بن قردان / محمد ذويب –
في طقس حار وساخن وفي أجواء غلب عليها الحزن والأسى وخيبة الأمل، وارى أهالي مدينة بن قردان اليوم الاربعاء 26

أوت أبناءهم التراب في مقبرة سيدي خليف بعد فاجعة غرق مركب الهجرة غير النظامية التي جدت منذ أيام.
منذ الصباح الباكر، غصت المقبرة بالزوار الذين استقبلوا جثامين أبناء المدينة بالتهليل والتكبير والدعاء وقد جرى كل هذا وسط غياب محير للدولة وسلطاتها المركزية والجهوية لكن ما أضفى على القلوب نوعا من المواساة هي حالة التضامن الشعبي الكبير بين أهالي بن قردان حيث تطوّع أبناء المنطقة منذ ليلة البارحة لتغطية جزء كبير من المقبرة وتوفير الطاولات والكراسي وكميات هامة من المياه المعدنية الباردة للتخفيف من شدة حرارة الطقس.
بن قردان التي تقع على طرف الخريطة والتي يبدو أنها تقع أيضا على طرف اهتمام السلطة ودّعت اليوم أبناءها وأحلامهم منفردة بلا سند عدا وحدة أهاليها ودعم المدن المجاورة وخاصة جرجيس التي تجنّد بحارتها منذ اليوم الأول للحادثة للبحث عن المفقودين. 

أبرز الكوارث الناجمة عن الحرقة
عرفت بلادنا منذ 2012 عدة فواجع ماساوية نتيجة الهجرة غير النظامية عبر مراكب الموت اكتوى بها أهالينا في عدة مدن ومن ابرزها:
* فاجعة سبتمبر 2012 : فُقد فيها نحو 79 شاباً بعد غرق قارب كان يقل نحو 135 شخصاً قبالة السواحل الإيطالية بينما تم إنقاذ 56 شخصاً.
* فاجعة 8 أكتوبر 2017 بقرقنة : 46 وفاة و38 ناجيا وأغلب الضحايا من بئر الحفي بولاية سيدي بوزيد.
* فاجعة جوان 2018 بقرقنة : قارب يحمل نحو 180 شخصاً وتم إنقاذ 68 بينما انتُشلت عشرات الجثث وبلغت الحصيلة 52 وفاة مع بقاء آخرين في عداد المفقودين. كما أظهرت المعطيات أن 48 من الجثث كانوا تونسيين.
* فاجعة سبتمبر 2022 بجرجيس : غرق مركب هجرة غير نظامية انطلق من سواحل جرجيس وفقدان جميع ركابه البالغ عددهم 18 شاباً وشخصاً من المنطقة.
* فاجعة بن قردان الأخيرة : الحصيلة الإجمالية للوفيات والمفقودين بلغت 15 شخصا.

إضافة إلى ذلك، تسببت العديد من محاولات “الحرقة” في وفاة المئات فرادى أو في مجموعات صغيرة العدد ، علما وأن القوات الأمنية والعسكرية تمكنت من إحباط مئات عمليات الإبحار خلسة، التي كانت في معظمها تتم على متن قوارب مهترئة ومعرضة للغرق، كما نجحت في إنقاذ واعتراض عشرات الآلاف من الأشخاص.
أفعال للفعل والمفعول وقلة الحلول.
من ناحيته، كتب الاخ والزميل سمير جراي، ابن الجهة، المكلوم هو الاخر نتيجة وفاة بعض من اقاربه المقربين في الفاجعة:

من يغرق يغرق، ومن يموت يموت، ومن يحترق يحترق، ومن يُحرق يُحرق، ومن يُقتل تحت التعذيب يُقتل، ومن يُقتل جراء الإهمال الطبي يُقتل، ومن يُنتشل يُنتشل، ومن يُسحل يُسحل، ومن يُشتم يُشتم، ومن يُسجن يُسجن، ومن يتوجع يتوجع، ومن يُقهر يُقهر، ومن يُهمّش يُهمّش، ومن يبكي يبكي، ومن ينهار ينهار، ومن ييأس ييأس، ومن يُهجّر يُهجّر، ومن يجوع يجوع، ومن يعطش يعطش، ومن يُشرّد يُشرّد، ومن تُنهب حقوقه تُنهب، ومن تُسرق أمواله تُسرق، ومن تُغلق في وجهه الأبواب يُقصى، ومن ينتظر الفرج ينتظر، ومن يبحث عن العدالة يبحث، ومن يطلب الأمان يطلب، ومن يصرخ ولا يُسمع يصرخ، ومن يستغيث ولا يُغاث يستغيث، ومن يُهان يُهان، ومن يُذل يُذل، ومن يُقصى يُقصى، ومن يُنسى يُنسى، ومن تُدفن أحلامه تُدفن، ومن يُطفئ الأمل في قلبه ينطفئ، ومن يعيش الخوف يعيش، ومن يدفع ثمن هذا الوضع يدفع.
وفي كل مرة يقولولنا إنها مجرد حوادث، مجرد أرقام، مجرد أخبار عابرة
يغرق الناس، ويحترقون، ويُقتلون، ويُقهرون… ووطن كله ينزف.
