لا يختلف اثنان حول أهمية مواكبة التحولات التي يشهدها عالم الشغل، وما أفرزته الرقمنة والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية من أنماط جديدة للعمل تستوجب مراجعة التشريعات الوطنية وتطويرها. كما أن تعزيز مقومات العمل اللائق يظل هدفا مشروعا يتماشى مع المعايير العربية والدولية.
غير أن النقاش حول مستقبل العمل لا ينبغي أن يحجب واقع العمل اليوم، ولا أن يتحول إلى مناسبة لتجاوز الملفات الاجتماعية والقانونية الأكثر إلحاحا.
فالعمل اللائق، كما كرسته اتفاقيات منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية، لا يقوم فقط على تنظيم العمل عبر المنصات الرقمية، بل يرتكز أيضا على أربعة أعمدة أساسية: احترام الحقوق في العمل، والحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي، والعمل المنتج في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن “حوكمة إدارات العمل” يقتضي، قبل كل شيء، مساءلة واقع الحوكمة داخل مؤسسات القطاع الاجتماعي نفسها. فكيف يمكن الحديث عن الحوكمة الرشيدة في ظل تعطيل بعض آليات الحوار الاجتماعي؟ وكيف يمكن الحديث عن تعزيز العمل اللائق بينما تتعطل في بعض المؤسسات اللجان المشتركة، وتتأخر معالجة الملفات المهنية والاجتماعية، ويتم في أحيان كثيرة تهميش الطرف الاجتماعي في القضايا التي تمس حقوق الأعوان؟
إن الدستور التونسي يقر بالحوار الاجتماعي وبالحق النقابي باعتبارهما من ركائز الدولة الاجتماعية، كما أن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس، وفي مقدمتها اتفاقيتا منظمة العمل الدولية بشأن الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية، تفرض على السلط العمومية توفير مناخ يقوم على التشاور الحقيقي لا على الاكتفاء بالاستشارة الشكلية.
ومن الناحية القانونية، فإن الحوكمة ليست مجرد عنوان لورشة عمل، وإنما منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والمساءلة، واحترام القانون، وإشراك مختلف المتدخلين في صنع القرار، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحقوق الاجتماعية والمهنية.
أما من الناحية النقابية، فإن الدفاع عن العمل اللائق لا يبدأ بالعامل عبر المنصة الرقمية فقط، بل يبدأ أيضا بحماية الموظف العمومي، وصيانة حقوق منظوري الصناديق الاجتماعية، وضمان استدامة منظومة الحماية الاجتماعية، واحترام التمثيلية النقابية باعتبارها شريكا أساسيا في رسم السياسات الاجتماعية.
إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بالانتقال من ملف إلى آخر، وإنما بمعالجة الاختلالات القائمة بالتوازي مع استشراف المستقبل. فالتشريعات الحديثة لن تحقق أهدافها إذا ظلت الإدارة عاجزة عن تطبيق المبادئ الأساسية للحوكمة داخل مؤسساتها.
إن الرؤية النقابية ليست رفضا للتحديث، بل مطالبة بأن يكون التحديث شاملا ومتوازنا؛ تحديثا للنصوص، وللممارسات، ولأساليب الإدارة، ولعلاقة السلطة الإدارية بالشركاء الاجتماعيين.
فلا يمكن بناء مستقبل جديد للعمل فوق واقع اجتماعي يعاني من أزمات متراكمة. ولا يمكن الحديث عن العمل اللائق دون احترام الحوار الاجتماعي، لأن هذا الحوار ليس امتيازا تمنحه الإدارة، بل هو استحقاق قانوني ودستوري، وشرط أساسي لأي إصلاح مستدام.
إن نجاح أي إصلاح في مجال الشغل لن يقاس بعدد الندوات أو التوصيات، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل مبادئ الحوكمة إلى ممارسة يومية، وإعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي، وترسيخ سيادة القانون داخل مؤسساتها، حتى يصبح العمل اللائق واقعا يعيشه العامل، لا مجرد عنوان يرفع في المؤتمرات.
