43.8 C
تونس
15 جويلية، 2026 15:31
جريدة الشعب نيوز
آراء حرةدولي

من جينيف إلى تونس : هل يتحول العمل عبر المنصات الرقمية إلى ورش إصلاح تشريعي جديد رغم أزمة الحوار الاجتماعي؟

لم يعد تنظيم العمل عبر المنصات الرقمية مجرد قضية مهنية تخص سائقي تطبيقات النقل أو عمال التوصيل أو العاملين المستقلين في المجالات الرقمية، بل أصبح أحد أبرز التحديات التشريعية والاجتماعية التي تواجه سوق الشغل في العالم، وفي تونس على وجه الخصوص. ففي وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتمدد أنماط التشغيل الجديدة، تبدو المنظومة القانونية التونسية، وعلى رأسها مجلة الشغل، عاجزة عن استيعاب هذه التحولات، بما يطرح الحاجة إلى مراجعة شاملة لا تقتصر على حماية العمال فحسب، وإنما تمتد أيضا إلى توفير بيئة قانونية مستقرة ومحفزة للاستثمار والابتكار.

ويأتي هذا النقاش في سياق دولي متقدم، بعد أن شهد مؤتمر العمل الدولي بجنيف خلال شهر جوان 2026 مصادقة اللجنة المعيارية الثلاثية، بالإجماع، على مشروع اتفاقية دولية بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، في انتظار المصادقة النهائية عليها. وقد مثل هذا الاتفاق تتويجا لمسار تفاوضي انطلق منذ سنة 2024 بمشاركة الحكومات ومنظمات أصحاب العمل والاتحادات النقابية، وأسفر عن أول إطار معياري دولي يعترف بخصوصية العمل عبر المنصات ويؤسس لمبادئ الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية والحقوق المهنية.
وتكتسي هذه الاتفاقية أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على البعد الاجتماعي، وإنما تقدم مرجعا قانونيا يمكن أن تستند إليه المحاكم والتشريعات الوطنية في تحديد طبيعة العلاقة بين العامل والمنصة الرقمية، وهي مسألة أثارت جدلا واسعا في العديد من الدول التي اعتبرت بعض العاملين عبر التطبيقات أجراء يتمتعون بحقوق الشغل الكاملة، بعد سنوات من تصنيفهم كمزودي خدمات مستقلين.
وفي تونس، سبق أن دق الاتحاد العام التونسي للشغل ناقوس الخطر بشأن أوضاع العاملين عبر المنصات الرقمية من خلال دراسة ميدانية رسمت صورة مقلقة عن واقع هذا القطاع. فقد كشفت الدراسة أن 98 بالمائة من العاملين عبر المنصات الرقمية يوجدون خارج منظومة الحماية القانونية والاجتماعية، في ظل غياب الاعتراف بالعلاقة الشغلية، وحرمان أغلبهم من التغطية الاجتماعية والتأمين ضد حوادث الشغل وحقوق التقاعد والعطل المدفوعة، فضلا عن خضوعهم لقرارات خوارزميات المنصات التي تحدد الأجور والعمولات، وقد تنهي العلاقة المهنية بشكل أحادي ودون آليات واضحة للتظلم. كما دعا الاتحاد إلى إرساء إطار قانوني جديد، أو إلى إلحاق باب خاص بمجلة الشغل، يعيد تكييف العلاقات الشغلية الرقمية، ويُلزم المنصات بالمساهمة في تمويل منظومة الحماية الاجتماعية للعاملين لديها.
ويبدو أن هذا التشخيص بدأ يجد صداه داخل المؤسسات الرسمية، إذ أكد وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر يوم الاثنين 13 جويلية 2026 خلال افتتاح ورشة حول حوكمة إدارات العمل، ضرورة مراجعة وتطوير عدد من النصوص الواردة بمجلة الشغل بما يضمن حماية الحقوق الأساسية للعاملين عبر المنصات الرقمية وتوفير الحماية الاجتماعية والعمل اللائق، معتبرا أن التحول الرقمي يفرض بناء إطار وطني متكامل يواكب هذه التحولات ويشجع في الوقت ذاته على الاستثمار والابتكار، كما أشار إلى أهمية الاستفادة من الاتفاقية العربية رقم 20 والتوصية رقم 10 لسنة 2024 بشأن الأنماط الجديدة للعمل.
وتكتسب دعوة الوزير إلى تنقيح مجلة الشغل أهمية خاصة، لأنها تأتي بعد أقل من عام على المصادقة، فجر يوم 21 ماي 2025، على القانون المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، الذي قُدم آنذاك باعتباره إصلاحا اجتماعيا يهدف إلى سد الثغرات القانونية، ووضع حد للعقود محددة المدة، وإلغاء المناولة في القطاعين العام والخاص. غير أن ذلك القانون أُنجز في مناخ غلبت عليه الحسابات السياسوية والانتخابوية والرغبة في تحقيق مكاسب شعبوية وتسجيل نقاط في الساحة الاجتماعية، بما في ذلك على حساب المقاربات التي دافع عنها الاتحاد العام التونسي للشغل. ولم تمض سوى أشهر حتى برزت صعوبات عملية وإخلالات قانونية أثارت نقاشا متزايدا حول الحاجة إلى مراجعة عدد من أحكامه. ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة الحالية إلى مراجعة مجلة الشغل فرصة لتجنب تكرار التجربة نفسها، من خلال اعتماد مقاربة تشاركية تستند إلى الدراسات والخبرة القانونية والمعايير الدولية، بدل الاكتفاء بإنتاج نصوص تستجيب لضغط الظرف السياسي أكثر مما تستجيب للتحولات العميقة التي يعرفها سوق الشغل.
وتكشف هذه المعطيات عن تقاطع لافت بين ثلاثة مستويات مختلفة؛ مستوى دولي تقوده منظمة العمل الدولية، ومستوى نقابي يقدمه الاتحاد العام التونسي للشغل، ومستوى حكومي بدأ يقر بضرورة تحديث المنظومة القانونية. غير أن هذا التقاطع في الرؤية لا يعني بالضرورة وجود مسار إصلاحي واضح، خاصة في ظل الأزمة العميقة التي يعيشها الحوار الاجتماعي في تونس.
فإصلاح مجلة الشغل في هذا المجال لا يمكن أن يكون مجرد تعديل تقني لبعض الفصول، بل يقتضي إعادة التفكير في مفهوم العلاقة الشغلية ذاته، وفي كيفية التوفيق بين خصوصية الاقتصاد الرقمي ومتطلبات العدالة الاجتماعية. كما يحتاج إلى توافقات واسعة بين الحكومة و الطرف النقابي ومنظمات الأعراف، وهي توافقات تبدو اليوم أكثر صعوبة مع تراجع مؤسسات الحوار الاجتماعي وغياب المفاوضات الثلاثية المنتظمة التي كانت تمثل إحدى ركائز السياسات الاجتماعية في تونس.
وتزداد أهمية هذا الحوار بالنظر إلى أن التشريعات المرتقبة مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين طرفين لا غنى عن أي منهما. فمن جهة، يحتاج العاملون عبر المنصات إلى ضمانات قانونية واضحة تشمل الاعتراف بعلاقتهم الشغلية متى توفرت عناصرها، والانتفاع بالحماية الاجتماعية والتغطية ضد حوادث الشغل، وضمان حد أدنى من الشفافية في عمل الخوارزميات، وحقهم في الاعتراض على القرارات الآلية التي قد تحرمهم من مورد رزقهم. ومن جهة أخرى، تحتاج المنصات الرقمية، وخاصة المؤسسات الناشئة والمستثمرون التونسيون والأجانب في الاقتصاد الرقمي، إلى إطار قانوني مستقر وواضح، يحدد الالتزامات والحقوق، ويوفر الأمن القانوني، ويجنبهم تضخم الأعباء الإدارية أو المالية التي قد تعرقل الاستثمار والابتكار أو تدفع بعض الفاعلين إلى العمل خارج الأطر المنظمة.
ومن ثمة فإن نجاح أي مراجعة لمجلة الشغل سيقاس بقدرتها على بناء هذا التوازن، فلا تتحول حماية العمال إلى عائق أمام الاقتصاد الرقمي، ولا يصبح تشجيع الاستثمار مبررا لإبقاء آلاف العاملين خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية. كما يقتضي الأمر وضع تعريف قانوني دقيق للعامل عبر المنصة، وتحديد معايير التمييز بين الأجير ومقدم الخدمات المستقل، وإرساء قواعد تنظم مسؤولية المنصات، وآليات فض النزاعات، ومساهمة مختلف الأطراف في تمويل منظومة الحماية الاجتماعية.
ولعل التحدي الأكبر لا يتمثل في صياغة نصوص قانونية جديدة، وإنما في إعادة إحياء آليات الحوار الاجتماعي التي تسمح بصناعة هذه النصوص بشكل توافقي. فالتجربة التي قادت إلى الاتفاقية الدولية في جنيف قامت أساسا على الحوار الثلاثي بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال، وهو النموذج نفسه الذي تحتاجه تونس إذا أرادت تحويل النقاش الحالي إلى إصلاح تشريعي فعلي يضمن في الآن ذاته كرامة العامل، ويؤمن استدامة الاستثمار، ويواكب التحولات المتسارعة التي يفرضها الاقتصاد الرقمي، بعيدا عن منطق التشريع تحت ضغط الشعبوية أو مناخات التجاذب السياسي التي أثبتت التجارب الأخيرة محدوديته.

مقالات مشابهة

حين تتقدم العناوين وتتراجع الأولويات : أي حوكمة للعمل دون حوكمة للحوار الاجتماعي ؟

فريق النشر Echaab News

المرأة التونسية بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي : حقوق مؤجلة وعدالة غائبة

فريق النشر Echaab News

بسبب طعنة في الرقبة : الحكم على تونسيين في ايطاليا ب 6 و 7 سنوات سجنا

فريق النشر Echaab News