الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش – بعد الثورة، لم تغب نوايا اصلاح التعليم: الكتاب الأبيض (ناجي جلول 2016)، المخطط الجهوي للقطاع (حاتم بن سالم 2017)، الإستراتيجيا الوطنية للتربية (السلاوتي ثم البوغديري 2020ـ2025) ، ثم دسترة المجلس الأعلى للتربية والتعليم في 2014 وإعادة التنصيص عليه في دستور 2022. كما تعاقبت مشاريع وشعارات من «مدرسة الغد» إلى “شهر المدرسة”.
غير أن كثرة المبادرات لا تقاس بعدد الوثائق واللجان، بل بقدرتها على تغيير واقع المدرسة: بنيتها التحتية، جودة التعلم، ظروف عمل المدرس، وتكافؤ الفرص ويجب الإقرار أن الحصيلة كانت شبه صفرية حتى نبتعد عن وصم العدمية.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: المسألة ليست في وجود تعليم خاص في حد ذاته، بل في أن تصبح القدرة على التمتع بتعليم أفضل، أو أكثر استقرارًا، أو أكثر خدمات، عاملًا متزايد التأثير في تحديد مستقبل الطفل. عندها لا يعود التعليم الخاص مجرد إضافة إلى المدرسة العمومية، بل جزءًا من إعادة توزيع فرص التعليم داخل المجتمع. لكن حين يصبح الوصول إلى تعليم أفضل مرتبطًا عضويا بالقدرة الشرائية للأسرة، فإن السؤال يصبح أعمق: ماذا يحدث للمجتمع عندما تتحول المدرسة من أداة لتقليص الفوارق الاجتماعية إلى فضاء يعيد إنتاجها بل تعميقها أحيانا؟ من هنا ننتقل من سؤال اقتصاد التعليم إلى سؤال اجتماع التعليم: من مدرسة الاستقلال التي وعدت بالمصعد الاجتماعي، إلى مدرسة قد تصبح، تدريجيًا، إحدى آليات التميز ومعاقله.
لا (تشتري)المعرفة وحدها؛ بل تقتني دربة متعددة الأبعاد
إذا قرأنا انتشار التعليم الخاص في تونس قراءة اجتماعية طبقية صرفة، فإننا نكتشف أن الأسرة لا تشتري من المدرسة الخاصة ساعات تدريس أفضل و أكثر أو تجهيزات حديثة فحسب، بل تحول رأس مالها الاقتصادي (كلفة التمدرس سنويا) إلى أشكال أخرى من رأس المال يمكن توريثها للأبناء: رأس مال ثقافي (لغات، معارف، مهارات..)، رأس مال اجتماعي (حظوظ اكبر في في سوق الشغل، علاقات)، وخاصة رأس مال رمزي (عادات، اذواق، لكنة نطق، هوايات،..). فالمدرسة هنا ليست مجرد فضاء للتعلم، وإنما فضاء لإنتاج وإعادة إنتاج “سجيعة” معينة (habitus) من اللغة والذوق والسلوك والعلاقات والشبكات الاجتماعية.
ثقافيا، لا تشتري الأسرة القادرة على تحمل كلفة تعليم ثلاثي أو حتى رباعي اللغة، وأنشطة موازية خلال اليوم الدراسي وفي الفضاء المدرسي أو على تخومه، ولبيئة مدرسية أكثر انفتاحًا على السفر والتكنولوجيا والكتب والموسيقى والسينما والمسرح وحتى الصحافة، لا (تشتري)المعرفة وحدها؛ بل تقتني دربة متعددة الأبعاد ستصبح جزءًا من شخصية الطفل ومن طريقته في الكلام والتفكير والتعامل مع المؤسسات والآخرين. وهذا بالضبط ما يجعل الفوارق في الحقل الاجتماعي قابلة للتحول إلى فوارق تبدو، لاحقًا ودون تأصيل، وكأنها فروق في الكفاءة والجدارة. وتؤكد المقارنات الدولية أن التفوق الظاهر للتلاميذ في المدارس الخاصة يرتبط بدرجة كبيرة بكونهم ينحدرون منذ البداية من أوساط اجتماعية أكثر حظًا، وأن هذا التفوق يتراجع أو يختفي عند احتساب الخلفية الاجتماعية والاقتصادية.
الرسوم والانتقاء يمكن أن يدفعا نحو مزيد من الفرز

ثم نجد رأس المال الاجتماعي. فالمدرسة الخاصة لا تجمع التلميذ بزملاء القسم فقط، بل (قد) تجمعه منذ نعومة أظافره بأبناء عائلات تمتلك بدورها موارد مادية مهمة. تتشكل صداقات وعلاقات ومعارف قد تستمر إلى الجامعة ثم إلى الحياة المهنية. يصبح السؤال إذن ليس فقط: ماذا راكمت من معارف؟ وإنما أيضًا: مع من درست ولعبت كرة القدم وعزفت البيانو وسافرت لمخيم الانجليزية بلندن؟ وفي أي فضاء اجتماعي نشأت؟ وهنا تتحول المدرسة إلى أحد مصانع “الـتقوقع الإجتماعي ” (Entre-soi)؛ أي ذلك الانتماء المغلق نسبيًا إلى الوسط نفسه. والدراسات المقارنة حول اختيار المدارس تؤكد بالفعل أن الرسوم والانتقاء يمكن أن يدفعا نحو مزيد من الفرز الاجتماعي بين المؤسسات.
كذلك، نجد التميز (distinction): فالمدرسة تصبح علامة اجتماعية بحد ذاتها: اسم المؤسسة، لغتها، هندستها المعمارية، هندامها الموحد، شخصية وكاريزما صاحبها أو صاحبتها و باقة الأنشطة التي توفرها. وبذلك يصبح الانتماء إلى مدرسة معينة شبيهًا بارتداء يافطة تخبر الآخرين: نحن ننتمي إلى هذه المجموعة أي يتحول التعليم تدريجيًا من وسيلة للحصول على المعارف إلى وسيلة أيضًا للتموقع الاجتماعي. وهنا تكتسب اللغة أهمية خاصة. لا مشكل إطلاقًا في أن يتعلم الطفل الفرنسية أو الإنجليزية منذ الصغر ويجيدها بطلاقة، بل إن امتلاك لغات متعددة يمكن أن يكون رصيدًا حقيقيًا في عالم معولم ومفتوح كعالمنا. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول اللغة الأجنبية من أداة معرفة وتواصل إلى رأس مال رمزي يميز طبقة عن أخرى. وفي بعض المدارس الدولية، يصبح حضور العربية محدودًا مقارنة بحضور اللغات الأجنبية، فينشأ الطفل في فضاء لغوي وثقافي مختلف جذريًا عن الفضاء العام الذي يعيش فيه أغلب أبناء المجتمع و الّذي يصطدم به إبان مغادرة جدار المدرسة الخارجي. بذلك، أصبح إتقان لغة معينة، أو حتى لكنة نطقها، علامة على المكانة الاجتماعية، وأن يشعر الطفل القادم من مدرسة عمومية عربية اللسان بأنه أقل قدرة أو أقل انتماء إلى ذلك العالم
التعليم الخاص لم يعد حكرًا على الموفورين ماديا
هنا يتمظهر العنف الرمزي: لا تحتاج الفوارق الاجتماعية إلى أن تُفرض بالقوة حتى تصبح فعّالة؛ يكفي أن تتحول إلى لغة وذوق وسلوك وثقة بالنفس وشبكات وعادات يومية وتحقيرا لذوق الآخرين (كاحتقار استعمال العربية كتابة ولسانا ومطالعة مثلا)، ثم تبدو في النهاية وكأنها فروق طبيعية في «الاستحقاق» و«القدرة».

لكن المفارقة الأكثر أهمية أن هذا النموذج بدأ يتجاوز حدوده الأصلية. فالتعليم الخاص لم يعد حكرًا على الموفورين ماديا. تدهور المدرسة العمومية دفع أيضًا عائلات من الطبقة الوسطى، بل ومن الفئات المتواضعة ماديا، إلى بذل ما تستطيع: الاقتراض، التداين، العمل الإضافي، التضحية بمصاريف أخرى، أو تقليص استهلاك الأسرة، فقط حتى تمنح أبناءها فرصة يعتقد الأولياء أن المدرسة العمومية لم تعد قادرة على توفيرها. في نهاية الامر، كلما أصبح التعليم الخاص متاحًا لعدد أكبر من الأسر، فقد جزءًا من قدرته على أداء وظيفة التميّز. فإذا ولجته الطبقة الوسطى بحثًا عن تعليم أفضل، تبدأ العائلات الأكثر ثراءً في البحث عن درجة أعلى من التميّز: مدرسة أغلى، برنامج أجنبي أكثر حصرية، لغة إضافية، مؤسسة دولية أو فضاء اجتماعي أكثر انتقائية. ثم تلتحق بها فئة أخرى، فيرتفع السقف من جديد، وتظهر طبقة جديدة من المدارس والخدمات الأكثر كلفة. وهكذا ندخل في حلقة لا تكاد تنتهي من إعادة إنتاج الفوارق: المال يشتري تعليمًا مختلفًا؛ التعليم المختلف يولد رأس مال ثقافيًا واجتماعيًا ورمزيًا؛ هذا الرأس مال يرفع فرص الطفل في الحياة؛ ومع دمقرطة النموذج، يبحث أصحاب الموارد الأكبر عن شكل جديد من أشكال التميز؛ فيرتفع سعر «الاختلاف» من جديد. ولا يعود التعليم مجرد وسيلة للصعود الاجتماعي، بل وسيلة لمنع الآخرين من الصعود إلى المكان نفسه.
ماذا يبقى من المدرسة باعتبارها «مصعدًا اجتماعيًا»؟
وهنا نعود إلى مدرسة الاستقلال، إلى مدرسة محمود المسعدي، وإلى الفكرة البسيطة التي قامت عليها: أن يجلس ابن الفقير وابن الموظف وابن التاجر وإبن الحرفي بين جدران القسم نفسه، أمام المدرس نفسه، متصفحين نفس الكتاب وخاطّين نفس الكراس، وأن يكون مستقبلهما مفتوحًا، ولو نظريًا، أمام السلم الاجتماعي نفسه.
لم تكن تلك المدرسة مثالية، ولم تكن المساواة التي وعدت بها كاملة. لكنها كانت تؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز التعليم: تمنع الموقع الذي يولد فيه الطفل من أن يتحول تلقائيًا وباستثناءات قليلة إلى الموقع الذي سينتهي إليه.
أما الخطر اليوم فهو أن تتحول المدرسة، تدريجيًا، من مؤسسة تقلص أثر الفوارق الاجتماعية إلى مؤسسة تترجم هذه الفوارق إلى لغات وثقافات وشبكات وشهادات ورموز وعادات، ثم تعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل.
لذلك، يصبح السؤال الحقيقي أبعد من ثنائية التعليم الخاص أو العمومي المانوية: إذا أصبحت المدرسة العمومية عاجزة عن ضمان تكافؤ حقيقي في جودة التعليم، وأصبح التعليم الخاص قادرًا على شراء فوارق إضافية بالمال لمن يستطيع إليها سبيلا ، فماذا يبقى من المدرسة باعتبارها «مصعدًا اجتماعيًا»؟ وهل نريد تعليمًا خاصًا يكمل المدرسة العمومية ويمنح الأسر خيارات إضافية، أم أننا نسير، من دون أن ننتبه أو نشعر، نحو منظومة يصبح فيها مستقبل الطفل مرتبطًا أكثر فأكثر بالموقع الاقتصادي والاجتماعي الذي ولد فيه.
- انتهى
- يمكن قراءة المقال كاملا في عدد الشعب الورقية بتاريخ 10 سبتمبر 2026 او على صفحة الكاتب.
