46.3 C
تونس
26 أوت، 2026 15:26
جريدة الشعب نيوز
آراء حرةوطني

2.684 مليون دينار لمنصة الحياة المدرسية : لماذا تتجاوز وزارة التربية مركزها العمومي المختص في الرقمنة؟

الشعب نيوز / تونس –  أثار الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بمنوبة، الاخ حسان العرفاوي، في تدوينة له جملة من التساؤلات بشأن مشروع رقمي جديد لوزارة التربية يتعلق بإحداث منصة للحياة المدرسية، يفترض أن تعوّض المنصة المعتمدة حاليا في عدد من الخدمات الرقمية الموجهة إلى التلاميذ والأولياء والمؤسسات التربوية.

وبحسب المعطيات التي قدمها العرفاوي، أسندت وزارة التربية إنجاز المنصة إلى شركة خاصة مقرها بمنطقة البحيرة، بكلفة جملية تناهز مليارين و684 مليون مليم، أي نحو 2.684 مليون دينار.

و لا تكمن أهمية الرقم في قيمته المالية فحسب، بل في طبيعة المشروع نفسه، وفي الجهة التي أسند إليها إنجازه.

فكيف تختار وزارة التربية شركة خاصة لإنجاز منظومة ترتبط مباشرة بالحياة المدرسية، في حين تمتلك مؤسسة عمومية متخصصة أنشئت أصلا لتطوير وإدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال في المنظومة التربوية ؟

مركز وطني أنشئ للرقمنة… فلماذا يتم تجاوزه ؟

هذا الموضوع اشتغل عليه موقع “TUNISIE TELEGRAPH” و أوضح ان المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية مؤسسة عمومية تحت إشراف وزارة التربية، وتتمثل مهمته الأساسية في تطوير وإدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال في المنظومة التربوية.

ويعرض المركز ضمن خدماته تطوير المنصات الرقمية والأنظمة المعلوماتية، والخدمات المدرسية الموجهة إلى المؤسسات والأولياء، فضلا عن الخدمات المرتبطة بالتصرف في الحياة المدرسية.

كما يضطلع بالمشاركة في الدراسات المتعلقة بتطوير نظم المعلومات التابعة لوزارة التربية.

وتؤكد وثائق الوزارة نفسها الدور الذي يؤديه المركز باعتباره فاعلا عموميا في مجال الرقمنة التربوية، بما في ذلك إنتاج المحتويات الرقمية وإحداث منصات للتواصل بين الإطار التربوي والتلاميذ والأولياء، إلى جانب خدمات التسجيل عن بعد ومتابعة المواظبة واستخراج كشوف الأعداد وبطاقات النتائج المدرسية.

كما ينص النص المنظم للمركز على جملة من المهام، من بينها تطوير منظومة معلوماتية تربوية شاملة ومندمجة، وتوفير الخدمات الرقمية في مجال التربية، والمساهمة في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لإدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال في المنظومة التربوية.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي: إذا كان هذا المركز قد أنشئ أصلا لهذه المهام، فلماذا أسند مشروع المنصة الجديدة إلى شركة خاصة؟

هل المركز غير قادر على إنجاز المشروع؟

لا يعني طرح هذا السؤال رفض الاستعانة بالقطاع الخاص، ولا التشكيك مسبقا في الشركة التي أسند إليها المشروع. فقد تلجأ الدولة، في بعض الحالات، إلى شركات خاصة عندما تتطلب المشاريع خبرات أو تقنيات أو إمكانيات غير متوفرة لديها.
لكن الأمر يصبح مختلفا عندما يتعلق المشروع بمجال يقع في صميم اختصاص مؤسسة عمومية تابعة مباشرة للوزارة.
فإذا كانت وزارة التربية ترى أن المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية لا يمتلك الإمكانيات البشرية أو التقنية لإنجاز المنصة، فإن من حق الرأي العام أن يعرف ذلك بوضوح: ما أوجه النقص؟ وهل توجد دراسة فنية تثبت عدم قدرة المركز على إنجاز المشروع؟ وما المعايير التي اعتمدتها الوزارة لاتخاذ قرار الإسناد إلى شركة خاصة؟
أما إذا كان المركز يمتلك هذه الإمكانيات، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: لماذا لم يُكلّف بإنجاز المشروع؟

عشرات المختصين وبنية تقنية قائمة

بحسب الأرقام التي قدمها حسان العرفاوي، يضم المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية نحو 173 موظفا وعاملا، من بينهم 67 تقنيا و17 محللا و8 مهندسين.

وإذا تأكدت هذه الأرقام من المعطيات الإدارية الرسمية للمركز، فإنها تضيف بعدا آخر إلى النقاش، خاصة في ظل إعلان المركز خلال أوت 2026 عن نتائج مناظرات لانتداب محللين ومهندسين، بما يعكس مواصلة تدعيم موارده البشرية المختصة.

ولا تقتصر إمكانيات المركز على العنصر البشري، بل تشمل أيضا بنية تقنية خاصة به، من بينها مراكز بيانات وخدمات إيواء للمواقع والمنصات، فضلا عن حلول رقمية ومنصات يعلن المركز عن تطويرها وفق حاجيات وزارة التربية ومؤسساتها.

وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كان القطاع الخاص قادرا على إنجاز منصة رقمية، بل لماذا تم اختيار القطاع الخاص تحديدا لإنجاز مشروع يبدو، من حيث طبيعته، متطابقا إلى حد كبير مع المهام التي أُنشئ المركز العمومي من أجل الاضطلاع بها؟

2.684 مليون دينار… ماذا تشمل؟

أما الكلفة المعلنة، والمقدرة بنحو 2.684 مليون دينار، فتحتاج بدورها إلى توضيحات دقيقة.

فهل يتعلق المبلغ بتطوير المنصة فقط؟ أم يشمل الصيانة والدعم الفني لعدة سنوات؟ وهل يتضمن الاستضافة والحماية السيبرنية؟ وماذا عن نقل البيانات من المنصة الحالية إلى المنصة الجديدة؟ وهل يشمل تطوير تطبيقات للهواتف، والتحديثات المستقبلية، وتكوين المستخدمين؟

هذه التفاصيل ضرورية لفهم القيمة الحقيقية للصفقة، إذ لا يمكن تقييم كلفة مشروع رقمي بمجرد مقارنة قيمته المالية بكلفة أجور موظفي المركز.

وفي المقابل، كلما تعلق الأمر بمنظومة رقمية دائمة تتعامل مع بيانات ملايين التلاميذ والأولياء والمدرسين، تصبح مسائل أخرى بالغة الأهمية، مثل ملكية الشفرة المصدرية، وحقوق الاستغلال، والصيانة المستقبلية، والقدرة على تطوير المنصة دون الارتهان الدائم إلى الجهة الخاصة المنجزة.

وماذا عن بيانات التلاميذ؟

الجانب الأكثر حساسية في المشروع يتعلق بالبيانات.

فمنصة الحياة المدرسية ستتعامل، بحكم طبيعتها، مع معطيات واسعة تتعلق بالتلاميذ والمؤسسات والمدرسين والأولياء، إضافة إلى المسارات الدراسية والنتائج والغيابات وغيرها من البيانات ذات الطابع الحساس.

ومن ثم، فإن أي إسناد خارجي لمشروع من هذا النوع يفرض طرح أسئلة واضحة: من يملك البيانات؟ أين ستخزن؟ من يستضيفها؟ من يملك حق الوصول إليها؟ ومن يملك المنصة وبرمجياتها بعد انتهاء العقد؟

كما تبرز ضرورة معرفة الالتزامات التعاقدية للشركة في ما يتعلق بحماية البيانات والأمن السيبرني واستمرارية الخدمة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل إعلان المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية، خلال جويلية 2026، عن طلب عروض يتعلق بإحداث مركز عمليات للأمن السيبرني بإدارة مشتركة، وهو ما يؤكد أن أمن البنية الرقمية لوزارة التربية لم يعد مسألة تقنية هامشية، بل أصبح جزءا من الأمن المؤسساتي والاستراتيجي للمنظومة التربوية.

ليست القضية ضد القطاع الخاص

المسألة، في النهاية، ليست معركة ضد الشركات الخاصة، ولا دعوة إلى إقصائها من المشاريع العمومية.
المطلوب هو الشفافية وتبرير الاختيارات.

فإذا كانت الوزارة قد لجأت إلى شركة خاصة لأنها تمتلك خبرة أو تقنية أو قدرة تنفيذية لا تتوفر لدى المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية، فمن الطبيعي أن تشرح ذلك للرأي العام، وأن تكون مبررات الاختيار واضحة في وثائق طلب العروض والعقد والدراسات الفنية.

أما أن توجد مؤسسة عمومية متخصصة في الرقمنة التربوية، وتضم مهندسين ومحللين وتقنيين، وتمتلك بنية تقنية وخبرة في تطوير المنصات، ثم يسند مشروع رقمي بهذا الحجم إلى شركة خاصة بكلفة تناهز 2.684 مليون دينار، فإن الأمر يستوجب على الأقل تفسيرا مؤسسيا واضحا.

أسئلة مشروعة تنتظر إجابات

المنصة الجديدة ليست مجرد موقع إلكتروني. إنها منظومة ستدخل مباشرة في الحياة اليومية للتلميذ والأسرة والمؤسسة التربوية، وستتعامل مع كم هائل من المعطيات.

لذلك، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف:
من فاز بالصفقة؟
ما شروط طلب العروض؟
ما الكلفة الدقيقة للمشروع؟
ما مدة العقد؟
هل تشمل الكلفة الصيانة والتحديثات والدعم الفني؟
لماذا لم يتولَّ المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية إنجاز المشروع؟
هل شارك المركز في إعداد المواصفات الفنية؟
من يملك البيانات والبرمجيات بعد انتهاء العقد؟
أين ستُستضاف بيانات التلاميذ؟
وما الضمانات المتعلقة بحمايتها وأمنها واستمرارية الخدمة؟
هذه الأسئلة لا تعني، في حد ذاتها، وجود تجاوزات، ولا تنتقص من كفاءة الشركة الخاصة التي قد تكون فازت بالصفقة وفق الإجراءات القانونية.
لكنها أسئلة مشروعة عندما يتعلق الأمر بإنفاق 2.684 مليون دينار من المال العام على منظومة رقمية تقع، بحسب المهام المعلنة للمركز الوطني للتكنولوجيات في التربية، في صميم اختصاص مؤسسة عمومية تابعة لوزارة التربية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم موجها إلى وزارة التربية: إذا كان المركز الوطني للتكنولوجيات في التربية غير قادر على إنجاز المنصة، فلماذا؟ وإذا كان قادرا على إنجازها، فلماذا تدفع الدولة ملايين الدنانير لشركة خاصة لإنجاز مشروع أنشأت أصلا مؤسسة عمومية كاملة، تضم مهندسين ومحللين وتقنيين وبنية تقنية، من أجل القيام بمثله؟

إنها ليست مسألة تقنية فحسب، بل سؤال في حوكمة المال العام، ونجاعة المؤسسات العمومية، واستقلال القرار الرقمي للدولة.

مقالات مشابهة

إرتفاع طفيف في مؤشرات البورصة

فريق النشر Echaab News

مجلة الشغل والاتفاقيات المشتركة : عندما يصبح الحوار الاجتماعي جزءاً من التشريع

فريق النشر Echaab News

«الستاغ» تحذّر من اضطرابات محتملة في الكهرباء بسبب موجة الحرارة

فريق النشر Echaab News