40.6 C
تونس
22 أوت، 2026 14:33
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

المجلس الأعلى للتربية والتعليم : هل نريد إصلاح التعليم أم إعادة تدوير العجز ؟

لم يكن إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم مجرد تفصيل دستوري جديد. ففكرة وجود هيئة وطنية تجمع مختلف الرؤى حول التربية والتعليم لها جذور في مطالب نقابية وتربوية رُفعت منذ سنوات، في سياق كان فيه إصلاح المنظومة التعليمية يُطرح باعتباره شأنًا وطنيًا يتجاوز الحكومات والأشخاص. لذلك فإن تركيز المجلس اليوم لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره تنفيذًا لمقتضى دستوري، بل باعتباره انتقالًا من مطلب اجتماعي وتربوي قديم إلى مؤسسة رسمية جديدة.

لكن المفارقة تبدأ هنا بالضبط: عندما انتقلت الفكرة من دائرة المطالب إلى دائرة المؤسسة، غابت عن تركيبتها التمثيلية الاجتماعية التي كانت جزءًا من روح ذلك المطلب.

ولا يتعلق الأمر بمطالبة طرف نقابي بمقعد إضافي، ولا بالتشكيك في كفاءة الأعضاء الذين تم اختيارهم. المسألة أعمق من ذلك: أيّ مجلس أعلى للتربية والتعليم نريد؟ مجلسًا للخبراء والمؤسسات، أم فضاءً وطنيًا يجمع الخبرة الأكاديمية والإدارة والمجتمع المدني والأطراف الاجتماعية والفاعلين الاقتصاديين والتربويين، باعتبار أن المدرسة ليست مؤسسة معزولة عن المجتمع؟

فالتعليم في النهاية ليس مجرد برامج ومناهج. إنه أيضًا عمل ومدرسون وأطر تربوية، وعلاقة بين الدولة والأسرة، ومسار للاندماج الاجتماعي، ومدخل إلى التكوين والتشغيل، وأداة لإنتاج تكافؤ الفرص بين الجهات والفئات. ولذلك فإن غياب التمثيلية الاجتماعية، وخاصة التمثيلية النقابية، لا يطرح فقط سؤال من يجلس حول الطاولة، بل سؤالًا أعمق: كيف يمكن بناء توافق وطني حول إصلاح التعليم إذا لم تشارك في صياغته الأطراف التي تعيش المنظومة يوميًا، وتتحمل كلفتها، وتفاوض حول شروطها، وتعاين نتائجها داخل المدرسة والمجتمع؟

لكن المسألة لا تتوقف عند التركيبة. فالسؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بالوظيفة التي سيؤديها المجلس داخل منظومة قائمة أصلًا.

الدولة لا تبدأ اليوم من الصفر. هناك وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهياكل التكوين، ومؤسسات عمومية، ومجالس ولجان، واستراتيجيات وبرامج وتقارير ودراسات تراكمت على مدى سنوات. كما أن مشاكل المنظومة التعليمية ليست مجهولة.

نحن لا نفتقر إلى التشخيص. نحن نغرق فيه.

والأرقام لا تكشف غموض المشكلة بقدر ما تكشف عمقها. فمنذ السنوات الأولى من المسار التعليمي، تواجه تونس تحديات تتعلق بالانقطاع المدرسي وبجودة التعلمات وبالفوارق الاجتماعية. وتشير معطيات منشورة من اليونيسف إلى أن نحو 27% من الأطفال لا يكملون المرحلة الأولى من التعليم الثانوي، مع تفاوت اجتماعي كبير بين أبناء الأسر الأكثر ثراءً والأسر الأكثر فقرًا.

ثم تأتي أزمة التعلمات. ففي نتائج PISA التي تستند إليها اليونيسف، كانت نسبة كبيرة من التلاميذ التونسيين دون المستوى الثاني في الرياضيات وفهم المقروء والعلوم، مقابل نسبة محدودة جدًا تبلغ المستويات العليا. كما أن إعادة السنة الدراسية أكثر انتشارًا في تونس مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

لكن هذه الأرقام لا تُذكر هنا لإعادة تشخيص أزمة التعليم. فهي معروفة، وقد كُتبت حولها تقارير ودراسات وبرامج إصلاح عديدة.

إنما تُطرح لأنها تضع المجلس أمام امتحانه الحقيقي: ماذا سيفعل بمشكلة تعرفها الدولة أصلًا؟

فإذا كان المجلس سيضيف تشخيصًا جديدًا إلى تشخيصات سابقة، فلن يكون قد سد فجوة حقيقية. أما إذا كان قادرًا على تحويل المعرفة المتراكمة إلى رؤية وطنية طويلة المدى، تربط بين السياسات والميزانية والتنفيذ والتقييم، فهنا تبدأ قيمته الفعلية.

وهذا يتطلب النظر إلى التربية والتعليم باعتبارهما منظومة متصلة، لا قطاعات منفصلة. فالمشكلة التي تبدأ في المدرسة قد تظهر لاحقًا في الجامعة ثم في سوق العمل. وفي نهاية 2025 بلغ معدل البطالة لدى حاملي الشهادات العليا 22.5% وفق المعهد الوطني للإحصاء، بينما بلغت البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة 38.4%. وفي الثلاثي الأول من 2026 بلغ معدل بطالة حاملي الشهادات العليا 24.2%.

هذه الأرقام لا تعني أن التعليم مسؤول وحده عن البطالة، ولا أن الجامعة مطالبة بضمان وظيفة لكل خريج. لكنها تكشف أن السياسة التعليمية لا يمكن فصلها عن التكوين والتوجيه والمهارات والتشغيل والتحولات الاقتصادية.

وهنا يمكن للمجلس أن يؤدي وظيفة لا تقوم بها المقاربة القطاعية بسهولة: أن ينظر إلى المسار التعليمي والتكويني باعتباره سلسلة واحدة، تبدأ بالطفل ولا تنتهي عند شهادة التخرج.

لكن المجلس، في صيغته الحالية، هيئة استشارية.

والاستشارية ليست في حد ذاتها نقطة ضعف. فالمؤسسات الاستشارية يمكن أن تكون مؤثرة إذا امتلكت الخبرة والاستقلالية والقدرة على بناء الخيارات الوطنية ومتابعة نتائجها. المشكلة تبدأ عندما تصبح الاستشارة منفصلة عن دورة القرار.

فما قيمة توصية جيدة إذا لم نعرف ماذا حدث لها بعد صدورها؟

من هنا ينبغي أن تكون للمجلس آلية واضحة تربط بين التوصية والقرار والتنفيذ والتقييم: أولويات محددة، آجال واضحة، جهات مسؤولة، متابعة دورية وعلنية، ومؤشرات تقيس ما تغير فعلًا.

فنجاح المجلس لا يمكن أن يُقاس بعدد التقارير التي يصدرها، وإنما بما إذا كانت تلك التقارير قادرة على التأثير في السياسات العامة.

هل انخفض الانقطاع المدرسي؟ هل تحسنت التعلمات؟ هل تقلصت الفوارق الجهوية والاجتماعية؟ هل تحسن التوجيه؟ هل أصبحت منظومة التكوين أكثر ارتباطًا بحاجات الاقتصاد؟ هل تحسنت قدرة التعليم العالي على إنتاج المعرفة والمهارات؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تنتقل إليها المؤسسة إذا أرادت أن تكون أكثر من جهاز استشاري آخر.

ثم تأتي مسألة الموارد.

في ميزانية 2026، بلغت اعتمادات مهمة التربية نحو 8.7 مليارات دينار، فيما بلغت نفقات الأجور نحو 7.63 مليارات دينار، أي أكثر من 87% من ميزانية الوزارة، مقابل نحو 772.4 مليون دينار لنفقات الاستثمار.

ولا ينبغي أن يتحول ذلك إلى اتهام للأجور أو للمدرسين. فلا يمكن بناء تعليم جيد دون مدرسين مؤهلين ومستقرين. المسألة الأهم هي تركيبة الإنفاق ومردوديته: كيف تتحول الموارد التي تخصصها الدولة إلى مدارس أفضل، وتجهيزات أفضل، وتعلمات أفضل، وإنصاف أكبر، وقدرة أعلى على منع الانقطاع وتحسين الانتقال من التعليم إلى التكوين والجامعة والعمل؟

فهنا تظهر المفارقة: الدولة تنفق مليارات على التعليم، ومع ذلك ما تزال تواجه اختلالات في التعلمات والانقطاع والبنية التحتية والإنصاف والاندماج المهني.

وهنا أيضًا ينبغي أن يُختبر المجلس.

فإحداث مؤسسة جديدة يعني موارد بشرية وإدارية ولوجستية ونفقات تسيير. وفي ظرف مالي عمومي شديد الحساسية، لا يمكن التعامل مع هذه الكلفة باعتبارها تفصيلًا ثانويًا.

السؤال ليس  لماذا أنشأنا المجلس؟ بل ماذا سيضيف مقابل ما سيكلف؟

وما الوظيفة التي سيؤديها المجلس ولا تستطيع مؤسسات الدولة القائمة أداءها بالكفاءة نفسها؟

إذا كانت مهمته بناء رؤية وطنية طويلة المدى تتجاوز تغير الحكومات، فيجب أن يظهر ذلك في طريقة عمله.

وإذا كانت مهمته جمع الخبرة العلمية والميدانية والاجتماعية حول الخيارات الكبرى للتعليم، فيجب أن تنعكس هذه المهمة في تركيبته.

وإذا كان دوره تقييم السياسات العمومية، فيجب أن يمتلك أدوات ومعايير تسمح بقياس النتائج، لا الاكتفاء بتعداد البرامج والأنشطة.

وإذا كان استشاريًا، فيجب أن تكون هناك آلية تجعل التعامل مع توصياته جزءًا من المساءلة العمومية، حتى لا تنتهي آراؤه إلى الأرشيف مثل عشرات التقارير التي سبقتها.

وهنا تعود مسألة التمثيلية إلى الواجهة، ولكن من زاوية أعمق من المطالبة النقابية.

فالمجلس الذي كانت جذور فكرته مرتبطة بمطالب نقابية وتربوية لا ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة منفصلة عن المجتمع الذي نشأت الحاجة إليها من داخله.

وليس المقصود أن يتحول المجلس إلى ساحة للمحاصصة، ولا أن تُقاس قيمته بعدد المقاعد المخصصة لكل طرف. المقصود أن تجمع تركيبته بين الخبرة والتعدد والاستقلالية والتمثيلية.

فالخبير يمتلك المعرفة، والمدرس يعيش واقع القسم، والأسرة تعايش المدرسة من خارجها، والفاعل الاجتماعي يعرف شروط العمل، والمجتمع المدني يلتقط قضايا الإنصاف والإدماج، والفاعل الاقتصادي يواجه فجوة المهارات. لا يملك أي طرف بمفرده الصورة الكاملة للمنظومة.

ولهذا فإن المجلس الأعلى، إذا أراد أن يكون فعلًا «أعلى»، يجب ألا يكون أعلى فقط في التسمية، وإنما في قدرته على النظر إلى المنظومة من فوق التجزئة القطاعية.

من الطفل الذي يدخل المدرسة، إلى التلميذ الذي يواجه خطر الانقطاع، إلى الطالب الذي يختار مساره، إلى الخريج الذي يدخل سوق العمل.

ومن الميزانية المرصودة، إلى البرنامج المنفذ، إلى النتيجة المحققة.

ومن القرار السياسي، إلى أثره داخل القسم.

وهنا يلتقي سؤال المجلس بسؤال الدولة.

فالدولة لا تُقاس فقط بعدد المؤسسات التي تنشئها، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتائج، ثم مساءلة نفسها عن النتائج.

لذلك فإن الامتحان الحقيقي للمجلس الأعلى للتربية والتعليم لن يكون في يوم تركيزه، ولا في عدد أعضائه، ولا في عدد اجتماعاته وتقاريره.

سيكون في قدرته على تغيير طريقة صناعة السياسة التعليمية في تونس: هل يستطيع أن يبني رؤية وطنية تتجاوز الحكومات والقطاعات؟ هل يستطيع أن يجمع الخبرة والتمثيلية؟ هل يستطيع أن يجعل السياسات التعليمية قابلة للتقييم والمساءلة؟ وهل تستطيع توصياته أن تجد طريقها من الوثيقة إلى القرار، ومن القرار إلى الميزانية، ومن الميزانية إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى النتيجة؟

إذا حدث ذلك، يمكن للمجلس أن يتحول من مؤسسة استشارية إلى رافعة فعلية لإصلاح السياسة التعليمية.

أما إذا بقي محدود التمثيلية، منفصلًا عن دورة القرار، يكرر التشخيصات ويصدر التوصيات دون آليات واضحة للمتابعة والتقييم، ويضيف كلفة مؤسساتية جديدة إلى منظومة مثقلة أصلًا بالهياكل، فإن الخطر أن نكون قد أضفنا مؤسسة إلى المشكلة بدل أن نضيف قدرة إلى الدولة.

فالمسألة في النهاية ليست وجود المجلس من عدمه.

المسألة هي: أي مجلس نريد؟ ولأي وظيفة؟ وبأي تمثيلية؟ وبأي قدرة على التأثير؟ وبأي كلفة؟ وبأي نتائج قابلة للقياس؟

لأن المدرسة التونسية لا تحتاج إلى شهادة ميلاد مؤسساتية جديدة بقدر ما تحتاج إلى قدرة دولة جديدة على الفعل.

وهذا، قبل أي شيء آخر، هو الامتحان الحقيقي للمجلس الأعلى للتربية والتعليم.

مقالات مشابهة

مصر والجزائر تتحاوران مع الإعلام… وتونس تفتقد حتى إلى المناورة

فريق النشر

الاتحاد العام التونسي للشغل و ما أدراك

فريق النشر Echaab News

بعد 28 سنة تدريس، اكتشفت الإدارة أنني لا أُدرّس الفلسفة، أنا أسدّ الشغور.

فريق النشر