الشعب نيوز/ نصرالدين ساسي – ان إدراج التكوين المهني وآفاق التشغيل ضمن اختصاص المجلس الاعلى للتربية والتعليم، ليس إضافة من المرسوم، بل ورد صراحة في الفصل 135 من الدستور. غير أن الإشكال يكمن في كيفية ترجمة هذا الاختصاص. فمن الطبيعي أن تكون هناك علاقة بين التربية والتكوين وبين مستقبل سوق العمل، لكن تحويل المجلس إلى فضاء لمعالجة سياسات التشغيل بكل تفاصيلها قد يؤدي إلى توسيع مفرط لمجال اختصاصه وإضعاف تركيزه على جوهر مهمته: رسم الخيارات الكبرى للمنظومة التربوية والتعليمية والبحث العلمي.
فالتشغيل ليس مجرد امتداد للعملية التربوية، ولا يمكن اختزال وظيفة المدرسة والجامعة والتكوين في إعداد اليد العاملة لسوق الشغل. التربية لها وظيفة معرفية وثقافية ومدنية وإنسانية، والجامعة فضاء للعلم والبحث وإنتاج المعرفة، فيما يملك التشغيل سياسات وأدوات ومؤسسات وآليات تفاوضية خاصة به.
لذلك، فإن المطلوب ليس الفصل المصطنع بين التربية والتشغيل، وإنما ضبط العلاقة بينهما حتى لا تتحول المنظومة التعليمية إلى مجرد جهاز لإنتاج الكفاءات وفق الطلب الظرفي لسوق العمل.
مجلس استراتيجي.. لكن بأي فلسفة؟
يمنح المرسوم المجلس صلاحيات مهمة؛ فهو يبدي رأيه وجوبا في المسائل التي نص عليها الفصل 135 من الدستور وفي المسائل التي يعرضها عليه رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس نواب الشعب أو رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم، كما يمكنه التعهد تلقائيا بالمسائل الداخلة في اختصاصه. ويتولى إعداد الدراسات والتقارير والتوصيات عبر هيئتي الخبراء والتقييم.
ومن حيث المبدأ، يمكن لهذه الصلاحيات أن تجعل منه مؤسسة مؤثرة في رسم الخيارات الوطنية الكبرى. لكن السؤال الحقيقي يبقى: من يرسم هذه الخيارات؟ ومن يستمع إليه المجلس؟ ومن يشارك في صياغة الرأي؟
فالمجلس الذي يتولى التفكير في مستقبل المدرسة والجامعة والتكوين لا يمكن أن يكون مجرد اجتماع لوزراء وعدد من الخبراء، بينما يبقى المدرسون والأساتذة الجامعيون والهياكل النقابية والطلبة والأولياء وغيرهم خارج دائرة العضوية الفعلية.
إن إصلاح التربية لا يمكن أن يُدار بمنطق إداري فوقي، ولا يمكن أن تنجح السياسات التربوية إذا صيغت بعيدا عن الذين يعيشون تفاصيل المدرسة والجامعة والتكوين يوميا.
أي مجلس نريد، اداري ام تشاركي؟
ومن هنا فإن النقاش حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم لا ينبغي أن يتوقف عند تركيبة هيئة أو تفاصيل مرسوم، بل يجب أن يتجه إلى السؤال الأعمق: هل نريد مجلسا استشاريا إداريا تدور تركيبته أساسا حول الدولة والخبرة، أم مجلسا وطنيا تشاركيا يعكس المجتمع التربوي بكل مكوناته؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للمجلس، لأن قوة أي هيئة استشارية لا تقاس فقط بما تملكه من صلاحيات، وإنما أيضا بمدى شرعية تمثيلها، وتنوع أصواتها، واستقلالية خبرائها، وقدرتها على الاستماع إلى أصحاب المصلحة قبل أن تقدم الرأي في مستقبل أجيال كاملة.
وفي غياب هذه المعادلة، يبقى خطر قائما بأن يتحول المجلس الأعلى للتربية والتعليم من فرصة تاريخية لبناء توافق وطني حول إصلاح المنظومة إلى هيئة دستورية ذات اختصاصات واسعة، لكن بتشاركية محدودة وتمثيل اجتماعي ونقابي ناقص.
- اقرا المقال كاملا في عدد الشعب الورقية بتاريخ 20 أوت 2026.
