بقلم زهير الزويدي – لم يكن البلاغ الذي أصدرته شركة فسفاط قفصة والقاضي بتنزيل أجور شهر جويلية 2026 لعمال شركة البيئة مع صرف الزيادة بمفعولها الرجعي مجرد إجراء إداري عادي ولم يكن قرارًا اتخذته الإدارة عن قناعة أو إحساس مفاجئ بالمسؤولية تجاه العمال لقد جاء هذا البلاغ في توقيت لا يمكن فصله عن يومين متتاليين من الاحتجاجات والتحركات العمالية التي شهدتها الرديف والمتلوي وأم العرائس والتجمع بدار الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة حيث عاد صوت العمال ليرتفع عاليًا معلنًا أن سياسة التسويف والتجاهل لم تعد تمر كما كانت في السابق.
مرة أخرى تثبت الأحداث أن السلطة لا تستجيب لقوة الحجة بقدر ما تستجيب لحجة القوة الشعبية المنظمة فعندما كان العمال يطالبون بحقوقهم عبر المراسلات والبيانات كان الصمت هو الجواب أما عندما نزلوا إلى الميدان وأكدوا تمسكهم بحقوقهم فتم غلق مقرات شركة قفصة وعمت المسيرات في كافة مدن الحوض المنجمي تحركت الإدارة سريعًا وخرج البلاغ ليعلن ما كانت ترفضه أو تؤجله بالأمس.
هذه هي الحقيقة التي حاول الكثيرون إخفاءها : الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع وما انتزعه عمال الحوض المنجمي اليوم لم يكن منّة من أحد وإنما ثمرة وحدة ميدانية وصمود جماعي وإيمان بأن من يصنع الثروة لا يمكن أن يبقى آخر من يتمتع بحقوقها لكن قراءة هذا البلاغ لا يجب أن تتوقف عند الجانب المالي أو الإداري بل ينبغي أن تمتد إلى خلفيته السياسية فالسلطة تعرف جيدًا أن الحوض المنجمي ليس مجرد منطقة إنتاج وليس مجرد شركة تستخرج الفسفاط وإنما هو فضاء يحمل ذاكرة نضالية ثقيلة ذاكرة لا تزال تؤرق أصحاب القرار إلى اليوم في كل مرة تتحرك فيها الرديف أو المتلوي أو أم العرائس أو المظيلة تستحضر السلطة سنة 2008 تلك السنة التي اعتقد البعض أنها انتهت بانتهاء الاعتصامات والمحاكمات لكنها في الحقيقة فتحت فصلًا جديدًا في تاريخ تونس الاجتماعي والسياسي.
لقد كانت ملحمة الحوض المنجمي أول انتفاضة اجتماعية منظمة في وجه منظومة الاستبداد وأول صرخة جماعية قالت إن الفقر والبطالة والمحسوبية ليست قدرًا محتومًا.
لقد حاول النظام آنذاك أن يخمد الاحتجاج بالقمع والمحاكمات والسجون لكنه لم ينجح في إطفاء الفكرة بقيت الرديف عنوانًا للمقاومة وبقي الحوض المنجمي مدرسة في الصمود حتى جاءت ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي 2011 لتؤكد أن ما حدث سنة 2008 لم يكن حدثًا محليًا معزولًا بل كان مقدمة تاريخية لما عاشته البلاد لاحقًا.
ولهذا السبب تحديدًا لا تنظر السلطة إلى احتجاجات الحوض المنجمي كما تنظر إلى أي احتجاج آخر فهي تعلم أن لهذه الأرض خصوصية وأن أهلها راكموا تجربة طويلة في التنظيم والصمود وأن كل تحرك فيها يحمل إمكانية التحول إلى قضية وطنية إذا استمرت سياسة اللامبالاة والتهميش.
لقد راهنت السلطة طويلًا على إنهاك العمال وعلى تعبهم وعلى قدرتها في تفتيت صفوفهم وإغراقهم في التفاصيل الإدارية لكنها فوجئت مرة أخرى بأن وحدة العمال كانت أقوى من حساباتها فخلال يومين فقط من التحركات سقطت لغة الرفض والتأجيل وحلت محلها لغة الالتزام بصرف الاجور وتنفيذ الزيادة والإعلان عن جلسة مركزية للنظر في بقية الملفات.
إن هذا التراجع يكشف حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها وهي أن السلطة لا تتراجع لأنها اقتنعت بعدالة المطالب وإنما لأنها تخشى اتساع رقعة الاحتجاج إنها تخشى أن يستعيد الحوض المنجمي دوره التاريخي كقاطرة للنضال الاجتماعي وتخشى أن تتحول المطالب المهنية إلى عنوان أوسع للاحتجاج الشعبي كما حدث في محطات سابقة من تاريخ البلاد.
ومن هنا فإن البلاغ لا يمثل نهاية المعركة بل بداية مرحلة جديدة فالمطالب العمالية لا تختزل في تاخر صرف الاجور او الزيادة في أجور مهما كانت أهميتها وإنما تشمل تحسين ظروف العمل واحترام الاتفاقيات وإنهاء سياسة التشغيل الهش وضمان الكرامة المهنية ووضع حد للتهميش الذي تعيشه مدن الحوض المنجمي منذ عقود رغم أنها تنتج ثروة وطنية هائلة.
إن ما حدث يوجه رسالة إلى كل العمال في تونس عندما تكون الصفوف موحدة وعندما تكون المطالب واضحة وعندما يتحول الاحتجاج إلى فعل جماعي منظم فإن السلطة تضطر إلى التراجع أما الرهان على الوعود وحدها فقد أثبت التاريخ أنه لا ينتج إلا مزيدًا من التأجيل.
لقد أثبتت الرديف والمتلوي وأم العرائس خلال اليومين الماضيين أن جذوة النضال لم تنطفئ وأن ذاكرة 2008 لا تزال حية في وجدان العمال والأهالي.
فالسلطة قد تنجح أحيانًا في تأجيل الاستحقاقات لكنها لا تستطيع محو التاريخ ولا تستطيع أن تنتزع من أبناء الحوض المنجمي قناعتهم الراسخة بأن الحقوق تُنتزع بالنضال ولا تُمنح بالمجاملة.
إن الحوض المنجمي لم يكن يومًا مجرد منجم للفسفاط بل كان وسيظل منجمًا للنضال ومدرسةً في المقاومة الاجتماعية وعنوانًا لكل من يؤمن بأن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا للاستهلاك بل معركة يومية يخوضها العمال دفاعًا عن حقهم في العمل والكرامة والعيش الكريم.
واليوم كما بالأمس يثبت التاريخ أن الطبقة العاملة عندما تتحرك بوعي وتنظيم قادرة على فرض إرادتها وأن السلطة مهما بدت متصلبة تنحني في النهاية أمام قوة الجماهير المنظمة لأن ما يُنتزع بالنضال لا تستطيع أي سلطة أن تمنحه أو تمنعه بإرادتها وحدها.
