ما بين تونس و الجزائر تاريخ وجغرافيا ودم وأنساب.. وعائلات متصاهرة ممتدة على جغرافيا البلدين… زائد اتفاقيات تعاون في أكثر القطاعات الحيوية.. ومايحدث اليوم من مساع حثيثة وخبيثة لتوتير العلاقة بين البلدين هو من باب تجييش الداخل لمزيد أرباك المشهد العام المرتبك بطبيعته.. وهو على هشاشة عظيمة بحيث لا يمكن تخيّل ردود الفعل المواطنية تجاه اي شكل من اشكال “الغضب”.. وهو “غضب صامت” إلى حد الآن ومع أول قدحة نار سنحترق جميعا..
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عندما تحدث عن امن تونس وسلامتها وبأنه سيحرق كل من يجلب الارهاب إلى تونس فانما كان يتحدث في الواقع عن امن الجزائر وسلامة الجزائر وشعبها.. ولا شيء يهمه غير ذلك.. وهو يدرك بأن طبيعة الأرض واكراهات الجغرافيا والجوار.. إنما تفرض عليه الحرص على سلامة الاراضي التونسية باعتبارها بوابة مفتوحة على الاراضي الجزائرية.. واي شكل من اشكال الإنفلات الأمني في تونس فإنه يتسبب وبالضرورة في أرباك الامن على الاراضي الجزائرية…
الدليل في ازمة الكهرباء

لا وصاية ولا احتواء ولا هم يحزنون.. “فالجزائر أولا “لدى “تبون”.. والدليل انه في ازمة انقطاع الكهرباء الأخيرة التي عاشتها تونس وما تزال لم تقدم الجزائر يد المساعدة إلى تونس كما كان يحدث في كل صائفة.. ولم يكن ذلك تشفيا في تونس واهلها.. وإنما من أجل الجزائر وشعبها.. ولهم الاولية قبل أي شقيق أو صديق.. فالجزائر بدورها قد شهدت درجات حرارة قياسية وانقطاعات متكرر للنور الكهربائي.. ولذلك وضعت كل امكانياتها من أجل مواطنيها وهذا حقها وكما يقول المأثور الشعبي” لا تجوز الصدقة الا بعد ما يشبع امّالي الدار.. اي اصحابها”….
الا ان هذا لا يخفي نبرة “تبون” الاستعلائية” حين يتعلق الحديث بتونس وهو استعلاء استعراضي لا غرض له غير تأكيد قوة العلاقة وصلابتها بين البلدين.. وخاصة في مجال التعاون الأمني المشترك وهو تعاون منصوص عليه من زمان ضمن اتفاقيات بين البلدين.. ومن المفترض ان لا يتم الحديث عنه بهذا الشكل الاستعراضي في التصريحات الاعلامية.. بحيث يُفهم ويؤول ويتم توجيهه إلى مناطق تأويل غير بريئة.. ولها مقاصد وخلفيات شتى.. خاصة في مثل هذه الايام الكبيسة حيث تعيش البلاد التونسية ايامها الاكثر قتامة وغموضا.. خاصة على المستوى السياسي..
تجييش الداخل وتحريضه
وبالتالي يصبح حديث “تبون” غنيمة يتم توظيفها بخبث ودهاء في معارك السياسة.. بحيث يتحول “حديث تبون عن حماية تونس من كل خطر ارهابي” إلى حديث استباحة لسيادة الاراضي الوطنية.. وبيان الادانة للرئيس الجزائري الصادر خلال الساعات الماضية والممضى من طرف “المعارضة الأريكية” المقيمة في المنافي الباريسية الفاخرة وأغلبهم وزراء سابقون من أعوان الاخوان زمن حكمهم اكبر دليل على ذلك وهو بيان لا يخفي لغة واسلوبا ومحتوى مقصده المتمثل في تجييش الداخل وتحريضه بدعوى الرد على السيادة المستباحة من طرف الرئيس الجزائري الذي سمح لنفسه بالتدخل في شؤون البلاد التونسية بسبب ضعف سلطاتها وهشاشة منظومة الحكم التي يقودها قيس سعيد كما جاء في البيان..
هكذا يدير خصوم سعيد معاركهم من خارج البلد وهكذا يسعون وبهذا الغباء للاطاحة بمنظومة حكم هشة بطبيعتها وذلك بتوظيف تصريحات مقتطعة من سياقاتها لتوتير العلاقات بين بلدين شقيقين بما يساهم في تعويم القضايا الأساسية للشعب التونسي وبما يضيّع عناوين الاستباحة الحقيقية للسيادة الوطنية وأهمها:
عناوين الاستباحة الحقيقية
أن تغفل الدولة عن مواطنيها ولا تجيب عن اسئلتهم وتتعامل معهم كرعايا لا حق لهم في ان يفهموا سبب هذا التردي في الخدمات الاجتماعية الدنيا في النقل والصحة والتربية و التعليم والتشغيل وفي حقهم التمتع بالحد الادنى من الخدمات اليومية التي ينص عليها الدستور وتنص عليها كل المواثيق الدولية..
_ تستباح السيادة الوطنية حين يتحول نقد منظومة الحكم إلى جريمة وحين يتحول التعبير الى طريق سريعة سالبة للحرية ..وحين تتحول مطالب التشغيل إلى مؤامرة وحين يتحول مطلب الحد الادنى من العيش الكريم إلى تهمة وحين يتحول التظاهر السلمي إلى تهمة والمتظاهرون إلى خونة وحين يتم تسييج الاعلام بالقوانين والمراسيم المعطلة لاستقلاليته وحين تتحول المعارضة الى خيانة وحين يتحول العمل المدني الجمعياتي إلى عمل انقلابي وحين يتحول المواطن إلى متسول لارزاقه في شوارع القمامة ..
– تستباح السيادة حين تتحول الجريمة إلى تمرين يومي في شوارع البلد وحين يصبح للفساد رايات وطنية وحين يتم التنكيل بالمبلغين عنه وقطع ارزاقهم..تستباح السيادة الوطنية حين تغفل السلطة عن مواطنيها ولا تتحدث معهم ولا تخاطبهم وان تحدثت معهم فمن عليّ وعبر خطاب يخوّن الجميع ويقصفهم بكل التهم المؤدية إلى سجون النسيان..
رعية تأكل وتشرب وتنام
– تستباح السيادة حين يتحول مواطنو البلد إلى رعية تأكل وتشرب وتنام دون أن يكون لها الحق في الصراخ ولا في التفكير ولا في التعبير وإن صرخت فلها الله و(حركة المّد والجزر) بين ادانة وايقاف وإحالة وسجن للنسيان…
لا شيء سيتغير في حال توترت العلاقات التونسية الجزائرية بفعل ما يحدث اليوم من تجييش وتحريض على الجزائر بدعوى استباحة رئيسها لسيادة الدولة التونسية لا شيء سيحدث ما عدا مزيد التضييق على الداخل التونسي ولا أحد سيدفع الثمن غير مواطني الداخل ومن جلدهم الحيّ…في حين ينعم” المعارضون “في الخارج برفاهية المنافي الباريسية..( وأغلبهم وزراء سابقون اشتغلوا مع الاخوان وقد جربناهم فخابوا)
تستباح السيادة من الداخل في تلك اللحظة التي تتحول فيها فكرة المغادرة الى هاجس يومي لدى شباب البلد وحين يضيق البلد على ابنائه وحين تصبح فكرة الانتماء بلا محتوى وحين يصبح الوطن منفرا لمواطنيه..
—–
* العناوين الفرعية من اقتراح فريق النشر
* العنوان الاصلي للمقال: في افتعال المعارك.. وفي تعويم القضايا الأساسية للتونسيين..”هل استباح الرئيس الجزائري حقّا “السيادة الوطنية”…؟
* منقول من صفحة الكاتب وباذن منه.
