جريدة الشعب نيوز
آراء حرةوثائقي

لمسة وفاء من حمة الهمامي لرئيس تحرير جريدة الشعب السابق الراحل يوسف الوسلاتي

بقلم حمّة الهمامي –  “جوزيف”… الغالي  نفتقدك في ظلمة الليالي

عامٌ كامل مرّ على رحيل العزيز يوسف الوسلاتي، “جوزيف”، كما كنّا نناديه لحَزْمِه وانضباطيّته التي تلحظها حتّى في وقفته المهيبَة وفي نظرته الصارمة… شاءت الظروف ألّا أحضر جنازته وأودّعه الوداع الأخير… كنّا، راضية وسارّة وأنا، في زيارة لابنتي الكبرى، نادية، بفرنسا. قمت يوم 18 جويلية صباحا وما أن ألقيت نظرة على الجوّال حتى لمحت مكالمة قادمة من تونس في ساعة مبكّرة، من رفيقتي روضة العمدوني… استغربت الأمر وارتبْتُ من المكالمة وفهمت أنّ طارئا جَدَّ. هاتَفْتُها مباشرة فكان الخبر الصادم… “يوسف مات يا حمّة”… قالتها وهي تجهش بالبكاء… أصابني الوجوم ولم أجد القوة حتى لأسألها متى “اخْتُطف” العزيزُ وكيف؟ كانت روضة، القويّة، الصبورة، تبكي بشهقة وتطلق بعض الكلمات المتقطّعة التي فهمت منها أنّ “جوزيف” أصابته وعكة صحيّة حادّة كانت كافية لاختطافه منّا إلى الأبد… جسدا لا روحا بالطبع.
أعلمت راضية بالخبر الأليم وهي التي تحبّ “جوزيف” منذ أن كان شابّا في الجامعة، ينشط في صفوف الاتحاد العام لطلبة تونس واتحاد الشباب الشيوعيّ التونسيّ… وهي التي تحمل أيضا أجمل الذكريات عن شقيقه نور الدين الذي اعتقل في فيفري 1992 وتعرّض لأشنع صنوف التعذيب لإرغامه على توريطي وتوريط نفسه في عملية اعتداء، وهميّة، على مقرّ حزب الوحدة الشعبية وجريدته، للزجّ بنا في السجن من أجل ارتكاب جناية… وكان لصمود نور الدين ورفضه التواطؤ مع الجلّاد أوّلا ونفي المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبيّة برئاسة الراحل محمّد بالحاج عمر، تعرّضهم لأيّ اعتداء من قبلنا ثانيا، دورٌ حاسمٌ في إفشال مخطّط غبيّ وإجراميّ رسمه عبد الله القلّال وزير الداخلية آنذاك وأحدُ أشنع الجلّادين الذين عرفتهم تونس في تاريخها، لمعاقبة حزب العمّال عن مواقفه المبدئيّة من الأعمال الوحشيّة التي كان يمارسها بوليس أمن الدولة تحت إشرافه المباشر، ضدّ معارضي نظام بن علي، من يساريّين و«إسلاميّين» ونشطاء من الحركة الطلابيّة والنقابيّة. وكان تلفيق قضايا الحقّ العام من الوسائل المستعملة لتجريم المناضلين السياسيين آنذاك… كانت راضية النصراوي تردّد “ملّا نور الدين…”. أمّا نادية كُبرى بناتنا فما أن علمت بوفاة “عمّها يوسف” حتى عادت إلى ذاكرتها صورة روضة، الزوجة والرفيقة، وهي تحمل أمّها، راضية، على كتفييها، في صائفة 2002، وتنزل بها مسرعة أدراج العمارة لتأخذها إلى المصحّة لإسعافها وقد تجاوزت اليوم الثلاثين من الإضراب عن الطعام الذي كانت تخوضه مطالبة بإطلاق سراح “زوجها ورفاقه” المسجونين المحاكمين في قضيّة فيفري 2002 بعد سنوات أربع قضّوها في السرية… لا أحد فهِم وقتها تلك القوّة بل العزيمة التي تسلّحت بها روضة “لتخطف” راضية التي نزل وزنها إلى حوالي الأربعين كلغ و”اتْحَمِّلْها”، كما تحمل أمّا رضيعها، وتجري بها نحو المصحّة خوفا على حياتها وأعوان البوليس السياسي الذين يطوّقون المنطقة يراقبونها عن كثب…
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
آه…
يا “جوزيف”… سرحت في الحديث عن نور الدين وراضية وروضة وبعض حكايات الماضي هروبا من الوجع… لكن لا مفرّ من الرجوع إليك…
عَرَفَتْكَ الحركة التلمذية مناضلا شهما…
وعَرَفتك الحركة الطلابية مبارزا عنيدا فكرا وممارسة
وعَرَفَك اتحاد الشباب الشيوعيّ التونسيّ قائدا ملهما
وعرفَكَ حزب العمّال مناضلا صادقا
وعَرَفَتْكَ الصحافة مبدعا ومثابرا من أجل حريتها
مدركا أنّ “الكلمةَ موقفٌ والصمتُ أمام الظلم خيانة”
وبوّأك زملاؤك شرفَ تمثيلهم في النقابة الوطنيّة للصحفيّين التونسيّين
فكنت المخلصَ الوفيَّ لمبادئ “مهنة المتاعب والمخاطر” وأهدافها النبيلة، المؤمن، في الأوقات الصعبة، بأنّ سلاح الصدق والوضوح والحجّة أكثر فتكا من سلاح الكذب والتشويه والتخوين والتكفير.
ثِق بأنّنا سنظلّ نبحث عنك في تفاصيل الأيّام،
في ضحكتك الصافية وفي سخريتك المرّة من “رفقاء الطريق”
المجد لذكراك… كم كنتُ أفرحُ بلُقياك
تارة لنناقش وتارة أخرى لنؤدّيَ بعض المهام
وتارة ثالثة لنمضي بعض الوقت في “الضحك على الدنيا”،
ولا تنس يا جوزيف “شيئا آخر” كان يجمعنا…
حبّ الرياضة
وإن انقسم قلبانا بين الإفريقي والترجّي…
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
آه…
يا “جوزيف”
نحنُ على العهدِ باقُون
فغرِّدْ من مثواك الأخير وملءَ حُنجرتكَ:
“سيبقَى أصْدقائي
يطرُقون سَمْعَ العالمْ
ويملؤون شوارعَهُ الكبيرهْ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ستُعْشِبُ الأرض على كلّ حالْ
وتطلعُ الشمْسُ والأزهارْ
والبيوتُ البيضاءْ
على أنقاضِ ما انهارْ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
إنْ جاز أن أُنْفىَ
وينتهي غِنائِي
سيبقَى أصْدقائِي
يُشوّشونَ العالمْ
يُكسّرون أبوابَهُ الحديديّهْ
يُحطِّمُونَ أسوارَهْ
ينفُذون إلى الداخلْ
يُعمِلون فيه المعاولْ
سيبْقون
يحملونَ المشاعلْ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
آهِ يا مصيري المجهولْ
يا شيئا مقبولا وغيرَ مقبولْ
سيبقى أصدقائي
ردّا عنيفْ
أعنفَ من بقائي
سيبقَوْنْ
هؤلاء الطالعونَ مع العشبْ
هؤلاء النازلون مع الغيْثْ
هؤلاء الفاتحونْ
سيبقوْنْ”
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ختاما…
يا أخي وصديقي ورفيقي
ربّما أكون اليوم، وقد تحرّرت من بعض ما فيّ من شجن،
بدأت أتقبّل رحيلَكَ…
ليس أصعبَ من أن يخاطبَ الأحياء من أحبّوا وهم ليسوا معهم
لكنّني لن أتوقّف عن مخاطبتك يا “جوزيف”
لأنّني على قناعة بأنّ المحبّة تجتاح حتّى بقايا عظام الموتى وهم في قبورهم
إنّ المحبّة لا تَعرف الغياب
والرفاق الحقيقيّون لا يرحلون بل يسكنون ذاكرة من ساروا وناضلوا
معهم كتفا بكتف…
واعلم يا “جوزيف” أنّني محظوظ
فأنا أرى صُورتَك يوميّا في وجه سيرين
أرمقُها وأتفحّص عينيها وملامح وجهها
وهي لا تدري عمّا أبحث…
كبرتِ البنتُ وصارت ترْعى صديقةَ
أمّها وأبيها وتغنّي لها…
وتُحرّك جسمَها وتبثّ ُ فيه أجملَ ألحان الدنيا حتّى يقوى على المرض…
ـ ـ ـ ـ ـ ـ
اهنأْ يا “جوزيف”
«نحنُ مِلْحُ الأرْض… وترابُ العجين”
نحنُ على العهْدِ باقون…
ثُوّارا كُنّا وثوّارا مازلنا وثوّارا سنبقى
إلى أبد الآبدينْ…

مقالات مشابهة

حين يصبح تنفيذ القانون امتحانًا لهيبة الدولة..

فريق النشر Echaab News

عندما يستهدف العمل النقابي : من يحمي العامل قبل أن يقع الحادث ؟

فريق النشر Echaab News

من جينيف إلى تونس : هل يتحول العمل عبر المنصات الرقمية إلى ورش إصلاح تشريعي جديد رغم أزمة الحوار الاجتماعي؟

فريق النشر Echaab News