جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

ثلاث سنوات بعد مذكرة التفاهم التونسية الأوروبية … هل أصبحت تونس تدير الهجرة أم تدير آثارها ؟

 من ضبط الحدود إلى إدارة واقع هجرة جديد

بعد مرور ثلاث سنوات على توقيع مذكرة التفاهم التونسية الأوروبية حول الهجرة في 16 جويلية 2023، تبدو صورة الملف أكثر تعقيدًا من أرقام العبور والمنع. فقد دخلت تونس منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة في إدارة الهجرة غير النظامية، في سياق إقليمي جعل من التحكم في مسارات العبور أولوية سياسية وأمنية، خاصة مع تحول البلاد إلى إحدى أبرز نقاط العبور في المتوسط نحو السواحل الإيطالية.

غير أن السنوات التي أعقبت توقيع المذكرة أظهرت أن إدارة الحدود لم تكن سوى جزء من المعادلة؛ فمع تعطل مسارات عدد من المهاجرين، برز واقع جديد داخل تونس: أوضاع قانونية غير مستقرة، حضور متزايد في سوق العمل غير المنظم، وأسئلة اجتماعية وقانونية لم تكن في قلب النقاش عند توقيع المذكرة.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل انتقلت تونس من إدارة حركة الهجرة إلى بناء سياسة لإدارة التحولات التي تنتج عنها؟ أم أنها ما تزال تتعامل أساسًا مع آثار ظاهرة أصبحت جزءًا من مشهدها الاجتماعي ؟

حين تصبح الحدود بداية المشكلة لا نهايتها

لم يكن توقيع مذكرة التفاهم منفصلًا عن سياق سبقها. فقد كانت سنة 2023 سنة ضغط كبير على مسارات الهجرة غير النظامية انطلاقًا من السواحل التونسية، حيث أصبحت البلاد نقطة رئيسية ضمن طرق المتوسط الوسطى نحو أوروبا.

وتكشف المعطيات التي قدمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالاستناد إلى معطيات وزارة الداخلية الإيطالية، حجم هذا الضغط. فقد تم خلال الثلاثية الأولى من سنة 2023 تسجيل 132 ضحية ومفقودًا في البحر، فيما بلغ عدد التونسيين الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال الفترة نفسها 1771 شخصًا، ليبلغ أكثر من 15 ألفًا مع نهاية أكتوبر من السنة نفسها.

هذه الأرقام تفسر مركزية المقاربة الأمنية في إدارة الملف، لكنها تكشف أيضًا أن الهجرة ليست مجرد لحظة عبور، بل نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية، إلى جانب شبكات تهريب تستفيد من هشاشة المهاجرين.

وخلال السنوات التي تلت توقيع المذكرة، أصبحت عمليات الاعتراض والمنع أحد أبرز مؤشرات التعاون في مجال الهجرة. غير أن نجاح مراقبة الحدود لا يقدم وحده صورة كاملة عن التحولات التي تنتج عندما تصبح مسارات العبور أكثر صعوبة، وعن واقع المهاجرين الذين يجدون أنفسهم داخل تونس بعد تعطل مشاريع الهجرة.

المهاجر العالق: الفئة التي أنتجتها صعوبة العبور

لقد أنتج تشديد الرقابة على مسارات العبور تحولًا في وظيفة تونس داخل منظومة الهجرة؛ فلم تعد فقط فضاء عبور نحو أوروبا، بل أصبحت أيضًا فضاء انتظار بالنسبة إلى جزء من المهاجرين. وهكذا برز انتقال جزء منهم من موقع “العابر” إلى موقع “العالق” كأحد أبرز التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة.

فالمهاجر الذي يصل إلى تونس بهدف مواصلة الطريق نحو أوروبا قد يجد نفسه أمام واقع مختلف: تعثر الرحلة، صعوبة العودة، غياب وضع قانوني واضح، والحاجة إلى العمل والسكن والخدمات الأساسية. وهنا لم تعد القضية مرتبطة فقط بحركة عبر البحر، بل أصبحت مرتبطة بوجود بشري قائم داخل المجتمع.

ولا يعني العالق فقط شخصًا ينتظر فرصة جديدة للمغادرة، بل يعني أيضًا تحولًا تدريجيًا في طبيعة الوجود المهاجري داخل تونس. ومع طول مدة الإقامة ظهرت أوضاع اجتماعية جديدة مرتبطة بتكوين الأسر وولادة أطفال داخل تونس، وتحول بعض المهاجرين من حالة عبور مؤقت إلى حضور اجتماعي أكثر استقرارًا وتعقيدًا.

وهذا التحول يطرح أسئلة تتجاوز منطق مراقبة الحدود: ما وضع هؤلاء الأطفال؟ وكيف تُدار حقوقهم وخدماتهم الأساسية ومساراتهم القانونية؟ فالأجيال التي تنشأ داخل بلد لم يكن في الأصل وجهتها الأولى تكشف أن الهجرة لم تعد فقط حركة بين نقطتين جغرافيتين، بل أصبحت واقعًا اجتماعيًا ينتج علاقات وانتماءات جديدة.

حين تدخل الهجرة الحياة اليومية: العمل والأمن

لم تعد الهجرة خلال السنوات الأخيرة ملفًا مرتبطًا بالسواحل فقط، بل أصبحت جزءًا من المشهد الاجتماعي اليومي داخل المدن والأحياء وسوق العمل. ففي قطاعات مثل البناء والفلاحة وبعض الخدمات، أصبح حضور اليد العاملة المهاجرة أكثر وضوحًا. غير أن هشاشة الوضع القانوني لبعض المهاجرين تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال، في ظل ضعف الحماية الاجتماعية وصعوبة المطالبة بالحقوق.

وتكشف هذه الوضعية مفارقة أساسية: فالمهاجر الذي قد يُنظر إليه باعتباره منافسًا في سوق العمل، قد يكون في الوقت نفسه جزءًا من قطاعات اقتصادية تحتاج إلى اليد العاملة.

كما انتقلت الهجرة إلى النقاش حول الأمن والجريمة، حيث أصبح المهاجر يظهر في صورتين متناقضتين: ضحية محتملة لشبكات التهريب والاستغلال، أو مصدر مخاوف أمنية بعد تسجيل جرائم فردية مرتبطة بمهاجرين في وضعية غير نظامية.

غير أن التحليل الاجتماعي يفرض التمييز بين مسؤولية فرد عن فعل إجرامي وبين تحويل هذه الأفعال إلى حكم جماعي على فئة كاملة. فالجريمة لا تُفسَّر بالانتماء إلى وضعية الهجرة وحدها، بل بتداخل عوامل متعددة مثل الهشاشة الاجتماعية، والإقصاء، وغياب الاستقرار القانوني، وظروف العمل، ودور الشبكات الإجرامية.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما طال بقاء المهاجرين داخل تونس دون إطار قانوني واجتماعي واضح، انتقلت القضية من مسألة عبور إلى مسألة إدارة واقع بشري قائم.

بين التضامن ورفض الوجود: المجتمع أمام واقع جديد

لم تقتصر آثار التحول في ظاهرة الهجرة على الدولة وسوق العمل، بل امتدت إلى المجتمع المدني وشبكات التضامن التي تدخلت في مجالات المساعدة الإنسانية والصحية والاجتماعية. وفي المقابل، تصاعد خطاب رافض لوجود المهاجرين، خاصة في ظل مخاوف مرتبطة بالأمن والموارد وفرص العمل. وبين منطق التضامن ومنطق الرفض، تكشف الهجرة عن غياب إطار واضح لإدارة واقع أصبح قائمًا داخل المجتمع.

فالتحدي لا يتمثل في الاختيار بين حماية الأشخاص في وضعية هشاشة أو مكافحة شبكات التهريب، بل في بناء سياسة تميز بين الأمرين وتضع قواعد واضحة لإدارة هذا التحول.

الحدود لا تكفي: الحاجة إلى سياسة تدير التحولات

بعد ثلاث سنوات من مذكرة التفاهم، أصبحت تونس أمام معادلة دقيقة: حماية حدودها ومواجهة شبكات التهريب من جهة، وإدارة التحولات التي أفرزتها الهجرة داخل المجتمع من جهة أخرى. فمراقبة الحدود تظل جزءًا أساسيًا من وظائف الدولة، غير أن إدارة الهجرة تحتاج أيضًا إلى أدوات تتعلق بالإقامة والعمل والحماية والتنسيق بين مختلف المؤسسات.

وقد ركزت انتقادات عدد من المنظمات الحقوقية الدولية على أن التعاون الأوروبي التونسي في مجال الهجرة ركز بدرجة كبيرة على مراقبة الحدود، مقابل الحاجة إلى تطوير مقاربة أكثر شمولًا تشمل الحماية والإطار القانوني وتنظيم أوضاع المهاجرين.

ولا يتعلق الأمر بوضع الأمن في مواجهة الحقوق، بل ببناء سياسة عمومية قادرة على الجمع بين حماية السيادة وإدارة التحولات الاجتماعية والقانونية التي تنتج عن الهجرة.

ثلاث سنوات بعد المذكرة: ماذا أدارت تونس فعليًا؟

تكشف الحصيلة أن تونس جعلت مراقبة الحدود محورًا أساسيًا في إدارة الهجرة غير النظامية، لكنها لم تبنِ بالقدر نفسه سياسة وطنية تستوعب التحولات التي أنتجها هذا المسار داخل المجتمع. فبينما انسجمت أولويات التعاون الأوروبي بدرجة كبيرة مع هدف الحد من تدفقات الهجرة نحو حدوده، بقيت تونس تواجه أسئلة ما بعد العبور: المهاجرون العالقون، العمل غير المنظم، الأوضاع القانونية، الأطفال الذين ولدوا أو نشأوا داخل البلاد، والتوترات الاجتماعية المرتبطة بهذا الواقع الجديد.

المشكلة إذن ليست في التعاون الدولي في حد ذاته، بل في غياب رؤية تونسية تحدد موقع البلاد داخل منظومة الهجرة: هل تكتفي بدور نقطة متقدمة في ضبط الحدود الأوروبية، أم تبني سياسة قادرة على إدارة واقع اجتماعي أصبح قائمًا داخل حدودها؟

بعد ثلاث سنوات، يبدو أن تونس أدارت جزءًا من حركة الهجرة، لكنها لم تبنِ بعد الأدوات الكفيلة بإدارة آثارها. والتحدي الحقيقي لم يعد فقط منع العبور، بل منع تحول ملف الهجرة إلى أزمة اجتماعية وقانونية وأمنية أكثر تعقيدًا في المستقبل.

مقالات مشابهة

الى متى ؟؟؟؟؟ أ فلا تخجلووون؟؟؟؟؟

فريق النشر Echaab News

موجة الحر وسجن المسعدين: بين الجاهزية الصحية وتحدي إدارة الاتصال في مواجهة الشائعات

فريق النشر

لمسة وفاء من حمة الهمامي لرئيس تحرير جريدة الشعب السابق الراحل يوسف الوسلاتي

فريق النشر Echaab News