يحمل تصريح رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، عقب أحداث وصول مهاجرين إلى سبتة أكثر من مجرد موقف ظرفي مرتبط بحادثة حدودية فهو يكشف عن منطق سياسي متكامل أصبحت الهجرة فيه أحد أهم ميادين إعادة إنتاج خطاب اليمين الأوروبي حيث تتحول الحدود إلى مساحة لصناعة المخاوف وإعادة تعريف مفهوم الأمن.
اللافت في خطاب ميلوني ليس فقط الدعوة إلى “حماية الحدود” وهو مطلب تتبناه مختلف الدول في إدارة سيادتها بل الربط المباشر بين تدفقات الهجرة وبين مفهوم “أمن المواطنين” و”تهديد الحدود الأوروبية” بهذا الانتقال تتحول الهجرة من ظاهرة اجتماعية معقدة ترتبط بعوامل اقتصادية وسياسية وإنسانية متشابكة إلى ملف أمني بالدرجة الأولى ويُعاد تقديم المهاجر باعتباره عنصر خطر قبل النظر إليه كإنسان في وضع هش أو كجزء من حركة بشرية عالمية.
كما أن التلويح بتعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا يحمل دلالة سياسية تتجاوز الحادثة نفسها فشنغن ليست مجرد اتفاق لتنظيم التنقل بل أحد رموز البناء الأوروبي المشترك واستخدامها كورقة ضغط يكشف حجم التوتر داخل الاتحاد الأوروبي حول مسؤولية إدارة الهجرة فبدل أن تدفع الأزمات الحدودية نحو مزيد من التنسيق وتقاسم المسؤوليات، تتحول إلى مناسبة لتعزيز منطق الدولة الوطنية وخطاب “حماية الحدود أولًا”.
ولا يمكن فصل تصريحات ميلوني عن استراتيجية أوسع لليمين الشعبوي الأوروبي الذي جعل من الهجرة محورًا انتخابيًا وسياسيًا فالتشديد على الترحيل وملاحقة شبكات التهريب يخاطب مخاوف الرأي العام لكنه لا يجيب عن السؤال الأعمق: لماذا تستمر طرق الهجرة غير النظامية رغم كل سياسات الردع؟ وهل يمكن معالجة ظاهرة عابرة للحدود بمنطق أمني فقط؟
المفارقة أن الخطاب الأوروبي حول الهجرة يعيش تناقضًا بنيويًا: الدول الأوروبية تسعى إلى تقليص الهجرة غير النظامية لكنها في الوقت نفسه تواجه حاجات متزايدة إلى اليد العاملة الأجنبية بسبب التحولات الديمغرافية ونقص العمال في قطاعات عديدة لذلك فإن اختزال النقاش في مراقبة الحدود والترحيل يخفي صراعًا أعمق بين حاجات الاقتصاد الأوروبي والحسابات السياسية التي تستثمر في مخاوف الهجرة.
كما أن توجيه الانتقاد إلى إسبانيا بدل التركيز على الأسباب البنيوية للظاهرة يعكس أزمة التضامن الأوروبي فالمهاجرون يتحركون داخل فضاء تتداخل فيه مسؤوليات دول المنشأ والعبور والوصول بينما تبقى السياسات الأوروبية غالبًا محكومة بمنطق رد الفعل أمام كل موجة جديدة بدل بناء سياسة مشتركة تعالج جذور الظاهرة ومساراتها
في النهاية، يكشف خطاب ميلوني أن الهجرة لم تعد فقط ملفًا إنسانيًا أو أمنيًا بل أصبحت أيضًا مجالًا للصراع السياسي حول معنى السيادة الأوروبية وحدود التضامن داخل الاتحاد.
