إن مراجعة مجلة الشغل ليست مسألة تقنية أو إدارية عادية، ولا يمكن اختزالها في مجرد تحيين لنصوص قانونية تجاوزها الزمن.
فمجلة الشغل تمثل أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الاجتماعية في تونس، وتحدد الإطار القانوني لعلاقات الشغل، والاستقرار المهني، والحقوق النقابية، والمفاوضة الجماعية، وتسوية النزاعات، والحماية الاجتماعية المرتبطة بالعمل.
ومن هذا المنطلق، فإن إعداد مشروع جديد أو مراجعة جوهرية لمجلة الشغل يفترض بالضرورة اعتماد منهجية تشاركية حقيقية، تقوم على الحوار والتشاور المسبق والمسؤول بين الدولة والأطراف الاجتماعية.
غير أن ما يثير القلق اليوم هو أن الوزارة المكلفة بالشؤون الاجتماعية، وهي الجهة الحكومية التي يفترض أن تضطلع بالدور الأساسي في تنظيم الحوار الاجتماعي وتهيئة شروطه، تتعامل مع هذا الملف بمنهجية لا تعكس حجم المسؤولية التاريخية والقانونية الملقاة على عاتقها، من خلال محدودية تشريك الأطراف الاجتماعية وغياب حوار فعلي حول الخيارات الكبرى التي يفترض أن يقوم عليها مشروع مجلة الشغل.
و هنا لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف في وجهات النظر، وإنما بمسألة منهجية لها انعكاسات مباشرة على شرعية الإصلاح ونجاعته وقابليته للتطبيق.
أولاً : لا يمكن إعداد تشريع اجتماعي بمنأى عن الأطراف الاجتماعية
إن التشريع الاجتماعي يختلف عن غيره من التشريعات، لأنه ينظم علاقة مباشرة ومتواصلة بين الدولة والمؤجر والأجير والمنظمات المهنية والنقابية.
ولذلك فإن صياغة مجلة شغل دون إشراك فعلي للأطراف الاجتماعية تجعل عملية الإصلاح مبتورة من أحد عناصرها الأساسية.
فمن يضع النص من الجانب الإداري قد يمتلك الخبرة القانونية، ولكن الأطراف الاجتماعية تمتلك الخبرة الميدانية المتراكمة في واقع علاقات الشغل وفي الإشكالات التي يطرحها التطبيق اليومي للنصوص.
ومن ثم، فإن إقصاء هذه الخبرة أو التعامل معها باعتبارها مرحلة لاحقة للمصادقة على مشروع جاهز يمثل خللاً في منهجية إعداد التشريع الاجتماعي.
ثانياً: الحوار الاجتماعي مسؤولية مؤسساتية وليس منّة
إن الحوار الاجتماعي لا يمكن أن يكون رهين إرادة ظرفية أو مرتبطاً بقرار إداري من هذا المسؤول أو ذاك.
فوزارة الشؤون الاجتماعية، بحكم اختصاصها، مطالبة بتوفير الأرضية المؤسساتية الملائمة للحوار الاجتماعي، وضمان مشاركة الأطراف المعنية في الملفات التي تمس بصورة مباشرة مصالحها وحقوقها.
وعليه، فإن استدعاء الأطراف الاجتماعية في مرحلة متأخرة، أو الاكتفاء بإطلاعها على مشروع تم إعداده مسبقاً، لا يمكن اعتباره حواراً اجتماعياً بالمعنى الحقيقي.
الحوار يبدأ قبل صياغة الخيارات، وليس بعد الانتهاء منها.
والمشاركة الحقيقية تعني أن يكون للطرف الاجتماعي الحق في تقديم المقترحات والاعتراضات والتعديلات ومناقشة البدائل، وأن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار في عملية الصياغة.
ثالثاً: سياسة الهروب إلى الأمام تهدد مضمون الإصلاح
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الملف هو أن يتحول الإسراع في إعداد المشروع إلى وسيلة لتجاوز الحوار الاجتماعي.
فالاستعجال في تمرير النص لا يعوض غياب التوافق، والسرعة في إصدار القانون لا تضمن سلامة مضمونه ولا حسن تطبيقه.
بل إن اعتماد هذه المنهجية قد يؤدي إلى إنتاج مجلة شغل مشوهة في فلسفتها، متناقضة في أحكامها، وغير قادرة على الاستجابة للتحولات الحقيقية لسوق الشغل.
وقد نجد أنفسنا أمام نص يعالج بعض المسائل القانونية بصورة تقنية، لكنه لا يقدم إجابات حقيقية عن:
– هشاشة التشغيل؛
– الاستقرار المهني؛
– الحقوق النقابية؛
– المفاوضة الجماعية؛
– حماية الأجر؛
– مسؤولية المؤجر؛
– التوازن بين متطلبات المؤسسة وحقوق الأجير؛
– العلاقة بين التشغيل والحماية الاجتماعية.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
فالمشكل ليس أن تتغير مجلة الشغل، وإنما أن تتغير دون رؤية اجتماعية واضحة ودون مشاركة من الأطراف التي ستتحمل نتائج هذا التغيير.
رابعاً: لا يمكن فصل مجلة الشغل عن الحماية الاجتماعية
إن أي مراجعة لمجلة الشغل لا تأخذ بعين الاعتبار انعكاساتها على منظومة الضمان الاجتماعي ستكون مراجعة ناقصة بالضرورة.
فالعمل المستقر والمصرح به يمثل أحد أهم مصادر تمويل الصناديق الاجتماعية، بينما تؤدي هشاشة التشغيل وضعف التصريح وانتشار العلاقات المهنية غير المستقرة إلى إضعاف قاعدة الاشتراكات وتوسيع دائرة المخاطر الاجتماعية.
وعليه، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح عند إعداد كل فصل من فصول مجلة الشغل هو:
ما أثر هذا الخيار التشريعي على العامل؟ وما أثره على المؤسسة؟ وما أثره على منظومة الحماية الاجتماعية؟
أما إعداد مجلة شغل بمعزل عن هذه المعادلة، فهو فصل مصطنع بين منظومتين مترابطتين بصورة جوهرية.
خامساً: الإصلاح الاجتماعي لا يمكن أن يتحول إلى إصلاح إداري
إن مراجعة مجلة الشغل يجب أن تكون مشروعاً مجتمعياً متكاملاً، لا مشروعاً إدارياً مغلقاً.
فإذا كانت الغاية هي بناء سوق شغل أكثر عدلاً واستقراراً ونجاعة، فإن ذلك يقتضي فتح نقاش حقيقي حول النموذج الاجتماعي والاقتصادي الذي تريد تونس اعتماده.
ولا يمكن اختزال هذا النقاش في تحديد أنواع العقود أو ضبط شروط إنهاء علاقة الشغل أو إعادة ترتيب بعض الأحكام، دون التطرق إلى الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل العمل والحماية الاجتماعية والحقوق الجماعية.
سادساً: النقابات ليست طرفاً ثانوياً
إن التعامل مع المنظمات النقابية باعتبارها طرفاً يمكن استدعاؤه عند الضرورة أو بعد الانتهاء من إعداد النص يمثل اختزالاً لدورها.
فالمنظمات النقابية شريك اجتماعي أصيل، ومشاركتها في إعداد التشريع الاجتماعي ليست ترفاً ولا امتيازاً.
وإذا كانت السلطة التنفيذية جادة في بناء تشريع مستدام، فعليها أن تتعامل مع النقابات باعتبارها شريكاً في صناعة الحلول، لا مجرد طرف مطالب بالمصادقة على خيارات جاهزة.
سابعاً: المطلوب وقف منهجية الإقصاء وفتح مسار تفاوضي حقيقي
الإتحاد العام التونسي للشغل لا يرفض مبدأ إصلاح مجلة الشغل، ولا يتمسك بالنصوص القائمة لمجرد أنها قائمة.
بل يطالب بأن يكون الإصلاح:
تشاركياً، متوازناً، واضحاً، قابلاً للتطبيق، وموجهاً نحو حماية العمل والحماية الاجتماعية.
ولهذا فإن المطلوب عملياً:
1. فتح حوار اجتماعي حقيقي حول مشروع مجلة الشغل قبل استكمال صياغته النهائية.
2. تمكين الأطراف الاجتماعية من الاطلاع على مشاريع النصوص والمقترحات في آجال معقولة.
3. إحداث آلية مشتركة ودائمة لمناقشة المشروع فصلاً فصلاً.
4. دراسة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والمالية لكل خيار تشريعي أساسي.
5. ربط إصلاح مجلة الشغل بإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية واستدامة تمويلها.
6. ضمان عدم المساس بالحقوق والحريات النقابية والمفاوضة الجماعية.
7. اعتماد التوافق في المسائل الجوهرية التي تمس مستقبل علاقات الشغل.
8. نشر منهجية واضحة وشفافة لإعداد المشروع ومراحل اعتماده.
ثامناً: رسالة الإتحاد واضحة إلى الوزارة
إننا نعتبر أن مواصلة إعداد مشروع مجلة الشغل في غياب تشاور اجتماعي فعلي ستجعل المسؤولية السياسية والاجتماعية عن نتائج هذا المسار تقع على عاتق الجهة التي اختارت هذه المنهجية.
فالطرف النقابي لا يمكن أن يتحمل مسؤولية نص لم يشارك بصورة فعلية في صياغته، ولا يمكن أن يكون شريكاً في تطبيق خيارات لم تتح له فرصة مناقشتها أو اقتراح بدائل بشأنها.
ولا يمكن القبول بأن يتحول الحوار الاجتماعي إلى مجرد واجهة شكلية لإضفاء المشروعية على مشروع تم حسم خياراته مسبقاً.
إننا نرفض أن تكون مجلة الشغل الجديدة مجرد تجميع لفصول قانونية أو تعديلات تقنية، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالاستقرار المهني والحماية الاجتماعية والحقوق النقابية والمفاوضة الجماعية خارج دائرة الحوار.
خاتمة
اليوم تونس لا تحتاج إلى مجرد مجلة شغل جديدة، وإنما تحتاج إلى مجلة شغل عادلة وعصرية ومتوازنة، تكون جزءاً من مشروع وطني للحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وهذا لا يمكن أن يتحقق بسياسة الإقصاء أو الهروب إلى الأمام.
فالوزارة التي تتولى مسؤولية الشؤون الاجتماعية مطالبة قبل غيرها بالدفاع عن الحوار الاجتماعي، وليس الالتفاف عليه.
ومجلة الشغل التي ستحدد مستقبل علاقات الشغل لعقود قادمة لا يجوز أن تُصاغ بمنطق أحادي الجانب، لأن آثارها لن يتحملها من أعدّ النص فقط، وإنما سيتحملها العامل والمؤسسة والصناديق الاجتماعية والدولة والمجتمع بأسره.
وعليه، فإننا نطالب بوضوح بـ:
وقف أي مسار أحادي لإعداد مشروع مجلة الشغل، وفتح حوار اجتماعي حقيقي وملزم حول مضامينه وخياراته الكبرى، وإشراك الأطراف الاجتماعية بصورة فعلية في جميع مراحل صياغته.
فإذا كانت الغاية فعلاً هي بناء دولة اجتماعية قوية، فإن الطريق إليها واضح:
لا حماية اجتماعية دون عمل مستقر، ولا استقرار مهني دون تشريع عادل، ولا تشريع اجتماعي مستدام دون حوار اجتماعي حقيقي.
أما محاولة بناء مجلة شغل بعيداً عن الأطراف الاجتماعية، فلن تنتج إلا نصاً يفتقد إلى التوازن والتوافق، وقد يتحول من أداة لحماية العمل إلى مصدر جديد للاحتقان الاجتماعي ولكم في تنقيح مجلة الشغل في 2025 مثالا.
الحوار الاجتماعي ليس مطلباً نقابياً ظرفياً؛ إنه شرط من شروط نجاح الإصلاح الاجتماعي نفسه.
