35.2 C
تونس
6 أوت، 2026 12:07
جريدة الشعب نيوز
وطني

ميزانية 2027… هل تغيّر الدولة بوصلتها أم تكتفي بتغيير التاريخ ؟

لم يكن الإعلان عن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 مجرد محطة إدارية لإعداد وثيقة مالية جديدة، بل تحول إلى لحظة سياسية كشفت حجم التوتر بين خطاب الدولة حول الإصلاح والعدالة الاجتماعية، وبين أسئلة المجتمع حول أثر هذه السياسات في الواقع اليومي.

فكل ميزانية ليست مجرد أرقام وجداول، بل هي تعبير عن تصور سياسي واجتماعي لدور الدولة، وعن الخيارات التي تحدد من يستفيد من تدخلاتها وأي نموذج تنموي تسعى إلى تكريسه.

من هذا المنطلق، فإن السؤال الأساسي الذي تفرضه ميزانية 2027 لا يتعلق فقط بحجم الموارد أو طبيعة النفقات، بل يتعلق بالبوصلة: هل نحن أمام تحول في خيارات الدولة، أم أمام تغيير في التاريخ فقط مع استمرار المنطق نفسه؟

تكشف المقارنة بين ميزانيتي 2026 و2027 عن حضور قوي لمنطق الاستمرارية. فقد حملت ميزانية 2026، التي بلغت حوالي 79.624 مليار دينار، رهانات مرتبطة بدعم النمو، تعبئة الموارد، المحافظة على التوازنات المالية، وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة.

واليوم، يقدم مشروع ميزانية 2027 نفسه من خلال عناوين كبرى مشابهة: العدالة الاجتماعية، إصلاح الصحة والضمان الاجتماعي، دعم الاستثمار العمومي والخاص، التنمية الجهوية، الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وتشغيل الشباب وخاصة أصحاب الشهائد العليا.

لكن التشابه بين العناوين يطرح سؤالًا سياسيًا جوهريًا: هل يمثل هذا الاستمرار تراكمًا في بناء رؤية جديدة، أم أنه يعكس صعوبة الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التحول الفعلي؟

ففي السياسات العمومية، لا تُقاس الدولة بما تعلنه من أولويات فقط، بل بما تحققه من نتائج، وبقدرتها على مراجعة خياراتها عندما لا تحقق الأهداف المعلنة.

وإذا كانت ميزانية 2027 تمثل مرحلة من مراحل تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030، فإن تقييمها يمر بالضرورة عبر تقييم حصيلة ميزانية 2026: ما الذي تحقق في مجال الاستثمار؟ ما أثر السياسات المعتمدة على التشغيل؟ هل شهدت الجهات الداخلية تحولًا في توزيع فرص التنمية؟ وهل انعكس خطاب الدولة الاجتماعية على حياة الفئات التي تنتظر منذ سنوات حلولًا ملموسة ؟

لقد جاء مشروع ميزانية 2027 في سياق اجتماعي لم يعد يسمح بالاكتفاء باللغة التقليدية للسياسات العمومية.

فصيف 2026 كشف هشاشة متزايدة أمام التحولات المناخية، وضغط الموارد المائية، وتواصل صعوبات العيش، واستمرار القلق الاجتماعي المرتبط بالبطالة والهشاشة الاقتصادية.

هذه ليست أزمات منفصلة، بل مؤشرات على تحديات بنيوية تتطلب تغييرًا في طريقة التفكير في التنمية وفي علاقة الدولة بالمجتمع.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن شرعية الدولة لا تُبنى فقط على قدرتها على إدارة الأزمات، بل على قدرتها على إنتاج الثقة والأفق الجماعي. فالدولة الاجتماعية لا تُختزل في برامج الدعم أو التدخلات الظرفية، وإنما تُقاس بقدرتها على تقليص أسباب الإقصاء وإعادة بناء شروط الحراك الاجتماعي.

ويبرز ذلك بوضوح في ملف تشغيل أصحاب الشهائد العليا ، فإدراج هذه الفئة ضمن أولويات ميزانية 2027 يحمل اعترافًا بأهمية الملف، لكنه يظل في حاجة إلى الانتقال من الإعلان السياسي إلى سياسة عمومية واضحة المعالم لأن أزمة أصحاب الشهائد ليست مجرد أزمة تشغيل، بل هي أزمة في العلاقة بين التعليم والاقتصاد، وأزمة في الوعد الاجتماعي الذي جعل من المدرسة والجامعة العموميتين إحدى آليات الترقي الاجتماعي.

كما أن مفهوم “التعويل على الذات”، الذي أصبح محورًا أساسيًا في الخطاب الرسمي، يحتاج إلى اختبار حقيقي.

فالتعويل على الذات لا يعني فقط تعبئة الموارد الداخلية أو التحكم في النفقات، بل يعني بناء اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة وتوفير فرص عادلة. فالفارق كبير بين تغيير نموذج التنمية وبين مجرد إدارة محدودية الإمكانيات.

إن المشكلة الأساسية التي تكشفها المقارنة بين 2026 و2027 ليست غياب التشخيص، فالأزمات أصبحت معروفة، بل غياب التحول في أدوات المعالجة فالمفاهيم نفسها تتكرر: العدالة الاجتماعية، التنمية المتوازنة، التشغيل، الاستثمار. لكن السؤال يبقى: هل تغيرت الآليات التي تنتج اللامساواة والتهميش؟

إن الميزانية، في نهاية المطاف، ليست اختبارًا لقدرة الدولة على إنتاج خطاب جديد، بل لقدرتها على تحويل هذا الخطاب إلى واقع اجتماعي  فالمجتمع لا يحاكم الدولة بما تقوله فقط، بل بما تموله، وما تنجزه، وما تغيره في حياة المواطنين.

وبين 2026 و2027، لا يكمن الرهان الحقيقي في تغيير رقم السنة، بل في تغيير البوصلة. فإما أن تكون ميزانية 2027 بداية لتحول في علاقة الدولة بالمجتمع، عبر سياسات أكثر عدالة وفعالية، أو أن تبقى حلقة جديدة في مسار تتغير فيه التواريخ بينما تبقى الأسئلة الاجتماعية نفسها تنتظر الإجابة.

مقالات مشابهة

القطاع المالي والبنكي ينمو بنسبة 06 بالمائة : 5.2 مليار دينار من الإيرادات

فريق النشر Echaab News

في جويلية : إرتفاع أسعار لحم الضأن ب16.7 بالمائة و12.5 للحوم الدواجن

فريق النشر Echaab News

بين البعد الاجتماعي والاستدامة المالية… هل الوقت مناسب لتوسيع التقاعد المبكر؟

فريق النشر