لشعب نيوز/ الهادي راشذ حشوش – في قلب اللحظة الاستهلاكية المكثّفة التي ترافق كل عودة مدرسية، تتسلل “غزوة التسويق” بدهاء لتطمس الحد الفاصل بين ما هو بيداغوجي تعليمي بحت وما هو استهلاكي مظهري. فالأدوات هي أساسا مجرد وسيلة تُيسّر فعل التعلّم وتحصيل المعارف، لكن المعادلة انقلبت منذ سنوات إذ أضحت الأداة في حد ذاتها غاية وموضوعاً للمفاخرة والتميّز (distinction).
تعتمد الشركات الاستراتيجية التسويقية الموجهة للأطفال عبر استغلال ثغراتهم النفسية والإدراكية كالتوظيف المكثف لـ”عامل الإلحاح” (nag factor): تتجاوز الإعلانات الأسر (المسؤولة على فعل الشراء) لتستهدف الأطفال مباشرة (أي المستهلك)، خالقة حالة من الضغط المتكرر و الدائم أحيانا الذي يؤدي في النهاية إلى إنهاك مقاومة الوالدين وتوجيه قرار الشراء.
ارتباط عاطفي سريع بالمنتج
كما يلعب “الامتياز” التجاري (franchise) دوراً محورياً عبر ربط الأدوات المدرسية بشخصيات الكرتون والسينما والفرق الرياضية الشهيرة، مما يخلق ارتباطاً عاطفياً سريعاً بالمنتج خاصة مع غلافَات وعلب تثير دفعات الدوبامين لدى الطفل، فضلاً عن إقحام المحفزات الحسية (صوت الومضات، ألوان جذابة، أشكال مطاطية) التي تُحول الأدوات التعليمية من مجرد وسيلة وظائفية إلى لعبة ترفيهية. وتكتمل هذه الحلقة عبر منظومة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث توثق الدراسات النفسية والسلوكية أن الأطفال يتأثرون بشدة بمقاطع “فتح العلب” (unboxing) وفيديوهات “مشتريات العودة المدرسية” (Back to School) على تيك توك وإنستغرام وفايسبوك، والتي تقدمها شبكات “المؤثرين الصغار” (kidfluencers) الذين يتعامل معهم الطفل كأصدقاء موثوقين لا كمروجين تجاريين خالصي الأجر، مما يجعل امتلاك نمط بصري معين شرطاً ومهماً للقبول الاجتماعي بين زملائه.
غرس “المادية المبكرة” في نفوس الناشئة
علمياً، تشير الأبحاث السلوكية حول الإعلانات الموجهة للأطفال إلى أنه رغم بدء إدراك الأطفال فوق سن العاشرة للطبيعة الإقناعية للإعلام وتراجع نسبة تصديقهم المطلق للإعلانات إلى نحو 25% فقط، إلا أن المقارنة المستمرة بين ما يعرِضه الإعلان وبين واقع الحياة اليومية تؤدي في الغالب إلى حالة شمولية من عدم الرضا والجحود النفسي لدى الطفل. وينعكس هذا الضغط النفسي مباشرة على ميزانية العائلات، حيث ترتفع أسعار المستلزمات ذات العلامات التجارية والشخصيات الشهيرة إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف سعر المنتج العادي المماثل له في الجودة، مما يجعل العديد من الأسر يخضعون للضغط العاطفي ويسجّلون تجاوزات كبيرة في ميزانياتهم المحدودة. والأخطر من كل ذلك هو غرس “المادية المبكرة” في نفوس الناشئة، وتثبيت عادات وأنماط استهلاكية تقدر قيمة الطفل الذاتية بما يمتلكه من سلع ومظاهر.
بماذا يُقاس الاستحقاق المدرسي؟
إن فرض علامات تجارية بعينها أو مجاراة هذه الحمّى التي امتدت من المدارس الخاصة إلى أروقة المدرسة العمومية، يجرّد الفعل التربوي في تونس من أدبياته القائمة على البساطة وتكافؤ الفرص، ويستبدل الروح التعليمية والثقافية بـ”فيتيشية سلعوية” (fétichisme de la marchandise)، حيث يُقاس الاستحقاق المدرسي بنوعية الغلاف وسعر المحفظة لا بالفضول والشغف بالمعرفة وحب الإطلاع.
وهنا لا يعود الأمر مجرد مسؤولية الأسرة في حسن الاختيار أو ترشيد الإنفاق، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور الدولة في حماية الطفل والأسرة من هذا الضغط الاستهلاكي وتنظيم السوق المدرسية. فكيف يمكن إعادة الاعتبار للبعد التربوي للوازم المدرسية، وضمان أن تكون الحاجة التعليمية هي التي تحدد الكلفة، لا منطق السوق والتسويق؟
(يتبع)
