31.7 C
تونس
21 أوت، 2026 23:43
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

مصر والجزائر تتحاوران مع الإعلام… وتونس تفتقد حتى إلى المناورة

وجّه وزير الدولة للإعلام في مصر الكاتب الصحفي ضياء رشوان، الخميس 20 أوت 2026، رسالة إلى الصحفيين والإعلاميين المصريين اقترح فيها جملة من الإجراءات لإعادة تنظيم العلاقة بين الإعلام والشأن العام. ودعا رشوان، استنادًا إلى توجيه للرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى فتح المجال أمام حوار إعلامي يشمل الرأي والرأي الآخر، وإلى تخصيص مساحات وساعات في وسائل الإعلام لمختلف الآراء، كما اقترح عقد اجتماع سنوي، مبدئيًا يوم 3 ديسمبر من كل عام وتحت رعاية رئيس الجمهورية، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري ومناقشة تحدياته وفرص تطويره.

ولم تقتصر المبادرة المصرية على مسألة الحوار الإعلامي، بل شملت ستة محاور تقريبًا: توسيع النقاش حول الشأن العام، ودعم تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، وتعزيز حضور المواطن ومشاغله في وسائل الإعلام، وإعادة الاهتمام بالمجالات الثقافية والمواهب، والتشديد على المهنية وحرية الرأي المسؤولة، وأخيرًا نشر الوعي بحجم التحديات التي تواجه مصر.

وفي الجزائر، كانت الصورة مختلفة في الشكل لكنها متقاربة في الدلالة فالرئيس عبد المجيد تبون يجري لقاء اعلاميا دوريا مع ممثلي الصحافة الوطنية، وهي لقاءات تبثها القنوات التلفزية والإذاعية الوطنية، وتتناول عددًا من القضايا التي تشغل الرأي العام والملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.

ولا ينبغي أن يقود هذا إلى استنتاج ساذج بأن مصر والجزائر أصبحتا نموذجين في حرية الصحافة والتعبير. بالعكس، النظامان المصري والجزائري من أكثر الأنظمة العربية التي تواجه انتقادات جدية ومستمرة في مجال حرية الصحافة والتعبير، وهناك في تجربتيهما ما يكفي من الممارسات التي تجعل أي حديث عن الحوار الإعلامي موضع مساءلة ونقد.

من يناور مع الإعلام يعتر بأنه لاعب في المجال العام

ومن حق الصحفي المصري، مثلًا، أن يسأل ضياء رشوان: ما معنى «الرأي والرأي الآخر» إذا لم تتوافر ضمانات حقيقية تمنع ملاحقة أصحاب الرأي المختلف؟ وما قيمة فتح مساحات إعلامية إذا كان صحفي أو كاتب يمكن أن يدفع ثمن رأيه بالسجن أو التضييق؟

وهذا النقد ضروري، لأن المبادرات التي تأتي من أنظمة سلطوية أو شديدة المركزية يمكن أن تكون، في جانب منها، مناورة سياسية وإعلامية لإدارة العلاقة مع الصحافة وتحسين صورة السلطة أو احتواء الانتقادات. لكن هنا تحديدًا تصبح المقارنة مع تونس أكثر إثارة للاهتمام: حتى لو افترضنا أن مصر والجزائر تناوران في علاقتها بالإعلام، فإن السلطة التونسية تبدو وكأنها فقدت حتى القدرة أو الرغبة في المناورة،وهذه ليست نقطة تفصيلية، فالنظام السياسي الذي يناور مع الإعلام يعترف، ولو ضمنيًا، بأن الإعلام لاعب في المجال العام، وأن عليه أن يدير علاقته به، وأن يترك له بعض المساحات، وأن يتواصل معه، وأن ينتج مبادرات موجهة إليه. أما حين لا توجد حتى محاولة لبناء مثل هذه العلاقة، فإن المسألة تصبح أعمق من مجرد تضييق على حرية الصحافة: إنها تعكس غياب تصور سياسي لدور الإعلام أصلًا.

وهنا تحديدًا تبدو المقارنة مع مصر والجزائر قاسية على تونس. فمصر، رغم كل الانتقادات الموجهة إليها، تطرح اليوم اجتماعًا سنويًا لمراجعة أوضاع الإعلام وتدعو إلى توسيع مساحة الرأي والرأي الآخر. والجزائر، رغم الانتقادات نفسها تقريبًا، جعلت اللقاء الإعلامي الدوري لرئيس الجمهورية مع الصحافة الوطنية ممارسة سياسية متكررة، كان آخرها في 27 جويلية الماضي.

أما في تونس، فأين هو اللقاء الدوري لرئيس الجمهورية مع الصحفيين؟ أين هو الاجتماع السنوي لمراجعة أوضاع الإعلام؟ أين هي المبادرة السياسية التي تقول للصحفيين: تعالوا نناقش وضع المهنة، وتشريعاتها، ومؤسساتها، ومشاكلها، ومستقبلها؟ وأين هي المساحة التي تستطيع فيها السلطة أن تسمع مباشرة أسئلة الإعلام، بما فيها الأسئلة المزعجة؟

الحوار مع الاعلام يعني أن السلطة مستعدة لسماع ما لا تريد .

ان المفارقة أن تونس، التي لا تتوقف عن تقديم نفسها باعتبارها صاحبة تجربة مختلفة في المنطقة، أصبحت في هذا المجال أكثر تأخرًا من نظامين لا يمكن تقديمهما أصلًا كنموذجين لحرية الصحافة،لكن المقارنة لا تعني أن المطلوب من تونس أن تستنسخ النموذج المصري أو الجزائري، ولا أن تحول اللقاءات الدورية مع الرئيس إلى دليل على احترام حرية الصحافة، ان المطلوب أبسط وأعمق في الوقت نفسه: أن تدرك السلطة أن الإعلام ليس خصمًا سياسيًا، وأن التواصل معه ليس منّة، وأن الحوار لا يعني أن الصحفي سيؤيد السلطة، بل يعني أن السلطة مستعدة لسماع ما لا تريد سماعه.

إذا كانت مبادرة ضياء رشوان قابلة للنقد باعتبارها مناورة، وإذا كانت اللقاءات الدورية لعبد المجيد تبون قابلة للقراءة باعتبارها جزءً من إدارة الصورة السياسية، فإن السؤال الذي تطرحه التجربتان على تونس هو: لماذا لا تناور تونس حتى؟

فحتى المناورة، في السياسة، تعني الاعتراف بوجود مشكلة وبضرورة إدارتها، أما تجاهل الإعلام، وغياب الحوار معه، وعدم إرساء أي آلية منتظمة للتواصل، فلا ينتج حرية ولا استقرارًا إعلاميًا، بل يترك المجال العام مفتوحًا للتوتر وسوء الفهم والقطيعة.

واجمالا ان الاشكال ليس أن مصر والجزائر أصبحتا أفضل من تونس في حرية الصحافة؛ بل إن المفارقة أن نظامين يُصنفان ضمن الأكثر تضييقًا على الصحافة والتعبير يبدوان أكثر وعيًا من السلطة التونسية بضرورة إدارة العلاقة مع الإعلام. أما تونس، فلا تبدو متأخرة عنهما في الحرية فقط، وإنما متأخرة عنهما حتى في المناورة.

مقالات مشابهة

الاتحاد العام التونسي للشغل و ما أدراك

فريق النشر Echaab News

بعد 28 سنة تدريس، اكتشفت الإدارة أنني لا أُدرّس الفلسفة، أنا أسدّ الشغور.

فريق النشر

كلما ضاقت مساحات العمل النقابي تزايدت الحركات الاحتجاجية الفجئية

فريق النشر Echaab News