بعد التعريف بآلية الاستخلاص و تحديد المفهوم وفق المسارات متعددة الأهداف يمكن الانطلاق بتشخيص الوضعية العامة حسب وضعية كل صندوق اجتماعي و كيفية التصرف و إدارة المرفق العمومي انطلاقا مت التطورات التاريخية التي راكمتها التجربة و أملتها الظروف السياسية و التنظم الإداري لمؤسسات الدولة.
و يتزامن طرح موضوع الحسابات الفردية بالقطاع العمومي الذي يديره الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية مع مخرجات جلسة العمل الوزارية الأخيرة التي أشرفت عليها رئيسة الحكومة و التي خصصت للنظر في التوجهات الكبرى لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي و التي قدم خلالها وزير السؤون الاجتماعية عرضا حول برنامج الحكومة في هذا المجال الحيوي الحساس.

حزمة من التساؤلات وتعارض صارخ
هذا الخيار الأحادي الذي تنتهجه السلطة خارج دائرة الحوار الاجتماعي يطرح حزمة من التساؤلات و القضايا في علاقة بالتوجهات الاجتماعية و كيفية تجسيمها و الرزنامة الزمنية التي تتطلبها في تعارض صارخ مع الصبغة الاستعجالية للاصلاح المرتقب نظرا لما بلغته الاوضاع من تراكمات أزمة هيكلية لا نزال نتجاذب في تشخيصها و نتباعد في تقديم الحلول الممكنة و المستقبلية من أجل ضمان ديمومة منظومة الحماية الاجتماعية و توازن الموازنات و إحكام التصرف في الموارد.
لم تصل مخرجات الجلسة الوزارية المعلنة في البلاغ الرسمي الى عتبة المعالجة الشمولية حيث اقتصرت التصورات على عموميات تتواتر و تتماهى مع التقارير الفنية التجزيئية للجان الادارية التي لا تبلغ التخطيط الاستراتيجي المستوجب تأسيسا على برامج إصلاحية و أكتوارية تستجيب الى تحديات العمل الاجتماعي عموما و الضمان الاجتماعي تحديدا.
عملت بالصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية منذ بداية الثمانيات للقرن الماضي و تكونت على فكرة كانت تبدو حلما تتمثل في إنشاء منظومة الحسابات الفردية تشمل المنخرط و المشغل و تمكن الصندوق من التحكم في موارده مقابل الاستخلاص أو الدفوعات الجزافية و التقديرية التي كانت معتمدة بالقطاع العمومي في غياب تطبيقات معلوماتية متطورة و شفافية في إدارة الحياة المهنية للعون العمومي.
الإرتهان للمعطيات التي يوفرها المشغل
تباطأت ولادة المشروع لأسباب موضوعية حالت دون بلوغ الانجاز الفعلي لمنظومة تتطلب قاعدة تشريعية و قانونية تجعل من المشغل شريكا في التسيير بصفة مباسرة و آنية و تمكن من ايجاد بديل للثقل الورقي و خاصة التصاريح بالدفع
و وثيقة قائمة الخدمات التي تحدد مستحقات المضمون الاجتماعي عند إحالته على التقاعد و تضبط قاعدة تصفية الجراية و توفر حق الوصول الى المعلومة بفضل الرقمنة و الادارة الالكترونية.
و في النهاية تمكن الصندوق من اعتماد منظومة الحسابات الفردية بصفة مرحلية تخصع للتجربة و التقييم و المراجعة و تتأسس في شكل عقود برامج تلزم كل الأطراف و تقلص من هامش الخطأ و التشكي و النزاعات القضائية التي تمثل أعباء إضافية يتكبدها الصندوق أولا و المضمون الاجتماعي أساسا.
لا نزال نعمل اليوم بالمراوحة بين القديم و الحديث و لم نصل مرحلة التقييم و التعديل اللازم لرقمنة كلية و شاملة تقطع مع إرتهان الصندوق للمعطيات التي يوفرها المشغل دون إمكانية تشبيك المعلومات و التحكم في تدفقها و دقتها حسب قاعدة بيانات التأجير و الاستخلاص حيث لا تزال إدارة المرجعيات بالصندوق رهينة النظم المعلوماتية و هياكل التصرف في الموارد البشرية في و اقع معقد للانظمة الاساسية و نظم التأجير و الترقية المهنية خاصة بالنسبة للمنشآت العمومية و كذلك جانب هام من الوظيفة العمومية خاصة على مستوى وزارات السيادة.
شروط التصرف المحكم في الموارد
منظومة الحسابات الفردية لا تتحمل التجزئة و الخصوصيات و لكنها قابلة للتحقيق و لا مناص من اعتمادها كليا نظرا لما توفره من ضمانات لكل الاطراف في علاقة بالاستخلاص و متابعة تطور الحياة المهنية و مهام مجلس الادارة في توفير قاعدة بيانات ذات مصداقية و شفافية و حوكمة .
و لا يمكن حسب تقديري الحديث عن بيانات موثوقة و سيناريوهات إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي خارج هذا التوجه الاستراتيجي الذي من شأنه تمكين الصندوق من برمجة تعهداته في نظام توزيعي يقتصر دور الدولة فيه على سن القوانين و تنظيم العمل و توفير شروط التصرف المحكم في الموارد.
و في انتظار توفر هذه الشروط تتجدد الدعوة الى فتح باب الحوار و اعتماد جداول قيادة تمكن من تصويب الاصلاحات و المضي بالاهداف الى درجة الالتزام الجماعي ضمن عقد اجتماعي يخدم حقنا في الرقي و العصرنة و الرقمنة الشاملة و التفعيل الكلي لمنظومة الحسابات الفردية.
——
* نشر في الشعب الورقية بتاريخ 19 أوت 2026
