استمعت اليوم إلى كلمة الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، بمناسبة عيد الجمهورية، فاستحضرت تلقائيًا الكلمة التي ألقاها في الأول من ماي 2026 بمناسبة اليوم العالمي للعمال. ولم يكن ذلك من باب المقارنة بين مناسبتين مختلفتين، بل لأن الخطابين، رغم أنهما لا يفصل بينهما سوى أقل من ثلاثة أشهر، يعكسان تطورًا واضحًا في تموقع القيادة الجديدة للاتحاد، وفي طبيعة الرسائل التي أرادت توجيهها إلى النقابيين، وإلى عموم التونسيين، وإلى السلطة.
فإذا كان خطاب الأول من ماي قد جاء في سياق أعقب المؤتمر الانتخابي للاتحاد، وكان هاجسه الأساسي إعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة وحدة المنظمة وشرعيتها، فإن خطاب عيد الجمهورية بدا أكثر تحررًا من الهواجس التنظيمية، وأكثر ثقة في مخاطبة الرأي العام، وأكثر وضوحًا في تشخيص الأزمة وتحميل المسؤوليات السياسية عنها.
أولًا: الخطاب النقابي… من إعادة ترتيب البيت الداخلي إلى استعادة الدور الوطني:
في خطاب الأول من ماي، احتلت المنظمة نفسها مركز الخطاب. فقد كان واضحًا أن القيادة الجديدة كانت معنية، قبل كل شيء، بإعادة ترميم وحدة الاتحاد بعد المؤتمر، واستعادة تماسك هياكله وقواعده، من خلال استحضار الشرعية التاريخية للحركة النقابية ورمزية قياداتها، والدعوة إلى تجاوز الخلافات الداخلية. لذلك بدا الخطاب موجّهًا، بدرجة أولى، إلى أبناء الاتحاد أنفسهم، باعتبار أن استعادة قوة المنظمة تبدأ باستعادة وحدتها.
أما في كلمة عيد الجمهورية، فقد تراجع هذا الهاجس التنظيمي بشكل لافت، وعاد الاتحاد إلى تقديم نفسه كفاعل وطني رئيسي، لا يقتصر دوره على الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية، بل يمتد إلى تقديم رؤية للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فلم يعد الحديث يدور حول رأب الصدع الداخلي، بل حول حماية الدولة الاجتماعية، وإنقاذ المؤسسات العمومية، وإرساء العدالة الجبائية، واستعادة الحوار الوطني.
وبذلك انتقل الخطاب من إعادة بناء الشرعية الداخلية إلى استعادة الشرعية الوطنية، باعتبار الاتحاد قوة اقتراح ومبادرة، وليس مجرد منظمة مطلبية.
ثانيًا: الخطاب الموجّه إلى الشعب… من التضامن مع المتضررين إلى تفسير أسباب الأزمة:
في خطاب الأول من ماي، كان المواطن حاضرًا أساسًا باعتباره المتضرر من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فقد ركز الأمين العام على تراجع المقدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، وارتفاع البطالة، وهجرة الكفاءات، في خطاب غلب عليه توصيف الواقع الاجتماعي.

أما في كلمة عيد الجمهورية، فقد أصبح الخطاب أكثر عمقًا واتساعًا. فلم يعد يكتفي بوصف معاناة المواطنين، وإنما سعى إلى تفسيرها وربطها بالخيارات والسياسات العمومية التي قادت إلى هذا الوضع. كما حرص على التأكيد أن الأعوان والموظفين والعمال ليسوا مسؤولين عن انهيار الخدمات العمومية، وإنما هم أول ضحاياها.
وفي الوقت نفسه، لم يتوقف الخطاب عند التشخيص، بل حاول إعادة بناء الأمل، من خلال التأكيد أن تونس تمتلك كل المقومات للخروج من أزمتها إذا توفرت الإرادة السياسية، وتمت مراجعة الخيارات، وعاد الحوار الوطني إلى مكانه الطبيعي.
وهكذا أصبح المواطن في الخطاب الجديد ليس مجرد متلقٍ للتضامن، وإنما شريكًا في مشروع وطني للإنقاذ.
ثالثًا: الخطاب الموجّه إلى السلطة… من الحذر السياسي إلى مساءلة السلطة وتحميلها المسؤولية:
لعل هذا الجانب هو الأكثر تطورًا بين الخطابين.
ففي كلمة الأول من ماي، كان واضحًا أن الأمين العام يتعامل مع السلطة بمنطق يغلب عليه الحذر. فقد انصبّ النقد أساسًا على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، دون ربط مباشر بين هذه الأزمة وبين مسؤولية السلطة السياسية أو خياراتها. وحتى عندما تطرق إلى الحريات العامة أو الحوار الاجتماعي، جاءت الصياغة عامة، خالية من تسمية المسؤوليات أو تحديد الجهات التي عطلت الحوار أو ضيقت على الفضاء العام. وكان واضحًا أن القيادة الجديدة كانت تسعى إلى تثبيت موقعها الداخلي أولًا، مع الإبقاء على إمكانية بناء علاقة تقوم على الحوار مع السلطة، دون الانزلاق إلى مواجهة مبكرة.
أما كلمة عيد الجمهورية، فقد حملت تحولًا نوعيًا في طبيعة الخطاب.فالسلطة لم تعد تظهر باعتبارها مجرد طرف مدعو إلى الحوار، وإنما باعتبارها الفاعل السياسي المسؤول عن حصيلة السنوات الخمس الماضية. فالكلمة لا تكتفي بوصف الأزمات، بل تربطها بشكل مباشر بالخيارات التي أُدير بها الشأن العام، وتقارن بين الوعود التي رُفعت باسم بناء “تونس الجديدة” وبين الواقع الذي يعيشه المواطن اليوم، بما فيه من غلاء معيشة، وتدهور للخدمات العمومية، وأزمات في الصحة والتعليم والنقل والكهرباء والمياه والأدوية والصناديق الاجتماعية.
كما يذهب الخطاب أبعد من ذلك، حين لا يكتفي بنقد النتائج، بل ينتقد منهج الحكم نفسه. فهو يعتبر أن إدارة الدولة بمنطق التفرد بالرأي، وإقصاء المنظمات الوطنية، وتعطيل الحوار، لم تؤد إلا إلى تعميق الاحتقان، وفقدان الثقة، وانسداد الأفق السياسي والاجتماعي. وهنا لم يعد الاتحاد يناقش فقط السياسات الاقتصادية، بل أصبح يناقش طبيعة إدارة السلطة للدولة، وهو تطور سياسي بالغ الدلالة.
ومن أبرز نقاط القوة في هذا البيان أنه يرفض بوضوح محاولة تحميل الموظفين والأعوان العموميين مسؤولية انهيار المرافق العمومية.
فالبيان يذكر بأن هؤلاء لا يضعون السياسات العامة، ولا يحددون أولويات الاستثمار، ولا يصادقون على الميزانيات، وإنما ينفذون خيارات تقررها السلطة السياسية. وبهذا يعيد الاتحاد توجيه المسؤولية إلى مركز القرار، ويؤكد أن أزمة الدولة ليست أزمة موظفين أو أعوان، بل أزمة سياسات وخيارات وحوكمة.
كما يربط البيان بين مختلف الأزمات القطاعية، من الكهرباء والمياه إلى الصحة والتعليم والنقل، ليؤكد أنها ليست حوادث منفصلة، وإنما تعبير عن أزمة شاملة في إدارة الدولة وفي السياسات العمومية، وهو ما يمنح الخطاب بعدًا استراتيجيًا يتجاوز المعالجة الظرفية للأحداث.
ومع ذلك، فإن الاتحاد لم يغلق باب الحوار، ولم ينتقل إلى خطاب القطيعة أو المواجهة المفتوحة. فقد ظل يؤكد استعداده لتحمل مسؤوليته الوطنية، والعمل مع مختلف القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة من أجل بلورة حلول واقعية. وهو ما يعكس حرصه على المحافظة على موقعه كقوة وطنية مستقلة تمارس الضغط والنقد،.
غير أن هذا التطور في الخطاب، رغم أهميته، قد يرى البعض انه لا يخلو من بعض مواطن الضعف. فالسياق التونسي اليوم أكثر تعقيدًا من أن تُواجه أزماته بمجرد رفع سقف النقد أو توسيع دائرة تحميل المسؤوليات. فرغم وضوح البيان في مساءلة السلطة، فإنه ظل عامًا في العديد من الجوانب، ولم يتحول إلى برنامج متكامل يحدد أولويات الإصلاح وآجاله وآليات فرضه. كما أن الدعوة إلى الحوار، رغم وجاهتها، تبدو في ظل موازين القوى الحالية أقرب إلى موقف مبدئي منها إلى خيار قابل للتحقق، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على استعداد السلطة للعودة إلى منطق التشاركية.
ومن جهة أخرى، فإن البيان، رغم تحميله السلطة مسؤولية الخيارات والسياسات، لم يحدد بوضوح الأدوات التي يعتزم الاتحاد استخدامها إذا استمر تجاهل مطالبه. فهل سيكتفي بمواصلة إصدار البيانات والدعوة إلى الحوار؟ أم أنه بصدد الإعداد لأشكال جديدة من التعبئة والضغط النقابي والاجتماعي؟ هذا السؤال يبقى معلقًا، خاصة وأن الأزمة التي تعيشها البلاد تجاوزت حدود المطالب الاجتماعية التقليدية، وأصبحت تمس طبيعة إدارة الدولة نفسها..
وفي المحصلة،
يكشف خطاب عيد الجمهورية عن انتقال مهم في أداء القيادة الجديدة للاتحاد العام التونسي للشغل، من مرحلة تثبيت الشرعية الداخلية إلى مرحلة استعادة الحضور الوطني، ومن الحذر في مخاطبة السلطة إلى مساءلتها بصورة أكثر وضوحًا. غير أن نجاح هذا التحول لن يُقاس بارتفاع سقف الخطاب وحده، بل بقدرة الاتحاد على تحويل هذا الخطاب إلى مبادرات عملية، وبناء موازين قوى جديدة، وفرض نفسه مجددًا كفاعل رئيسي في صياغة مستقبل البلاد. ففي تونس اليوم، لم تعد الأزمة تحتاج فقط إلى خطاب أكثر جرأة، بل إلى مشروع وطني قادر على تحويل النقد إلى فعل، والرؤية إلى سياسات، والتوافقات إلى حلول ملموسة
وفي كل الاحوال تبدو العبارة التي اختتم بها الأمين العام كلكته بمناسبة عيد الجمهورية أكثر من مجرد خاتمة بلاغية، بل هي عنوان لمرحلة جديدة في خطاب الاتحاد:
“حين تتكلّم الأزمات… يصبح الصمت تفريطًا في الوطن.”

