحدِث حياة خاصّة عامّة في آن بين شخصيّة حاضرة تناظر نفسها عبر شخصيّة غائبة حاضرة أيضا في المشترك المتنامي مع الأسئلة والطّروح، ومحاورة تفضي إلى صيروة نتعايش معها في قضاء يستوجب الإطلالة على ما يفعمه المنصف من حركات لا عبيّة باللّفظ ينزاح من معنى إلى آخر يتآلف مع قدرته على تعصيره، على شحذه من جديدٍ حتّى يلائم وضعيّة تنافسيّة مع حلقاته ومعهم في روحانيّات جديدة جديرة بالاهتمام، فالشّعر حينئذ تماثل وتنافذ ووشائج وقيامات لا تبتعد كثيرا عن تعبيرات من الفنون الجميلة في تحيين انطباعات أو أجزاء منها على القماشات أو القيامات من عروضها القياسيّة لرصد طبقات من ذاكرات تنبعث وتتباعث من حين إلى آخر. فما يفتأ ابن الحاجب القيراونيّ سيشعّ عليها مقبلا على المعرفة وعلى الصّياغات وعلى الأصوات تتلاحق مع الأصداء في حميم ما تصبغه الأضواء والعتبات. تتناغم مع ما يحدث من سياقات فكريّة تكاد تنطوي على نفس ما يبعث بالنصّ الشّعريّ فلا يغادر الجديدُ القديمَ من ملفوظ غائر من طروس ونفائس من مَثل أو مقام نراه يصبغه من جديد يصعد به إلى السّطر يقرّبه من دائرة الإضاءة من عمل المجاورة، أو من ملفوظ عاثر من سقط اللّغة الحديثة بكلّ مسميّاتها في شحنٍ من طراز إلى طراز يعزّز سوقه من عرض يحتفل بالتّفاصيل يتشكّل في جزيّات منه حتّى تتباعث أنداءٌ أجزاءٌ من أفكار وقرابة من الحياة من المعيشة من التّواجد تقول ذاته بين العالمين في عالم خاصّ تُمسرحه من جديد كشأن نصوصه الواصفة التّي اعتنت مع نظيرتها التمّاميّة في مقاربة الشّعر أزمنته، تجلّياته، حدوسه، فواعله المؤسّسة للتّجلّي وللاحتفاء والاعتناء، وقد أحالت تلك المغامرات على متعة إيقاعاته المتداورة من بيت إلى بيت أو من سطر إلى آخر يترصّد الوهايبي نسقًا من السّرد في بنية الشّعر وفي مضايقه عرضا مخصوصا ليس مندفعا تمام الاندفاع ومندفعا أيضا، يبعث بوشائج مغايرة عن غنائيّات نزار أو موسيقات درويش ولا تهفت عن سيرها أو كشأن ما يلزم أدونيس من نثريّات شعريّة مخصوصة تترامى على أطراف من معانٍ تتباعد في أحوازها الاستعاريّة، فهو إلى تفعيلته يحرّضها على النّهوض على القيامة بواجبات الايقاع المتغاير على العاطفة وعلى المعرفة معًا، يدنيه مَدُّه من حيوات من مخاضات مشتركةٍ فرديّة تنحو نحو تحقيق بصمته في الإدلاء التّعبريّ من تصاريفه من الإنشاء.
حياة بأكملها يترصّدها المنشئ عبر مفاهيم تؤسّس للدّيوان في كلّ مرّة بتكاثف في المعرفة وفي البيان. هي حدوس عرفانيّة أيضًا تلخّص مُنجرّاتٍ وانجرافات ومجترّات عن قراءات وفحوص ما تفتأ تعود في مخرجاتها من النّصوص تتشابك مع الملائم من الوصفيّات ومن الفواعل والشّخوص.
ف”ألواح” تجربة لوحدها تتعاضد مع الجماعة في حلقاتها من جذبٍ إلى آخر تسارعت فيها البدايات وهو يحتضن مواشير مرايا طقوسا رقصات وتواريخ تحدب على القيروان وعلى أضواء شموسها، مستلهما من المدرات التّصوفيّة إشاراتها في البلوغ إلى الحضور، في التوحّد مع تأشيرات تلفّظيّة جامعة.
“من البحر تأتي الجبال” معالم من المعرفة ومسوّغات في آداءاتها الفكريّة بدأت ترشح أو ترشِّح احترافيّة في التّدوير الايقاعي تتناسب مع هيئة الأستاذ في توليفاته بين الجدّة والقدامة. تبدا الأنساق في تحديث مجاري السّرد في الشّعر، من خلالها تتناظر المفارقات في شتّى وجوها لتنبعث طاقات أخرى من الفعل الشّعري لا يرسب في وجه واحد يخرج بذلك عن الاعراف ليجدّد تسويغها من جديد.
ميتافيزيقا وردة الرّمال تتناسل في نصوصها متعاليات من الاستعارات قد تقيم العلاقة مع دراسته عن أدونيس أو تتواشج في أبعادها في خصوصيّتها الوهابيّة مع كان من الاقترب لحيثيّات بناء الصّورة على الغموض الشّفّاف يزاول قدرته على ذلك في تواصل مع الطّرح ومع العرض لأسئلة الوجود عبر مسالك القصائد تؤطّر مثل هكذا متناوبات.
” مخطوط تمبكتو” عوالم من رحلات تختزل المعرفة القديمة من عمودها على خيارات من السّرد الشّعريّ تشع منه الذّات متدفّقة عائدة على محاضنها من مسكلياني إلى آفاق أخرى يحاول فيها الوهايبي أن يوظّف الروّحانيّ الاسطوريّ بين القيروان وتمبكتو.
” كتاب العصا” نحن إزاء تدوير آخر للذّاكرة للكتابة وهما في نسق إنشائي مع رمزيّة للعصا للرّيشة للقلم وقد اعتنى المنشئ بالانكباب على مجمل تصاريف الورشة داخليّا وخاريجيّا يغرف منها حاجته في الاثبات على أنّ الرّحلة متواصلة مع الاكتشافات ومع المتعة ومع الحياة.
يستمرّ الوهايبي في جعل كلّ مشروع كتابيّ له تأسيساته، له رحلته وله وقوفه وله من النّسيب الكثير يشرع بالتّجاور مع ” فهرست الحيوان ” أصدره بنبذة ل” جورج باتاي”: ” الحيوان في الكون مثل الماء في الماء” وهو يعلك نظره إلى القريب إلى عتبات السّوح والأسواق في نزوع تساؤليّ إلى تغيير درجات من فجوات زاوياه على الشّعر ينشأ في تعالقه مع التنفّس الحياتي ليبتعد بالجناس في إيقاعاته إلى طباقات تضدّ الغريب بالغريب والمألوف بصنوه في تناوب حيميّ لقدح مجازات تتراسل أو تستعير لتعلي من بياناتها وهي من سفر إلى آخر يقيم الدّليل على أنّ الشّعر حظيرة لها من المداخل العديد من المشاغل والأبواب عند تجميع مكوّنات وتبويب مشاهد عن مواضيع تصبح هي ذاتها مناخات تتزارع في توزّعه على حالة من عبور يقول في ننموذج من نصوصه قد تلخّص مقتضيات هذه الإفادات :
كيف لم نطر
وقفتُ بباب القيروان كأنّني قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
دار من دون شبابيك وأبواب
لم نعرف قطّ أكنّا ندخلها أم نخرج منها
كنّا نعرف أنّ الشّهوة أخت الشّمس
وكنّا نتعلّم فيها كيف نحاكي الماء….
مثل حلزون أكسل تورسكاي
بخطى حلزون أتقدّم في أعوامي الخمسين
أتجمّع أو اتخلّق
منزلقا في نفقٍ لابدء له آخر
” سمّاه أكسل تورسكاي هويّته”
جسدي بيدي
وطريقي فيه….
لا يعنيني أبدا إن كان لأحلامي دم هرطيق ونبي
والآن هنا
في قوقعةٍ لا يأتيها الماء ولا الرّيح
عالقة في أعلى التّين الشّوكي
أنظر تحتي وأقول
حقّا لا ينقصني إلاّ الأرض؟
نموذج يعيد ما يتناوب في هذه الحداثة من تصريفات تعلّق على الحسّ البصريّ وهو يقف إلى مشهديّات تتالى في سرديّات تحتكم إلى متناظرتين من النّفعيّة الإخباريّة ومقتضاياتها وهي تهيّئ وهي تؤطّر وهي تحيل، ومن البراغماتيّة الإنشائيّة وهي تطلب وهي تنشئ من محاضنها ملتمسات تأويليّة شتّى تقرّبنا من علاقة المنصف بإعادته تقليب الذّاكرة على غير منوال من هذه المجايلية الشّعريّة وهو يبتعد عنهم بكثافته الثّقافيّة تنشئ طبقات متنوّعة تتسوّغ من مجالات معرفيّة تاريخيّة جغرافيّة نفسانيّة حدسيّة فلسفيّة سياسيّة مفارقة متعدّدة، كأنّ يستحضر كاتبا وعلاقته بالحيوان أو يستدرج علاقة مخرج أو ممثّل بسرديّة في أفلامه و يتحيّن رسّاما في انطباعه وهو يجزّئ في ارساله أو يعدّده عند الألوان خطوطا وتعبئات….
وكانت القيروان محضنة تفاعلاته دائما في هذه الشّعريّات يتفاعل معها بدافعيّات من التّصوير قد تتلامس مع ما أتاحته مناسبة زيارة التّشكيليّ العالمي بول كلي في بداية القرن العشرين في ترسيم دوائر ضوئيّة مخصوصة كذلك استنبت الوهايبي مخاضاته في هدوئه الإيقاعي مع حيوات جرت معه في مدينته تشبهه ويشبهها، تتماثل معه في زمانيّاته وفي سرديّاتها المتعاقبة عبر التّاريخ.
لاتكاد لحظة تنفلت من عقالها حتّى يمسك بها في كلّ ما تداورت عليه التّجربة من علاقات يحيّر تربتها فيعود اليوميّ كونيّا يفتح معارجه على الأسئلة أسئلة الوجود و الهويّة في ملتقيات مازالت تثقب نظرها في الطّريف من المجاور حركةً أو تنفّسا أو مسرحةً منفلتةً أو ومضة من شغف أو حرجًا أو وقوعا على ضبابيّة … يرشّحها إلى تأمّل خصيبٍ يتدلّى إلى فاعليّات إنشائيّة تسرد تشعر تتعالى في إيقاعاتها المنثورة تبطئ وتحزم من حين إلى آخر تدرّجا يحفظ أوشامه يغرف من معهوده من روحانيّاته تدور من زمن إلى آخر.
الصّداقات كان لها وقعها في بلورة حظائره الإنشائيّة من فرصةٍ إلى موقعةٍ ومن نزالٍ إلى منبر ومن مصادفةٍ إلى عادةٍ تكاثف فيها الإيحاء بالإيحاء حتّى غدا الوهايبي ذاكرة الحداثة مع منظوريها يداهمهم بالتّعجّب دائما من حلقات تؤنس تغمس من متواترات من الحيوات الوجوديّة تجعل من هذه العوالم مناخات معرفيّة قد أتاحت المناسبة الكتابيّة عنده تفكيرا في شعريّة فلان أو تفكيره أو طريقته أو بريده للآخرين في غير ذي إغراق من نقد يتقدّم في الشّعر وهو يتضاعف فيه.
مقتطف من إخلاصه للشّاعر أولاد احمد :
في ضبابٍ من الضّوء حيثُ الهواء
يتلابس بالظلّ
قال الكتاب تلزمها مفاتيح
لكنّها
لم تدر قطّ في قفل قافيةٍ
من قوافي امرئ القيس والمتنبّي
الكتابة لا تفتح الباب إلاّ لتغلقه…
عينّة من تواشج مخصوص يستدرك فيه الشّاعر نفسه مع شاعره الرّاحل في تأطير للشّعر وهو يتحدّث عنه نفسه في طريق حياكته وهو ما يجعل المقطوعة إخبارا عن الأحاديث التي كانت تحضر بين الذّاتين حتّى يصبح الإدلاء ليس تبينا عاديّا إنّما استحضارا لمواقيت بيّنة تذهب في الرّؤية الحداثيّة التي لا تنقطع مع القدامة في شيء من حيث إيراداتها النّقديّة في الإحاطة تلو الأخرى بصياغة الشّعر في ما يقوله أو يبشّر به، تلك هي علاقته بالاصدقاء يرسم بهم مخاضات ومخاضات حول هذه التّدابير في تصريفات الإبانه مع هذه العلاقات في حلّها وترحالها من تونس إلى رام اللّه ومنه إلى عمّان ومنها إلى دمشق أو بيروت ومنها إلى الطّائف أو غيرها من زيارات إلى المغرب والبرتغال… ومنها إلى الحجاز وإلى الخليج …
تعبر أفكار المنصف الوهايبي في سلاسة تنظم خيطها الباني مع متواترات شتّى من الموروث الادبيّ تتعالق منها السّرديّات مقتضبة عالية في مناحيها الاستعاريّة تدوّن مسارات مدارات من شجون وبُوحات تتشكّل في إيقاعاتها تتراسل مع التّفعيلة إيذانا بشساعة الأوزوان وسعتها وقدرتها في نثر ما يعتمل ثقافة لا تتخّذ نمطا واحذا حتّى تبدي زينتها في تحديث طريف يجدل مع القديم ويفارقه.
خاتمة :
المنصف الوهايبي عوالم من الجدّة في المشروع التّحديثي الشّعريّ المعاصر، يغمس من القدامة ويضدّ الجديد بمتنوّعات أسلوبيّة طريفة تبرز نظامها في تشكيل النصّ عنده، إيقاعا يرفد إيقاعا، يطرف من سرديّته داخل البناء ويثمر في عراجينها المعرفيّة، تلك كثافتها من صوته القيروانيّ يحتفي من فنون شتّى ومن حلقات والرّحلات نوافذ وطقوس.
