جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

عام على دراسة الهجرة التونسية إلى فرنسا : ماذا فعلنا بالأرقام ؟

في 23 أوت 2025، نشر المرصد الفرنسي للهجرة والديموغرافيا دراسة بعنوان: «الهجرة التونسية إلى فرنسا: نمو سريع يطرح أسئلة». وفي اليوم نفسه تقريباً، تناولت جريدة “Le Figaro” الدراسة في مقال حمل عنواناً أكثر دلالة: «في فرنسا، الهجرة التونسية، في نمو متسارع، لا تحقق الثمار الموعودة للهجرة المختارة».

بعد سنة كاملة، لا تكمن أهمية العودة إلى هذه الدراسة في إعادة نشر أرقامها، ولا في الدخول في سجال مع الجهة التي أصدرتها. الأهم هو أن نسأل: ماذا حدث خلال سنة؟ وهل تغيرت الصورة؟ والأهم: ماذا فعلت تونس تجاه هذه المعطيات؟

الدراسة كانت قد أشارت إلى وصول عدد المهاجرين التونسيين من الجيل الأول في فرنسا إلى نحو 347 ألفاً سنة 2023، بزيادة قدرها 52.6% منذ 2006، وهي أعلى نسبة نمو بين الجاليات المغاربية الثلاث خلال الفترة نفسها. كما أحصت أكثر من 431 ألفاً من أبناء الجيل الثاني، لتكشف بذلك أن المسألة لم تعد تتعلق بمجموعة من العمال الذين غادروا تونس في الستينات والسبعينات، وإنما بمجتمع تونسي متجذر ومتعدد الأجيال في فرنسا.

لكن سنة واحدة بعد نشر الدراسة تقدم لنا صورة أكثر تعقيداً.

فحسب أحدث البيانات الرسمية الفرنسية، منحت فرنسا سنة 2025 20,598 تصريح إقامة أول للتونسيين، مقابل 22,499 سنة 2024، أي بانخفاض قدره 8.4%. ومع ذلك بقيت تونس ثالث جنسية مغاربية من حيث عدد التصاريح الأولى بعد المغرب والجزائر.

هذا الرقم وحده كفيل بتصحيح بعض القراءات المتسرعة. انخفاض التصاريح الأولى لا يعني أن الهجرة التونسية إلى فرنسا تراجعت، ولا ينقض بالضرورة ما خلصت إليه دراسة 2025. إنه يعني ببساطة أن تدفق الوافدين الجدد خلال سنة معينة تغير، بينما تظل الجالية الموجودة أصلاً كبيرة ومتجذرة.

بل إن تركيبة التصاريح الجديدة تطرح سؤالاً أكثر أهمية: فالهجرة التونسية لم تعد مساراً واحداً. نحن أمام هجرة عائلية، وطلابية، واقتصادية، ومسارات أخرى متداخلة. وبالتالي فإن اختزالها في مفهوم «الهجرة المختارة» أو «الهجرة غير النظامية» معاً يطمس تعدد التجارب الاجتماعية للتونسيين في فرنسا.

لكن هناك رقم آخر يجعل الدراسة الفرنسية أكثر حضوراً بعد سنة.

ففي 2025 نفذت فرنسا 1,521 عملية إبعاد بحق تونسيين في وضعية غير نظامية، مقابل 1,266 سنة 2024، أي بزيادة 20.1%. كما بلغ عدد التونسيين الذين تم إيقافهم في إطار وضعية الإقامة غير النظامية 16,366 شخصاً، مقابل 13,414 سنة 2024، بزيادة 22%.

وهنا علينا أن نكون دقيقين: ارتفاع عدد الإبعادات أو الإيقافات لا يعني تلقائياً أن «الهجرة التونسية غير النظامية ارتفعت» بالنسبة نفسها. ما تثبته الأرقام هو أن سياسة مراقبة الإقامة وتنفيذ الإبعاد أصبحت أكثر حضوراً وفعالية خلال 2025.

وهذا يقودنا إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من كل أرقام الدراسة الفرنسية: ماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى تونس؟

الاتفاق الفرنسي التونسي لسنة 1988، المعدل في 2000 والبروتوكول المتعلق بالإدارة المشتركة للهجرة الموقع سنة 2008، مازال يمثل الإطار القانوني الخاص بجانب مهم من أوضاع التونسيين في فرنسا.

لكن بعد أكثر من ثلاثين عاماً على الاتفاق، وأكثر من سنة على الدراسة التي أعادت طرح مسألة فعاليته، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل يستجيب الاتفاق للمصالح الفرنسية؟

بل: هل مازال يستجيب لتحولات المجتمع التونسي نفسه؟

فالمهاجر التونسي في فرنسا اليوم ليس فقط العامل الذي يبحث عن فرصة عمل ويرسل جزءاً من دخله إلى أسرته. هناك الطالب، والمهندس، والطبيب، والعامل الهش، والأسرة، والجيل الثاني والثالث، والعاطل، والمتقاعد، والشخص الذي يعيش وضعية إقامة غير مستقرة، والعائد بعد تجربة هجرة فاشلة أو بعد الإبعاد.

هذه التحولات تفرض على تونس الانتقال من إدارة ملف الجالية إلى بناء سياسة عمومية متكاملة للجالية والهجرة.

صحيح أن تونس تملك برامج لمرافقة العائدين، من بينها منظومة «تونسنا» وبرنامج ProGres Migration الذي يهدف إلى دعم إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمهاجرين التونسيين العائدين. لكن السؤال الجدي ليس: هل توجد برامج؟ بل: ما مدى تغطيتها؟ وما نتائجها؟ وهل تخضع لتقييم دوري وشفاف؟

وهنا تحديداً تظهر إحدى أكبر الفجوات.

لقد قدمت الدراسة الفرنسية أرقاماً حول التعليم والعمل والسكن والتقاعد والاندماج والإبعاد. قد نختلف مع تفسير أصحابها، وقد ننتقد خلفيتها السياسية أو طريقة انتقاء بعض المؤشرات، لكن الأسوأ هو أن نرفض الأرقام لأنها جاءت من جهة فرنسية ثم لا نقدم نحن أرقامنا البديلة.

أين التقرير التونسي الذي يفكك هذه المعطيات؟

أين البيانات التي تسمح لنا بمعرفة الوضع الاجتماعي للتونسيين في فرنسا حسب العمر والجنس والمستوى التعليمي والمهنة والوضعية القانونية والجهة والجيل؟

أين تقييم السياسات العمومية الموجهة للجالية؟

وأين الاستراتيجية الخاصة بالجيل الثاني والثالث؟

المفارقة أن الدولة التونسية تنظر إلى مواطنيها في الخارج باعتبارهم شريكاً اقتصادياً مهماً، خصوصاً من خلال التحويلات والاستثمار، لكن هذه الرؤية الاقتصادية لا تكفي وحدها لفهم مجتمع بشري أصبح عابراً للحدود.

الجالية ليست فقط تحويلات مالية.

هي أيضاً أطفال ومدارس، عائلات وسكن، عمال وتقاعد، كفاءات، هشاشة اجتماعية، اندماج، هوية، علاقات أسرية، ومواطنون يعيشون بين نظامين اجتماعيين وثقافيين.

وفي المقابل، فإن المجتمع المدني بدأ يتحرك لسد بعض هذه الفجوات. فقد نشر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية دليلاً موجهاً إلى التونسيين في فرنسا، بمن فيهم الأشخاص المهددون بالإبعاد أو الخاضعون لأوامر مغادرة التراب الفرنسي، وهو ما يكشف أن جزءاً من المرافقة الفعلية للجالية يتم اليوم أيضاً عبر المبادرات المدنية والحقوقية.

بعد سنة، إذن، لا يبدو أن السؤال الذي طرحته دراسة أوت 2025 قد انتهى.

بل ربما أصبح أكثر إلحاحاً.

فرنسا واصلت خلال 2025 تشديد مراقبة الهجرة غير النظامية؛ فقد ارتفع إجمالي الإبعادات المنفذة من فرنسا بنسبة 11.1%، بينما ارتفعت الإبعادات القسرية بنسبة 21.1%. وفي الوقت نفسه استمرت فرنسا في استقبال مئات الآلاف من المهاجرين قانونياً، بما يؤكد أن السياسة الفرنسية لا تسير نحو «إغلاق» الهجرة بقدر ما تعمل على إعادة تنظيمها وانتقاء مساراتها وتشديد شروط الإقامة فيها.

أما تونس، فلا يكفي أن تتابع هذه التحولات من موقع المتلقي.

نحن أمام جالية أصبحت جزءاً من الواقع الاجتماعي الفرنسي، وأمام أجيال جديدة لم تعد علاقتها بتونس هي نفسها علاقة الجيل الأول، وأمام فئات هشة تحتاج إلى حماية ومرافقة، وأمام كفاءات تحتاج إلى سياسات لاستثمار ارتباطها بتونس، وأمام عائدين يحتاجون إلى إعادة إدماج حقيقية، لا مجرد استقبال إداري.

لذلك، بعد سنة من دراسة المرصد الفرنسي للهجرة والديموغرافيا، ربما يكون السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً عن السؤال الذي طرحه المرصد.

ليس فقط: ماذا تفعل الهجرة التونسية بفرنسا؟

بل:  ماذا فعلت تونس خلال سنة كي تفهم مواطنيها في فرنسا وتحميهم وترافقهم وتستثمر فيهم؟

فإذا كانت الدراسة الفرنسية قد قدمت لنا مرآة، فإن المشكلة ليست في أن المرآة قد تكون منحازة.

المشكلة الحقيقية أن نحن لا نملك بعد المرآة التونسية بالقدر الكافي.

وبعد سبعين عاماً من الهجرة التونسية إلى فرنسا، ربما آن الأوان للانتقال من سياسة تتذكر الجالية عند التحويلات والاستثمار وموسم العودة، إلى سياسة عمومية تعتبرها مجتمعاً تونسياً ممتداً خارج الحدود، متعدد الأجيال والحاجيات والمسارات.

وعندها فقط يمكن أن يتحول السؤال من: كيف نعيد المهاجر؟ إلى سؤال أكثر إنسانية واستراتيجية: كيف نحافظ على المواطن، أينما كان، وكيف نجعل الهجرة اختياراً لا نتيجة لانسداد الأفق؟عام على دراسة الهجرة التونسية إلى فرنسا: ماذا فعلنا بالأرقام؟

في 23 أوت 2025، نشر المرصد الفرنسي للهجرة والديموغرافيا دراسة بعنوان: «الهجرة التونسية إلى فرنسا: نمو سريع يطرح أسئلة». وفي اليوم نفسه تقريباً، تناولت جريدة Le Figaro الدراسة في مقال حمل عنواناً أكثر دلالة: «في فرنسا، الهجرة التونسية، في نمو متسارع، لا تحقق الثمار الموعودة للهجرة المختارة».

بعد سنة كاملة، لا تكمن أهمية العودة إلى هذه الدراسة في إعادة نشر أرقامها، ولا في الدخول في سجال مع الجهة التي أصدرتها. الأهم هو أن نسأل: ماذا حدث خلال سنة؟ وهل تغيرت الصورة؟ والأهم: ماذا فعلت تونس تجاه هذه المعطيات؟

الدراسة كانت قد أشارت إلى وصول عدد المهاجرين التونسيين من الجيل الأول في فرنسا إلى نحو 347 ألفاً سنة 2023، بزيادة قدرها 52.6% منذ 2006، وهي أعلى نسبة نمو بين الجاليات المغاربية الثلاث خلال الفترة نفسها. كما أحصت أكثر من 431 ألفاً من أبناء الجيل الثاني، لتكشف بذلك أن المسألة لم تعد تتعلق بمجموعة من العمال الذين غادروا تونس في الستينات والسبعينات، وإنما بمجتمع تونسي متجذر ومتعدد الأجيال في فرنسا.

لكن سنة واحدة بعد نشر الدراسة تقدم لنا صورة أكثر تعقيداً.

فحسب أحدث البيانات الرسمية الفرنسية، منحت فرنسا سنة 2025 20,598 تصريح إقامة أول للتونسيين، مقابل 22,499 سنة 2024، أي بانخفاض قدره 8.4%. ومع ذلك بقيت تونس ثالث جنسية مغاربية من حيث عدد التصاريح الأولى بعد المغرب والجزائر.

هذا الرقم وحده كفيل بتصحيح بعض القراءات المتسرعة. انخفاض التصاريح الأولى لا يعني أن الهجرة التونسية إلى فرنسا تراجعت، ولا ينقض بالضرورة ما خلصت إليه دراسة 2025. إنه يعني ببساطة أن تدفق الوافدين الجدد خلال سنة معينة تغير، بينما تظل الجالية الموجودة أصلاً كبيرة ومتجذرة.

بل إن تركيبة التصاريح الجديدة تطرح سؤالاً أكثر أهمية: فالهجرة التونسية لم تعد مساراً واحداً. نحن أمام هجرة عائلية، وطلابية، واقتصادية، ومسارات أخرى متداخلة. وبالتالي فإن اختزالها في مفهوم «الهجرة المختارة» أو «الهجرة غير النظامية» معاً يطمس تعدد التجارب الاجتماعية للتونسيين في فرنسا.

لكن هناك رقم آخر يجعل الدراسة الفرنسية أكثر حضوراً بعد سنة.

ففي 2025 نفذت فرنسا 1,521 عملية إبعاد بحق تونسيين في وضعية غير نظامية، مقابل 1,266 سنة 2024، أي بزيادة 20.1%. كما بلغ عدد التونسيين الذين تم إيقافهم في إطار وضعية الإقامة غير النظامية 16,366 شخصاً، مقابل 13,414 سنة 2024، بزيادة 22%.

وهنا علينا أن نكون دقيقين: ارتفاع عدد الإبعادات أو الإيقافات لا يعني تلقائياً أن «الهجرة التونسية غير النظامية ارتفعت» بالنسبة نفسها. ما تثبته الأرقام هو أن سياسة مراقبة الإقامة وتنفيذ الإبعاد أصبحت أكثر حضوراً وفعالية خلال 2025.

وهذا يقودنا إلى السؤال الذي ربما يكون أهم من كل أرقام الدراسة الفرنسية: ماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى تونس؟

الاتفاق الفرنسي التونسي لسنة 1988، المعدل في 2000 والبروتوكول المتعلق بالإدارة المشتركة للهجرة الموقع سنة 2008، مازال يمثل الإطار القانوني الخاص بجانب مهم من أوضاع التونسيين في فرنسا.

لكن بعد أكثر من ثلاثين عاماً على الاتفاق، وأكثر من سنة على الدراسة التي أعادت طرح مسألة فعاليته، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل يستجيب الاتفاق للمصالح الفرنسية؟

بل: هل مازال يستجيب لتحولات المجتمع التونسي نفسه؟

فالمهاجر التونسي في فرنسا اليوم ليس فقط العامل الذي يبحث عن فرصة عمل ويرسل جزءاً من دخله إلى أسرته. هناك الطالب، والمهندس، والطبيب، والعامل الهش، والأسرة، والجيل الثاني والثالث، والعاطل، والمتقاعد، والشخص الذي يعيش وضعية إقامة غير مستقرة، والعائد بعد تجربة هجرة فاشلة أو بعد الإبعاد.

هذه التحولات تفرض على تونس الانتقال من إدارة ملف الجالية إلى بناء سياسة عمومية متكاملة للجالية والهجرة.

صحيح أن تونس تملك برامج لمرافقة العائدين، من بينها منظومة «تونسنا» وبرنامج ProGres Migration الذي يهدف إلى دعم إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمهاجرين التونسيين العائدين. لكن السؤال الجدي ليس: هل توجد برامج؟ بل: ما مدى تغطيتها؟ وما نتائجها؟ وهل تخضع لتقييم دوري وشفاف؟

وهنا تحديداً تظهر إحدى أكبر الفجوات.

لقد قدمت الدراسة الفرنسية أرقاماً حول التعليم والعمل والسكن والتقاعد والاندماج والإبعاد. قد نختلف مع تفسير أصحابها، وقد ننتقد خلفيتها السياسية أو طريقة انتقاء بعض المؤشرات، لكن الأسوأ هو أن نرفض الأرقام لأنها جاءت من جهة فرنسية ثم لا نقدم نحن أرقامنا البديلة.

أين التقرير التونسي الذي يفكك هذه المعطيات؟

أين البيانات التي تسمح لنا بمعرفة الوضع الاجتماعي للتونسيين في فرنسا حسب العمر والجنس والمستوى التعليمي والمهنة والوضعية القانونية والجهة والجيل؟

أين تقييم السياسات العمومية الموجهة للجالية؟

وأين الاستراتيجية الخاصة بالجيل الثاني والثالث؟

المفارقة أن الدولة التونسية تنظر إلى مواطنيها في الخارج باعتبارهم شريكاً اقتصادياً مهماً، خصوصاً من خلال التحويلات والاستثمار، لكن هذه الرؤية الاقتصادية لا تكفي وحدها لفهم مجتمع بشري أصبح عابراً للحدود.

الجالية ليست فقط تحويلات مالية.

هي أيضاً أطفال ومدارس، عائلات وسكن، عمال وتقاعد، كفاءات، هشاشة اجتماعية، اندماج، هوية، علاقات أسرية، ومواطنون يعيشون بين نظامين اجتماعيين وثقافيين.

وفي المقابل، فإن المجتمع المدني بدأ يتحرك لسد بعض هذه الفجوات. فقد نشر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية دليلاً موجهاً إلى التونسيين في فرنسا، بمن فيهم الأشخاص المهددون بالإبعاد أو الخاضعون لأوامر مغادرة التراب الفرنسي، وهو ما يكشف أن جزءاً من المرافقة الفعلية للجالية يتم اليوم أيضاً عبر المبادرات المدنية والحقوقية.

بعد سنة، إذن، لا يبدو أن السؤال الذي طرحته دراسة أوت 2025 قد انتهى.

بل ربما أصبح أكثر إلحاحاً.

فرنسا واصلت خلال 2025 تشديد مراقبة الهجرة غير النظامية؛ فقد ارتفع إجمالي الإبعادات المنفذة من فرنسا بنسبة 11.1%، بينما ارتفعت الإبعادات القسرية بنسبة 21.1%. وفي الوقت نفسه استمرت فرنسا في استقبال مئات الآلاف من المهاجرين قانونياً، بما يؤكد أن السياسة الفرنسية لا تسير نحو «إغلاق» الهجرة بقدر ما تعمل على إعادة تنظيمها وانتقاء مساراتها وتشديد شروط الإقامة فيها.

أما تونس، فلا يكفي أن تتابع هذه التحولات من موقع المتلقي.

نحن أمام جالية أصبحت جزءاً من الواقع الاجتماعي الفرنسي، وأمام أجيال جديدة لم تعد علاقتها بتونس هي نفسها علاقة الجيل الأول، وأمام فئات هشة تحتاج إلى حماية ومرافقة، وأمام كفاءات تحتاج إلى سياسات لاستثمار ارتباطها بتونس، وأمام عائدين يحتاجون إلى إعادة إدماج حقيقية، لا مجرد استقبال إداري.

لذلك، بعد سنة من دراسة المرصد الفرنسي للهجرة والديموغرافيا، ربما يكون السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً عن السؤال الذي طرحه المرصد.

ليس فقط: ماذا تفعل الهجرة التونسية بفرنسا؟

بل: ماذا فعلت تونس خلال سنة كي تفهم مواطنيها في فرنسا وتحميهم وترافقهم وتستثمر فيهم؟

فإذا كانت الدراسة الفرنسية قد قدمت لنا مرآة، فإن المشكلة ليست في أن المرآة قد تكون منحازة.

المشكلة الحقيقية أن نحن لا نملك بعد المرآة التونسية بالقدر الكافي.

وبعد سبعين عاماً من الهجرة التونسية إلى فرنسا، ربما آن الأوان للانتقال من سياسة تتذكر الجالية عند التحويلات والاستثمار وموسم العودة، إلى سياسة عمومية تعتبرها مجتمعاً تونسياً ممتداً خارج الحدود، متعدد الأجيال والحاجيات والمسارات.

وعندها فقط يمكن أن يتحول السؤال من: كيف نعيد المهاجر؟ إلى سؤال أكثر إنسانية واستراتيجية: كيف نحافظ على المواطن، أينما كان، وكيف نجعل الهجرة اختياراً لا نتيجة لانسداد الأفق؟

مقالات مشابهة

فاجعة بنقردان : ماذا تكشف الهجرة غير النظامية عن أزمة الأفق في تونس؟

فريق النشر Echaab News

عندما تنفرد الإدارة بكل الملفات، يصبح الحديث عن الحوكمة والشفافية مجرد شعار

فريق النشر

المجلس الأعلى للتربية والتعليم : هل نريد إصلاح التعليم أم إعادة تدوير العجز ؟

فريق النشر Echaab News