جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

عندما يستهدف العمل النقابي : من يحمي العامل قبل أن يقع الحادث ؟

 في 13 جويلية 2026، لم تكن حادثة المصعد الأليمة التي شهدتها إحدى المؤسسات بالمنطقة الصناعية بالقيروان، والتي راح ضحيتها الشاب أيمن الهمامي، مجرد حادث شغل معزول أو قضاءً وقدرًا، بل كانت مناسبة مؤلمة لإعادة طرح سؤالين أساسيين يتجددان مع كل مأساة مهنية: لماذا تتكرر حوادث الشغل؟ وكيف يمكن تعزيز آليات الوقاية قبل وقوعها؟

في كل مرة نفقد فيها عاملًا داخل فضاء العمل، لا ينبغي أن يقتصر النقاش على الأسباب المباشرة للحادث أو على المسؤوليات الفردية فقط، بل يجب أن يمتد إلى تحليل المنظومة التي تنتج شروط الخطر. فحوادث الشغل لا تكون دائمًا أحداثًا معزولة، بل قد تكون انعكاسًا لاختيارات تنظيمية واقتصادية واجتماعية تجعل متطلبات الإنتاج تتقدم أحيانًا على حساب حماية الإنسان.

إن السلامة والصحة المهنية ليستا مجرد إجراءات تقنية أو بروتوكولات إدارية، بل هما جزء أساسي من منظومة الحماية الاجتماعية وركيزة من ركائز العمل اللائق. وعندما تضعف ثقافة الوقاية، أو تصبح الرقابة شكلية، أو تتحول قواعد السلامة إلى مجرد التزامات مكتوبة دون تطبيق فعلي، يصبح العامل الحلقة الأضعف في العلاقة الشغلية، ويصبح جسده أول من يدفع ثمن الاختلالات.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل واقع السلامة والصحة المهنية عن واقع العمل النقابي. فالتجارب التاريخية في تونس وفي مختلف دول العالم تؤكد أن النقابات لم تكن فقط إطارًا للمطالبة بالأجور وتحسين شروط العمل، بل كانت أيضًا قوة اجتماعية للدفاع عن كرامة العامل، وعن الحق في بيئة عمل آمنة، وعن ضرورة إشراك العمال في مراقبة شروط العمل والتنبيه إلى المخاطر قبل تحولها إلى مآسٍ.

وعندما يُضعَف حضور التمثيل العمالي داخل المؤسسات، أو تُقيَّد قدرة ممثلي العمال على القيام بدورهم، أو يُنظر إلى العمل النقابي باعتباره عائقًا بدل اعتباره شريكًا في بناء شروط عمل أفضل، فإن إحدى أهم آليات الإنذار المبكر تفقد فعاليتها. فالممثل النقابي هو الأقرب إلى الواقع اليومي للعمال، وهو من ينقل مشاغلهم، ويرصد النقائص، ويطرح الأسئلة قبل أن تتحول المخاطر إلى حوادث.

إن تكرار حوادث الشغل لا يمكن فهمه خارج اختلال التوازن داخل علاقات العمل. فبين ضغوط التنظيم والإنتاج من جهة، وضرورة احترام آليات الرقابة والتمثيل والحوار الاجتماعي من جهة أخرى، يظل العمل اللائق قائمًا على معادلة أساسية: لا يمكن تحقيق الإنتاج على حساب سلامة الإنسان العامل وحقه في الحماية والكرامة. وعندما يختل هذا التوازن، يكون العامل أول من يتحمل كلفة الاختلالات.

وفي هذا السياق، يبرز الدور التاريخي للهياكل النقابية الجهوية والقطاعية في حماية الحق في السلامة والصحة المهنية، من خلال متابعة ظروف العمل، والتنبيه إلى مواطن الخطر، والمطالبة بإجراءات وقائية قبل وقوع الحوادث. وقد عبّر الاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان في العديد من المناسبات عن انشغاله بواقع بعض القطاعات والفضاءات المهنية التي تطرح تحديات على مستوى شروط السلامة والحماية، ومنها متابعة وضعية مقاطع الحجارة بالهوارب، باعتبارها من مجالات العمل التي تستوجب يقظة مستمرة واحترامًا صارمًا لمعايير الوقاية. وتؤكد هذه التحركات أن الدفاع عن العامل لا يبدأ بعد وقوع المأساة، بل ينطلق من رصد المخاطر، والتنبيه إليها، والمطالبة بتوفير شروط عمل تحفظ سلامة الأشخاص وكرامتهم.

إن الوقاية الحقيقية لا تبدأ بعد وقوع المأساة، بل قبلها بكثير؛ من خلال ترسيخ ثقافة السلامة، وتعزيز دور تفقدية الشغل، وضمان احترام معايير الصحة والسلامة المهنية، وتمكين مختلف الأطراف الاجتماعية، وفي مقدمتها ممثلو العمال، من القيام بأدوارهم في إطار من المسؤولية والحوار.

لقد أكدت منظمة العمل الدولية أن الحق في بيئة عمل آمنة وصحية أصبح من المبادئ والحقوق الأساسية في العمل. وهذا يعني أن حماية العامل ليست امتيازًا تمنحه المؤسسة متى شاءت، وإنما هي حق أصيل وجزء من كرامة الإنسان في العمل.

إن وفاة الشاب أيمن الهمامي، الذي كان يستعد للاحتفال بزفافه بعد أيام قليلة، تذكرنا بأن وراء كل حادث شغل حياة كاملة: إنسان، وأسرة، وأحلام توقفت فجأة. كما تذكرنا بأن كل مأساة مهنية تفرض علينا إعادة التفكير في شروط الحماية داخل فضاءات العمل وفي مسؤولية مختلف الأطراف الاجتماعية.

وأفضل وفاء لذكراه لا يكون فقط بعبارات الرثاء، بل بفتح نقاش جدي حول واقع السلامة والصحة المهنية، وبإعادة الاعتبار للوقاية باعتبارها مسؤولية جماعية، وللعمل النقابي باعتباره أحد مكونات حماية العمال والدفاع عن حقهم في العمل بكرامة وأمان.

رحم الله الفقيد، ورزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.

مقالات مشابهة

حين يصبح تنفيذ القانون امتحانًا لهيبة الدولة..

فريق النشر Echaab News

من جينيف إلى تونس : هل يتحول العمل عبر المنصات الرقمية إلى ورش إصلاح تشريعي جديد رغم أزمة الحوار الاجتماعي؟

فريق النشر Echaab News

حين تتقدم العناوين وتتراجع الأولويات : أي حوكمة للعمل دون حوكمة للحوار الاجتماعي ؟

فريق النشر Echaab News