جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

إغلاق مقري الاتحاد بالدهماني وتاجروين: أزمة مقرات أم فرصة لإعادة بناء المنظمة؟

قد يبدو إعلان الاتحاد الجهوي للشغل بالكاف عن غلق مقري الاتحاد المحلي للشغل في تاجروين والدهماني، وهو إجراء قد يشمل مقرات محلية أخرى، بسبب العجز عن سداد معاليم الكراء المتخلدة منذ أشهر، مشهدًا مثاليًا لمن يريد فتح باب الشماتة في الاتحاد العام التونسي للشغل. وقد يُقرأ الأمر، للوهلة الأولى، باعتباره دليلًا إضافيًا على تراجع المنظمة وانحسار حضورها. لكن هذه القراءة، رغم بساطتها، تتجاهل طبيعة الظرف الذي يمر به الاتحاد، كما تتجاهل السؤال الأهم: هل غلق مقر نقابي يعني بالضرورة غلق النقابة؟
الأرجح أن الجواب هو لا.
فالمقر ليس هو المنظمة، كما أن الباب المغلق ليس دليلًا تلقائيًا على أن القواعد أدارت ظهرها لاتحادها. قد يكون غلق مقر نتيجة أزمة مالية حقيقية، وهو كذلك في هذه الحالة، خصوصًا في ظل الصعوبات التي تواجهها المنظمة بعد إيقاف آلية الخصم المباشر للاشتراكات النقابية، وما ترتب عن ذلك من ضغوط على مواردها.
لكن تحويل هذا المعطى إلى حكم نهائي بأن قواعد الاتحاد فقدت ثقتها في منظمتها سيكون تبسيطًا مخلًا، بل إن العكس قد يكون أقرب إلى الواقع: الأزمة التي تضرب قدرة الاتحاد على الحفاظ على كامل شبكته من المقرات لا تعني أن الحاجة إلى الاتحاد تراجعت؛ وربما تكون هذه الحاجة قد أصبحت أكبر من أي وقت مضى،فتونس تعيش اليوم أزمة مجتمعية وهيكلية تتجاوز المجال السياسي الضيق إلى أزمة في علاقة المواطن بالدولة، وفي الخدمات العمومية، وفي القدرة الشرائية، وفي التشغيل، وفي الأجور، وفي الأمان الاجتماعي، وفي الثقة بالمؤسسات والوسائط.
وفي مثل هذا السياق، لا تصبح النقابات أقل ضرورة، وإنما تصبح وظيفتها أكثر إلحاحًا.
ان الحديث عن المقرات لا يمكن اختزاله في كونها مجرد فضاءات إدارية أو تنظيمية لاحتضان النشاط النقابي. فالمقر النقابي، خصوصًا في الجهات، كان في مراحل عديدة أكثر من ذلك بكثير: كان فضاءً للتشبيك الاجتماعي والحقوقي، ونقطة التقاء بين النقابيين والحقوقيين والمثقفين والناشطين والقوى المدنية والاجتماعية، ومكانًا تُبنى فيه المبادرات وتُنسج فيه علاقات التضامن وتتقاطع فيه المطالب الاجتماعية مع القضايا العامة.
جزء من النسيج المدني والاجتماعي للمدينة
وخلف جدران هذه المقرات مرت أجيال من النقابيين، وعُقدت اجتماعات واحتجاجات ونقاشات وصراعات فكرية وتنظيمية، واتخذت قرارات صنعت جزءً من تاريخ العمل النقابي المحلي والوطني. وكانت هذه المقرات فضاءات تلتقي فيها مختلف التوجهات النقابية، وتُطرح داخلها الأسئلة التي تشغل العمال، وتتناقش فيها الاختلافات، وتتشكل فيها المواقف، وتُبنى فيها أشكال التضامن. وفي العديد من الجهات، لم يكن المقر النقابي منعزلًا عن محيطه، بل كان جزءًا من النسيج المدني والاجتماعي للمدينة، ومجالًا تتقاطع داخله النقابة مع بقية القوى الحية في المجتمع.
ان إغلاق مقر نقابي لا يعني فقط فقدان عنوان أو فضاء للعمل، بل يعني، في جانب منه، فقدان فضاء للتشبيك والتفاعل، وقطع الصلة بمكان كان حاضنًا لذاكرة جماعية ونضالات وتراكمات تنظيمية ومدنية. وهذا ما يجعل الإجراء مؤلمًا، ولا ينبغي التقليل من رمزيته أو التعامل معه باعتباره مجرد نتيجة محاسبية يمكن تعويضها بسهولة بمقر آخر أو بعنوان جديد.
ان الاعتراف بهذه القيمة الرمزية والتاريخية لا يعني تحويل المقر إلى غاية في حد ذاته. فالمقر مهما كانت قيمته لا يستطيع أن يعوض المنظمة إذا فقدت قدرتها على التنظيم والتعبئة والتأثير. كما أن المحافظة على الجدران لا ينبغي أن تصبح أهم من المحافظة على الروح التي جعلت تلك الجدران ذات معنى.
سؤال أعمق حول طبيعة حضور الاتحاد
بل إن تاريخ المنظمة نفسها يقدم درسًا أكثر تعقيدًا: وجود المقر لم يكن دائمًا مرادفًا لحضور النقابة، كما أن غياب المقر لم يكن دائمًا مرادفًا لغيابها. فقد عرفت المنظمة، في مراحل مختلفة وفي عدد من الجهات، فترات ظلّت فيها المقرات قائمة، لكن النشاط النقابي تراجع، وخفتت المبادرة، وانقطعت الصلة بدرجات متفاوتة بالمجتمع وبالقوى المدنية والاجتماعية، وتحول المقر أحيانًا إلى عنوان تنظيمي أكثر منه فضاءً حيًا للفعل.
ان هذه الحقيقة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في وهم أن استعادة المقرات تعني تلقائيًا استعادة الاتحاد. فالمقر يمكن أن يكون ممتلئًا بالأثاث وفارغًا من الحياة، كما يمكن أن تكون المنظمة حاضرة في المجتمع حتى وهي تشتغل بموارد وفضاءات محدودة. لذلك لا ينبغي أن يتحول النقاش حول إغلاق المقرات إلى نقاش تقني حول عدد العناوين، بل إلى سؤال أعمق حول طبيعة الحضور الذي نريده للاتحاد.
وإذا كان الاتحاد يواجه صعوبات في موارده وفي قدرته على المحافظة على بعض هياكله ومقراته، فإن ذلك لا يعني أن الوظيفة التي نشأ من أجلها فقدت ضرورتها. فالعامل ما زال يحتاج إلى من يدافع عن أجره، والموظف ما زال يحتاج إلى من يدافع عن حقوقه، والجهات الداخلية ما زالت تحتاج إلى من ينقل مطالبها، والمجتمع ما زال يحتاج إلى قوة اجتماعية قادرة على التفاوض ومواجهة الاختلال في موازين القوة.
خلق الحضور والتنظيم والتعبئة والتأثير
ومن هنا تحديدًا يجب النظر إلى مسألة المقرات،فالمنظمات الجماهيرية لا تستمد قوتها من الإسمنت والجدران وحدها، وإنما من قدرتها على خلق الحضور والتنظيم والتعبئة والتأثير. لكن ذلك لا يلغي أن المقر يمكن أن يكون أداة لهذا الحضور، وذاكرة له، وفضاءً تتجسد فيه علاقة المنظمة بقواعدها ومحيطها. ولذلك فإن فقدان المقرات، إذا فرضته الأزمة المالية، لا ينبغي أن يتحول إلى مأساة تنظيمية نهائية، لكنه أيضًا ليس حدثًا عابرًا يمكن التقليل من شأنه.
وقد يصبح هذا الظرف مناسبة لإعادة التفكير في الطريقة التي يعمل بها الاتحاد: قد يحتاج إلى مقرات أقل، لكنه يحتاج بالتأكيد إلى حضور أكبر؛ حضور داخل المؤسسات، وفي مواقع العمل، وفي الجهات، وبين الشباب، وفي القطاعات الجديدة، وفي الفئات التي أصبحت خارج الأشكال التقليدية للعمل النقابي. كما يحتاج إلى استخدام أدوات تنظيم واتصال جديدة تجعل النقابة أقرب إلى العامل، بدل انتظار العامل لكي يأتي إلى المقر.
وهنا يصبح غلق مقري تاجروين والدهماني، رغم وجعه ورمزيته، مناسبة لطرح سؤال استراتيجي: هل يستطيع الاتحاد أن ينتقل من نموذج يقوم على كثافة المقرات والهياكل إلى نموذج يقوم على كثافة الحضور الاجتماعي، من دون أن يفقد ذاكرته وتاريخه ومساحاته التي احتضنت هذا التراكم؟
فالرهان ليس في الاختيار بين المقر والحضور، وإنما في إعادة تعريف وظيفة المقر داخل نموذج نقابي جديد. المقر ينبغي أن يبقى فضاءً مفتوحًا للنقاش والتنظيم والتكوين والاختلاف، وفضاءً للتشبيك مع القوى المدنية والاجتماعية والحقوقية، لكن قوة الاتحاد يجب ألا تتوقف على وجوده. فإذا كان المقر تاريخًا وذاكرة، فإن الحضور الاجتماعي هو امتداد ذلك التاريخ في الحاضر والمستقبل.
قوة المنظمة الجماهيرية لا تختزل في عدد عناوينها
وهذا التحول لا يعني التخلي عن المقرات أو التقليل من قيمتها الرمزية والتنظيمية، وإنما يعني إدراك أن قوة المنظمة الجماهيرية لا تختزل في عدد عناوينها، بل في قدرتها على أن تكون حاضرة وفاعلة حيث توجد القواعد وحيث تُطرح القضايا الاجتماعية. فالمطلوب ليس فقط مقرات مفتوحة، وإنما مقرات مفتوحة على المجتمع؛ لا تستقبل النقابيين فقط، بل تكون فضاءات للنقاش والتكوين والتشبيك والتضامن، وتستعيد وظيفة الاتحاد كجزء من المجال الاجتماعي والمدني للجهة.
كما أن اختزال المشهد في “فقدان القواعد ثقتها في الاتحاد” يحمل بدوره قدرًا من التسرع. فالقواعد ليست كتلة واحدة، وعلاقتها بمنظمتها لا تختزل في الثقة أو عدم الثقة، فهناك مصالح، وانتظارات، وقدرة على التأثير، وإحساس بالجدوى. وقد يبتعد العامل عن النشاط النقابي عندما يشعر أن المنظمة لم تعد قادرة على التأثير، لا لأنه فقد بالضرورة إيمانه بقيمة العمل النقابي.
وهذه نقطة أساسية: إذا تراجعت المشاركة النقابية، فإن السؤال ليس فقط لماذا فقدت القواعد ثقتها؟ بل لماذا لم تعد ترى في المشاركة النقابية طريقًا فعالًا للدفاع عن مصالحها؟
والفرق بين السؤالين كبير، لأن السؤال الأول يقود إلى الحكم على المنظمة، بينما يقود السؤال الثاني إلى التفكير في كيفية إعادة بناء فعاليتها.
وفي هذا المعنى، فإن ما يحدث للاتحاد ينبغي ألا يُقرأ باعتباره شأنًا تنظيميًا معزولًا، وإنما باعتباره جزءً من أزمة أوسع تصيب مختلف أشكال التنظيم والوساطة والتمثيل في المجتمع. وهي أزمة تطال الأحزاب والجمعيات والنقابات وغيرها من المؤسسات التي كانت تؤدي دور الوسيط بين الفرد والدولة.
 الحاجة إلى قوة اجتماعية مستقلة أصبحت أكبر
وفي هذا المعنى أيضًا، فإن الدفاع عن الاتحاد ليس دفاعًا عن كل خياراته وممارساته، وإنما هو دفاع عن فكرة التنظيم الجماعي ذاتها، وعن حق العمال في أن تكون لهم قوة جماعية مستقلة، وعن ضرورة وجود توازن بين السلطة والمجتمع.
يمكن أن يكون الاتحاد بحاجة إلى تجديد أدواته وأساليب عمله، وإلى مراجعة آليات التواصل والتنظيم، وإلى إعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية والمشاركة القاعدية. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى أن يعيد ترسيخ صلته بقواعده من خلال شيء أكثر أهمية من الخطاب: أن يكون حاضرًا وفاعلًا ومفيدًا مرة أخرى في حياتهم اليومية.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي ألا تضيع في خضم هذا المشهد: الظروف التي أضعفت قدرة الاتحاد على التحرك هي نفسها التي يمكن أن تمنحه أسبابًا جديدة لاستعادة دوره. فكلما اتسعت الهشاشة الاجتماعية، وتراجعت القدرة الشرائية، وتعمقت أزمة الخدمات العمومية، وازدادت الفوارق بين الجهات، وتراجعت قدرة السياسة على تقديم حلول مقنعة، أصبحت الحاجة إلى قوة اجتماعية مستقلة أكبر.
لذلك، قد لا يكون السؤال المطروح أمام الاتحاد اليوم هو كيف يعيد فتح كل المقرات التي أغلقها، وإنما كيف يعيد فتح قنواته مع المجتمع.
وهذا هو الرهان الحقيقي،فالمنظمة التي كانت جزءً أساسيًا من تاريخ تونس الاجتماعي والسياسي لا ينبغي أن تتعامل مع لحظتها الراهنة بمنطق الدفاع عن الماضي، وإنما بمنطق استعادة المستقبل. ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد البقاء التنظيمي، بل إعادة بناء اتحاد أكثر ديمقراطية، وأكثر استقلالية، وأكثر التصاقًا بقواعده، وأكثر قدرة على إنتاج البدائل الاجتماعية والاقتصادية، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات التي عرفها عالم الشغل والمجتمع.
بعض المقرات ليست مجرد جدران تُغلق أبوابها
إن غلق مقري تاجروين والدهماني مؤلم، ليس فقط لأن نقابيين سيفقدون فضاءً للعمل والاجتماع، وإنما لأن مدينتين ستفقدان جزءًا من ذاكرة العمل النقابي فيهما. فبعض المقرات ليست مجرد جدران تُغلق أبوابها؛ إنها أماكن تراكمت فيها أصوات العمال، واحتفظت بذاكرة النضالات، وشهدت اختلافات ونقاشات وقرارات وتوافقات، واستقبلت في مراحل مختلفة قوى اجتماعية ومدنية وحقوقية، وربطت النقابة بمحيطها الأوسع. ولذلك فإن فقدانها يحمل كلفة رمزية واجتماعية لا يمكن قياسها فقط بمعاليم الكراء.
لكن الألم لا ينبغي أن يتحول إلى عجز، كما لا ينبغي أن يتحول الحفاظ على المقرات إلى بديل عن إعادة بناء المنظمة. فتاريخ الاتحاد نفسه يقول إن القضية لم تكن دائمًا في وجود المقر أو غيابه، وإنما في ما يحدث داخله وما يربطه بمحيطه. فقد توجد المقرات ويغيب النشاط، وقد تبقى الأبواب مفتوحة بينما تتراجع صلة المنظمة بالمجتمع، وقد تتحول الهياكل إلى مجرد عناوين إذا فقدت قدرتها على إنتاج المبادرة والتأثير.
ولهذا، فإن التحدي اليوم ليس فقط استعادة المقرات المغلقة، وإنما استعادة الوظيفة الاجتماعية التي جعلت من تلك المقرات ذات يوم فضاءات حية للنقاش والتضامن والتعبئة والتشبيك. وإذا كان إغلاق بعضها مفروضًا بفعل الأزمة المالية، فإن إعادة بناء هذه الوظيفة يجب ألا تكون مؤجلة إلى حين تحسن الموارد.
حاجات المجتمع التي صنعت ضرورة النقابة لم تتراجع؛ بل ازدادت.
وقد يكون هذا الظرف، إذا أحسن الاتحاد قراءته، بداية مراجعة عميقة لنموذجه التنظيمي وطريقة حضوره في المجتمع.
فالمراد ليس فقط أن يحافظ الاتحاد على مقراته، بل أن يستعيد حضوره. ولا أن يحافظ فقط على هياكله، بل أن يعيد الحيوية إلى قواعده. ولا أن يحرس ذاكرته، بل أن يحول هذه الذاكرة إلى طاقة لبناء المستقبل.
قد تُغلق أبواب مقرات، لكن لا ينبغي أن تُغلق أبواب النقابة على قواعدها ومحيطها الاجتماعي. وقد تتغير الهياكل، لكن قيمة التنظيم الجماعي يجب أن تبقى. وقد تتراجع المنظمة في لحظة، لكن حاجات المجتمع التي صنعت ضرورتها لم تتراجع؛ بل ازدادت.
وفي أزمة مجتمعية بهذا العمق، ليست تونس بحاجة إلى اتحاد شغل غائب أو ضعيف، وإنما إلى اتحاد قوي ومستقل وديمقراطي ومتجدد. لذلك فإن الدفاع عن مستقبل الاتحاد لا يعني تجاهل الصعوبات التي يواجهها، بل يعني تحويل هذه الصعوبات نفسها إلى فرصة لإعادة تأسيس دوره؛ حتى لا يكون إغلاق مقر في تاجروين أو الدهماني خاتمة لصفحة من تاريخ النقابة، وإنما مناسبة لفتح صفحة جديدة يكون فيها تاريخ الاتحاد وذاكرته ونضالاته أساسًا لاستعادة حضوره في المجتمع، وتكون فيها المقرات، حيثما أمكن الحفاظ عليها، فضاءات حية للتنظيم والتشبيك والفعل الاجتماعي، لا مجرد عناوين تحمل اسم الاتحاد.

مقالات مشابهة

في يوم العلم… ماذا فعلنا بالعلم؟!

فريق النشر Echaab News

هل ستشهد العودة المدرسية توتراً بعد الحديث عن مربين خارج النصاب … وما رأي الوزارة؟

فريق النشر Echaab News

سلطة تحتفل بالعلم وتغتاله كلّ يوم

فريق النشر Echaab News