جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

مجلة الشغل والاتفاقيات المشتركة : عندما يصبح الحوار الاجتماعي جزءاً من التشريع

بقلم حاتم القهواجي – كلما طُرح موضوع تنقيح مجلة الشغل، يتم تقديم المسألة أحياناً وكأنها مجرد عملية تقنية تتعلق بتعديل بعض الفصول القانونية أو ملاءمة التشريع مع التحولات الاقتصادية الجديدة.

والحال أن المسألة أعمق بكثير من ذلك، لأنها تتعلق في جوهرها بالسؤال التالي: من يملك حق صياغة قواعد العلاقات المهنية في تونس؟

فمجلة الشغل، رغم أهميتها باعتبارها الإطار التشريعي العام لعلاقة الشغل، لم تكن يوماً النص الوحيد الذي شكّل قانون الشغل التونسي.

فقد تداخلت معها الاتفاقيات الدولية، والاتفاقية المشتركة الإطارية، والاتفاقيات المشتركة القطاعية، والأنظمة الأساسية، إلى جانب التراكم الناتج عن عقود من المفاوضة الجماعية والممارسة النقابية وهنا تبرز القيمة القانونية والاجتماعية للاتفاقيات المشتركة الإطارية.

الاتفاقية المشتركة ليست مجرد نص تكميلي

من منظور قانوني، تضع مجلة الشغل القواعد العامة والأساسية التي تحكم علاقات الشغل. لكن هذه القواعد تحتاج، حتى تكون قابلة للتطبيق وملائمة للواقع، إلى آليات تفصيل وتكييف تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات القطاعات والمهن والمؤسسات وهنا تتدخل الاتفاقيات المشتركة .

فالقاعدة التشريعية تحدد الإطار العام، بينما تتولى المفاوضة الجماعية صياغة قواعد أكثر تفصيلاً تتعلق بالأجور، والتصنيف المهني، والترقيات، والمنح، وساعات العمل، والحقوق النقابية، وظروف العمل وغيرها من المسائل التي يصعب على التشريع العام أن يستوعب كل تفاصيلها.

وبذلك أصبحت الاتفاقيات المشتركة، عبر التراكم التاريخي، جزءاً من البنية الفعلية لقانون الشغل التونسي.

فهي ليست مجرد امتيازات يمنحها المؤجر للعمال، ولا مجرد وثائق إدارية هامشية، وإنما هي نتيجة تفاوض بين أطراف العلاقة المهنية، وتعبير عن توازنات اجتماعية واقتصادية تم التوصل إليها عبر الحوار.

المفاوضة الجماعية تنتج بدورها “قانوناً مهنياً”

العمل النقابي لا يقتصر على الدفاع عن المطالب الاجتماعية بالمعنى الضيق.

المفاوضة الجماعية تنتج قواعد تنظم الحياة المهنية اليومية، وتضبط الحقوق والواجبات، وتفسر كيفية تطبيق المبادئ العامة التي يضعها القانون.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الاتفاقيات المشتركة ساهمت عبر عقود في إنتاج ما يمكن تسميته “القانون المهني التفاوضي”.

وهذا القانون لا يأتي من فراغ، بل هو حصيلة صراع اجتماعي وتفاوض وتنازلات متبادلة، ولذلك فهو أكثر قدرة على التكيف مع خصوصيات كل قطاع من التشريع العام.

فلا يمكن مثلاً أن تكون خصوصيات قطاع البنوك هي نفسها خصوصيات النقل أو الصحة أو السياحة أو الصناعات الغذائية أو النسيج أو المناجم.

ولهذا السبب، فإن إضعاف المفاوضة الجماعية لا يعني فقط إضعاف الدور النقابي، وإنما قد يؤدي أيضاً إلى إفقار المنظومة القانونية نفسها.

من هنا تبدأ الإشكالية الحالية

إذا كانت مجلة الشغل تمثل الإطار التشريعي العام، وكانت الاتفاقيات المشتركة تمثل إحدى أهم آليات تفصيل هذا الإطار وتطويره، فإن تنقيح مجلة الشغل دون حوار اجتماعي حقيقي يطرح إشكالاً قانونياً ونقابياً وسياسياً يتجاوز مجرد العلاقة بين الحكومة والاتحاد.

السؤال الحقيقي ليس: هل يجوز قانوناً تنقيح مجلة الشغل؟ فالجواب واضح: التشريع قابل للتعديل والتطوير.

لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمكن إصلاح قانون ينظم علاقة اجتماعية مركبة بمعزل عن الأطراف التي ستتولى تطبيقه وتعيش نتائجه يومياً؟

هنا تصبح المسألة مرتبطة بمبدأ الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية، وليس فقط بالمسار الإجرائي لإصدار القانون.

التشريع من فوق أم التشريع بالتفاوض؟

هناك فرق جوهري بين أن تقوم الدولة بإعداد مشروع لتنقيح مجلة الشغل ثم تعرضه على الأطراف الاجتماعية للاستماع إلى ملاحظاتها، وبين أن يكون الإصلاح منذ بدايته نتاج حوار اجتماعي حقيقي.

في الحالة الأولى، تكون المشاركة شكلية: مشروع جاهز، ثم تأتي المشاورات بعد ذلك.

أما في الحالة الثانية، فإن الأطراف الاجتماعية تكون شريكاً في تحديد المشكلات، وتشخيص الاختلالات، واقتراح البدائل، وصياغة الحلول وهذا هو جوهر الحوار الاجتماعي.

فالحوار الحقيقي لا يعني أن تتفق الأطراف دائماً، بل يعني أن يكون الاختلاف نفسه مؤسسياً ومنظماً وقائماً على التفاوض.

الخطر الأكبر: فكّ العلاقة بين مجلة الشغل والاتفاقيات المشتركة

من الناحية النقابية، فإن أخطر ما يمكن أن ينتج عن تنقيح مجلة الشغل خارج الحوار الاجتماعي هو خلق فجوة بين التشريع الجديد وبين منظومة الاتفاقيات المشتركة القائمة.

فقد تكون هناك مئات الأحكام والحقوق المهنية المتراكمة عبر عقود من التفاوض الجماعي.

وأي تعديل جوهري في مجلة الشغل يجب أن يدرس بالضرورة انعكاساته على هذه المنظومة.

لأنك عندما تغير القاعدة القانونية الأساسية، فإنك لا تغير فقط نصاً في مجلة الشغل، وإنما يمكن أن تغير السياق القانوني الذي تتحرك داخله الاتفاقيات المشتركة والمفاوضة الجماعية.

وهنا تبرز مسؤولية المشرّع: ليس فقط أن يسن قانوناً جديداً، وإنما أن يضمن انسجامه مع بقية المنظومة القانونية والاجتماعية.

النقابة ليست “طرفاً خارجياً” في قانون الشغل

من أكثر الاختزالات خطورة النظر إلى المنظمة النقابية وكأنها مجرد طرف يحتج على مشاريع الحكومة.

النقابة في مجال علاقات الشغل هي طرف أصيل في المفاوضة الجماعية، وهي إحدى المؤسسات الاجتماعية التي ساهمت تاريخياً في بناء منظومة الحقوق المهنية.

ولهذا فإن إقصاءها من نقاش يتعلق مباشرة بمستقبل مجلة الشغل لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي أو تنظيمي.

إنه يطرح سؤالاً حول مفهوم الشراكة الاجتماعية ذاتها.

كما أن أصحاب العمل ليسوا مجرد متلقين للقانون، بل هم أيضاً طرف أساسي في المفاوضة الجماعية.

وبالتالي فإن الإصلاح الحقيقي لمجلة الشغل يفترض منطقاً ثلاثياً:

 الدولة + العمال + أصحاب العمل وهذا هو المنطق الذي يجعل الحوار الاجتماعي أداة للاستقرار وليس عائقاً أمام الإصلاح.

 الإصلاح الحقيقي لا يخاف من الحوار

قد يقول البعض إن الحوار الاجتماعي يعطل الإصلاح ويطيل آجاله.

لكن التجارب الاجتماعية تثبت أن القانون الذي يمر بسرعة دون توافق قد يحتاج لاحقاً إلى سنوات من التعديلات والنزاعات والتأويلات والاحتجاجات حتى يستقر.

أما القانون الذي يمر عبر حوار حقيقي، حتى وإن استغرق وقتاً أطول، فإنه يكون أكثر قابلية للتطبيق وأكثر شرعية من الناحية الاجتماعية.

الإصلاح ليس في حد ذاته المشكلة.

المشكلة هي إصلاح منظومة العلاقات المهنية دون إشراك الأطراف التي ستعيش هذا الإصلاح.

تونس لا تحتاج إلى إلغاء التفاوض بل إلى تطويره

إذا كانت مجلة الشغل تحتاج فعلاً إلى مراجعة لمواكبة الاقتصاد الرقمي، وأشكال العمل الجديدة، والتحولات الاقتصادية، وتطور المؤسسات، ومقاومة التشغيل الهش، فإن المطلوب ليس العودة إلى الوراء.

المطلوب هو تطوير التشريع بمشاركة الأطراف الاجتماعية.

بل إن التحولات الجديدة تفرض حواراً أوسع من السابق حول مستقبل العمل: العمل عن بعد، الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، المهن الجديدة، حماية المعطيات، التشغيل عبر المنصات، المرونة، الأجر العادل، الأمن المهني والاجتماعي وغيرها.

وهذه الملفات لا يمكن أن تعالج فقط بمنطق تشريعي فوقي.

الخلاصة: المسألة ليست مجلة الشغل فقط

إن النقاش حول تنقيح مجلة الشغل يجب أن يتحول من سؤال تقني حول تعديل بعض الفصول إلى نقاش أعمق حول النموذج الاجتماعي التونسي.

هل نريد قانون شغل تصنعه الدولة وحدها؟

أم نريد قانون شغل تتفاعل في صياغته الدولة مع المنظمات النقابية ومنظمات أصحاب العمل، وتستند فيه التشريعات إلى المفاوضة الجماعية والتوافق الاجتماعي؟

إن الاتفاقية المشتركة الإطارية والاتفاقيات القطاعية ليستا مجرد ملاحق لمجلة الشغل، بل هما جزء من الذاكرة القانونية والاجتماعية للمجتمع التونسي، ونتاج عقود من النضال والتفاوض والتراكم.

لذلك فإن إصلاح مجلة الشغل لا ينبغي أن يكون قطيعة مع هذا التراكم، وإنما يجب أن يكون امتداداً له وتطويراً له.

والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب في هذا النقاش هي:

لا يمكن بناء قانون شغل جديد بإقصاء من سيطبقه، ولا يمكن تحقيق الاستقرار المهني بإلغاء الحوار الذي يصنع هذا الاستقرار.

فالحوار الاجتماعي ليس منّة من الحكومة على النقابات، وليس امتيازاً للنقابيين، وإنما هو آلية من آليات إنتاج القاعدة الاجتماعية وضمان قابليتها للتطبيق والاستقرار.

وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على تمرير القوانين دون حوار، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف، وبناء التوافق، وتحويل الصراع الاجتماعي من مصدر للتوتر إلى آلية لإنتاج الحلول.

وهذا هو المعنى الحقيقي للإصلاح أن نُغيّر القانون دون أن نهدم التوازن الاجتماعي الذي جعله قابلاً للحياة.

مقالات مشابهة

عام على دراسة الهجرة التونسية إلى فرنسا : ماذا فعلنا بالأرقام ؟

فريق النشر Echaab News

فاجعة بنقردان : ماذا تكشف الهجرة غير النظامية عن أزمة الأفق في تونس؟

فريق النشر Echaab News

عندما تنفرد الإدارة بكل الملفات، يصبح الحديث عن الحوكمة والشفافية مجرد شعار

فريق النشر