بقلم آمال الهمامي – تتواصل معاناة العاملات الفلاحيات واستمرار الإخلال بتطبيق التشريعات انطلاقًا من مسؤوليتنا في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية وحماية كرامة العاملات الفلاحيات ، نعبر عن قلقنا العميق إزاء ما تعيشه هذه الفئة من إهمال مزمن في التطبيق الفعلي للتشريعات التي أقرتها الدولة .
فمن الناحية القانونية ، لا يمكن الادعاء بغياب الإطار التشريعي ، إذ صدر القانون عدد 51 لسنة 2019 المتعلّق بتنظيم نقل العاملين في القطاع الفلاحي، والذي وضع قواعد واضحة لتأمين وسائل النقل ومنع النقل العشوائي وغير الآمن، كما صدر في 22 أكتوبر 2024 المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلّق بحقوق العاملات الفلاحيات، وهو نص شامل يهدف إلى ضمان حقوقهن في الشغل، والحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والتكوين، وإحداث صندوق خاص للحماية الاجتماعية.
غير أنّ الإشكال الجوهري لا يكمن في غياب النصوص، بل في تعطيل تفعيلها، إذ ما تزال هذه القوانين حبيسة الانتظار، في غياب الأوامر الترتيبية والآليات الميدانية الكفيلة بتطبيقها، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة العاملات الفلاحيات وظروف عيشهن اليومية.
وتكشف الحادثة الأليمة التي شهدتها معتمدية المزونة مؤخرًا، وما رافقها من متابعة غير كافية للمصابات، حجم هذا الخلل بوضوح، حين تتحول التشريعات إلى مجرد عناوين وتصريحات دون تنفيذ فعلي، وتُترك العاملات في مواجهة الإصابات والآلام دون رعاية أو دعم، في إخلال جسيم بالمسؤولية القانونية والسياسية.
وعليه، نؤكد أن المطلوب اليوم هو التفعيل الفوري للقانون عدد 51 لسنة 2019، وإصدار الأوامر الترتيبية الخاصة بالمرسوم عدد 4 لسنة 2024 وتطبيقه على أرض الواقع، وضمان الرعاية الصحية والمتابعة الجدية للمصابات، إلى جانب تدخل مؤسسات الدولة لتوفير الحماية الاجتماعية والدعم الاقتصادي لعائلاتهن. فحقوق العاملات الفلاحيات التزام دستوري وأخلاقي لا يقبل التأجيل أو التبرير.
اعتصام خريجات المعهد العالي لإطارات الطفولة
نحن اليوم أمام وضعية اجتماعية وقانونية خطيرة تعيشها خريجات المعهد العالي لإطارات الطفولة، اللواتي يواصلن اعتصامًا مفتوحًا منذ أيّام، دخل يومه الثاني عشر، أمام وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن، احتجاجا على فرض معايير انتداب جديدة غيّرت بشكل مفاجئ القواعد المعتمدة سابقًا، دون تشاور، ودون مسار انتقالي عادل.
وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء النساء لسن في موقع رفض التقييم أو التشكيك في مبدأ الكفاءة، بل في موقع الدفاع عن مسار أكاديمي وبيداغوجي وقانوني واضح، وعن حق تراكم عبر سنوات طويلة من البطالة القسرية والانتظار، تراوحت بين أربع عشرة وخمس عشرة سنة، في ظل اعتماد الدولة نفسها، خلال فترات سابقة، آلية الانتداب بالملفات وفق الأقدمية والسن.
إنّ ما نشهده اليوم هو إصرار سلطة الإشراف على إدارة هذا الملف بمنطق الأمر الواقع، مع غياب الحوار الجدي، واستمرار تجاهل اعتصام سلمي تقوده نساء في ظروف إنسانية قاسية، وهو ما يزيد من حدّة الاحتقان ويعمّق الإحساس بالظلم.
وعليه، فإننا نحمل الوزارة المعنية مسؤوليتها الكاملة عمّا آلت إليه هذه الوضعية، وندعو إلى إيقاف تنفيذ المعايير الجديدة، وفتح حوار مسؤول يفضي إلى تسوية عادلة تحترم استمرارية الدولة، وتكافؤ الفرص الحقيقي، وكرامة أصحاب الشهادات العليا. فالقضية لم تعد تقنية أو إجرائية، بل أصبحت مسألة عدالة اجتماعية واحترام للحقوق، وأي تأخير في معالجتها ستكون له انعكاسات اجتماعية خطيرة.
ثالثا: حول وضعية المرأة المعطلة عن العمل واستمرار السياسات المُؤبّدة للبطالة
رغم التزامات الدولة التونسية بالمعاهدات والمواثيق الدولية الضامنة لحقوق النساء، ورغم ما ينص عليه الإطار القانوني الوطني من مبادئ المساواة والحق في الشغل والعيش الكريم، تواصل آلاف النساء المعطّلات عن العمل دفع ثمن سياسات اقتصادية واجتماعية تُؤبّد البطالة بدل معالجتها.
فالمعطيات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء تكشف واقعًا مقلقا، حيث بلغت نسبة البطالة في صفوف النساء حوالي 23%، وارتفعت إلى 44% لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، فيما تجاوزت 32% لدى حاملات الشهادات العليا، منهن عدد كبير طالت بطالتهن لسنوات. وهي أرقام خطيرة تُقابل بسياسات اللامبالاة والتسويف، بل وبالتجريم والقمع، رغم الطابع السلمي والمشروع للتحركات المطالبة بالحق في العمل والكرامة.
وإلى جانب البطالة، تعاني النساء العاملات، خاصة في القطاعات الهشة، من تدنّي الأجور، وضعف الحماية القانونية، وغياب التغطية الاجتماعية، وظروف نقل خطيرة، وهو ما يطرح تساؤلًا جديًا حول مدى التزام الدولة بتطبيق القوانين الضامنة لحقوق المرأة، لا الاكتفاء بإقرارها شكليا.
إن الدفاع عن كرامة المرأة لا يكون بالشعارات ولا بالمناسبات، بل بسياسات عمومية عادلة تضمن الحق في الشغل، والحماية الاجتماعية، والعيش الكريم. ومن هذا المنطلق، نؤكد أن نضال النساء، سواء كن عاملات أو معطلات عن العمل، يظل نضالًا مشروعًا من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية.
