36.6 C
تونس
8 سبتمبر، 2026 19:44
جريدة الشعب نيوز
خواطر

سيدة الكابور بقلم مصطفى بن احمد

مع طلوع الخيوط الأولى لضوء الصباح، يكون «هبرش» قد استيقظ من نومه، وارتدى بلوزته الرمادية، ووضع قبعة القش على رأسه. يُعدّ على عجل «درديرة البسيسة» لفطوره، ثم يلقي في جوفه جرعة طويلة من الماء من «الدرجية» الموضوعة في ركن غرفته الضيقة.
بعدها يُخرج الجمل، ويصعد به إلى البئر القائمة في أعلى نقطة من السانية. وهناك يبدأ في استخراج الماء بالدلو، فيملأ الجابية، ثم يفتحها لتنساب المياه في السواقي، فتشق طريقها بين الأشجار وتروي عطشها.
وحين يفرغ من مهمته، يعود من حيث أتى، ليقف في انتظار تعليماتها بما ستكلّفه به في ذلك اليوم.
وفي الوقت نفسه، تكون هي قد نهضت واتجهت إلى المطبخ لإعداد فطور زوجها، أبيك حمّاد، معلّم القرية وأحد أعلامها. فتضع على المائدة إناءً من زيت الزيتون الصافي، وبيضات مسلوقة، وصحفة من بسيسة القمح، ورغيفًا من خبز الكِسرة أُعدّ في الطابونة.
وحين تفرغ من إعداد الفطور، تبدأ جولتها الصباحية في أرجاء البيت، تطوف غرفه وزواياه، وكأنها تتفقده بعين لا يفوتها شيء. تتأكد من أن كل شيء في مكانه، وأن لا شيء ينقصه.
تلك هي عويشة بنت لحمر، خالتي وشقيقة والدتي؛ تلك المرأة الفارعة الطول كنخلة سامقة، الوازنة الحضور كزيتونة كثيفة الأغصان. وما زلت أحتفظ في ذاكرتي بصورتها وهي تتهادى بين أشجار اللوز والمشمش والكروم والإجاص، واثقة الخطوة، مرفوعة الرأس، كأنها سيدة المكان، بل روحه التي زرعت فيه الحياة.
في ذلك المكان أنجبت ثمانية أبناء، ستة ذكور وبنتين، ورعت فيه البشر والشجر والحجر.
كانت في حنانها رقيقة كنسائم فجر صيفي، وفي غضبها كبحر هائج تخشاه السفن. وكان أبيك حمّاد مطمئنًا إليها، فلا يرفض لها طلبًا، ولا يكسر لها رغبة.
لكن الزمن كان أقوى.
زحفت الحجارة والإسمنت والإسفلت على أطراف الكابور، جزءًا بعد جزء، حتى ابتلعت المكان كله، واقتلعت أشجاره شجرةً بعد أخرى، وحوّلتها إلى سماد.
ولم يصمد في وجه ذلك الزحف سوى البيت ذي الهندسة الأندلسية؛ ظلّ واقفًا، كأنما عقد عهدًا صامتًا معها، وأبى أن يرحل قبلها. بقي إلى آخر نفس من أنفاسها، وكأن حبلًا سريًا ظلّ يربطه بها.
وحين انطفأت هي، كشمعة نفخت عليها رياح الزمن، انهار البيت من بعدها، ولم يبقَ من الكابور أثر، سوى صور متناثرة في ذاكرة بعض الذين تنفّسوا ذات زمن هواءه، وملؤوا أبصارهم بخضرته، وعرفوا عويشة وهي تمشي بين أشجاره كأنها سيدة ذلك العالم الصغير.
* مصطفى بن احمد، نقابي من قطاع القمرق، أمين عام مساعد سابق، نائب سابق في البرلمان وكاتب.

مقالات مشابهة

“العركة جاية جاية”… أو عندما يغيب القانون وتُغتصب حقوق العمال

فريق النشر

المسؤولية مثل الإنجاز لا ينبغي أن تكون مجهولة الهوية.

فريق النشر

نقابي يفي بوعده والوزارة تحوّل وجهة مشروعه فيما لا تنفذ برامجها منذ 2020

فريق النشر