جريدة الشعب نيوز
خواطر

ماذا لو قبلتُ الزواج بذلك الرجل الذي خيّرني بين الصحافة وبينه؟

يعود هذا السؤال إليّ أحيانا، يحاكي نافذة أطل منها على حياة لم أعشها، أتخيلها قليلا، ثم أتركها تمضي. فنحن لا نستعيد بعض الاحتمالات إلا لكي نزداد يقينا بالطريق الذي اخترناه.
ماذا لو قلت يومها: نعم؟
أكنت سأعرف أن للأحلام رائحة تشبه كواليس المسارح، وأن للانتظار نبضا يسبق لحظة اللقاء؟ أم كنت سأكتفي بمراقبة العالم من زاوية ضيقة، وأقنع نفسي بأن ما فاتني لم يكن لي يوما؟
هل كنت سأتعلم أن ألاحق الحكايات، وأن أجمع من كل رحلة جزءا جديدا من نفسي؟
هل كنت سأقف يوما وجها لوجه مع سامي يوسف، بعدما كان صوته يعبر إليّ من وراء شاشة، فيوقظ في داخلي شعورا لا أعرف اسمه؟ هل كنت سأصافح كل تلك الأحلام التي كانت تبدو أكبر من فتاة تؤمن بأن الكلمات تستطيع أن تفتح الأبواب؟
ربما… وربما لا.
بعد سنوات، وجدت نفسي أقف في مسرح قرطاج وأمامي سامي يوسف.
كان المسرح الأثري، بحجارته التي حملت قرونا من الحكايات، يشبه كتابا مفتوحا على الزمن.
كان صوته يتقدم بهدوء، كما لو أنه يعرف الطريق إلى القلب دون أن يطرقه.
وكانت الموسيقى تتشكل حوله كما يتشكل الضوء حول الفجر، لا أحد يلحظ لحظة الميلاد، لكن الجميع يشعر بها.
وحين ارتفعت “مدد”… لم يعد الجمهور جمهورا، ولم يعد الركح ركحا، صار الجميع، للحظات، نفسا واحدا.
كانت الكلمات تصعد إلى السماء، بينما يعود صداها إلينا أكثر صفاء
وقفت أراقب المشهد، فإذا بالسؤال القديم يعود إليّ مرة أخرى:
ماذا لو؟
ماذا لو اخترت حياة أخرى؟
ربما كنت سأقرأ في اليوم التالي خبر الحفل على هاتفي، وربما كنت سأشاهد مقطعا قصيرا منه قبل أن أعود إلى تفاصيل يومي.
لكنني ما كنت سأعرف كيف يرتجف المكان حين تتحد مئات الأصوات في “حسبي ربي”، ولا كيف تستطيع قصيدة لمحمود درويش أن تعبر من فلسطين إلى قرطاج، فتجعل جمهورا كاملا يهتف للحرية، ولا كيف يمكن للموسيقى أن تهزم، ولو لساعتين، كل الضجيج الذي يملأ هذا العالم.
حينها فقط فهمت أن الأحلام تكافئنا بالوصول إلى النسخة التي كنا نريد أن نصبحها.
لم يكن سامي يوسف هو الحلم.
كان الحلم أن أصل إلى مكان أستطيع فيه أن أكتب عن الفن كما أشعر به، أن أكون قريبة بما يكفي لأرى التفاصيل التي لا تراها الكاميرات، نظرة الفنان قبل أن يبدأ، صمت الموسيقيين بين مقطوعتين، ذلك الخيط الخفي الذي يربط الركح بالجمهور، ويحوّل الحفل إلى تجربة روحية لا تُختصر في أغنية.
لهذا، كلما سألني الماضي: ماذا لو؟، ابتسم.
لأنني أدركت أن الرجل الذي خيّرني بينه وبين الصحافة كان يخيّرني بين حياتين.
حياة كنت سأكون فيها نسخة ترضي الآخرين…
وحياة صرت فيها نفسي.
واليوم، كلما باغتني سؤال “ماذا لو؟”، لا أبحث عن إجابة، أنظر إلى المكان الذي أوصلني إليه اختياري.
وبين دفاتر الملاحظات، وأضواء المسارح، ووجوه الفنانين الذين كانوا يوما أحلاما بعيدة، أفهم أن أجمل ما حدث لي أنني لم أتنازل عن حلمي.

مقالات مشابهة

ضرب للاستهلاك والاستثمار: مراسلة لم تأت تحضيرا لمبررات رفض قروض الشرف

فريق النشر

رضوان ورشدي: أنقذا أرواحا لا يعرفان اصحابها من  النار وماتا في حفرة طريق مهملة

فريق النشر

لماذا لا يقع تسجيل سيارات امتياز ن ت في السلسلة العادية؟

فريق النشر