جريدة الشعب نيوز
وطني

القيروان والنقاط السوداء : هل نحن أمام عجز حقيقي في منظومة النظافة ؟

في القيروان، لم تعد النقاط السوداء في الأحياء ومداخل المدن مجرد مشاهد عابرة تستدعي حملة نظافة ظرفية، بل أصبحت ظاهرة تتكرر كلما تراكمت الفضلات، ثم تختفي مؤقتا بعد تدخل استثنائي لتعود من جديد.

وفي 17 أوت 2026، انعقدت بولاية القيروان جلسة عمل لمتابعة الوضع البيئي بالمناطق البلدية، وتم خلالها التأكيد على القضاء الفوري على النقاط السوداء داخل الأحياء ومداخل المدن في غضون ثلاثة أيام، وإعادة تنظيم خدمات الجمع والصيانة، وتعزيز الرقابة وتفعيل الاتفاقيات مع المحلات المفتوحة للعموم، إلى جانب برمجة حملة نظافة استثنائية كبرى من 21 إلى 25 أوت بمشاركة مختلف البلديات.

قد يكون التدخل الاستثنائي ضروريا عندما تتراكم الفضلات، وقد تكون الحملات الكبرى مطلوبة في مناسبات تشهد ضغطا استثنائيا على المدينة، مثل الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف.

لكن تكرار اللجوء إلى هذا النوع من التدخلات يطرح سؤالا يتجاوز رفع الفضلات نفسها: هل نحن أمام مشكلة نقاط سوداء، أم أمام منظومة لا تزال تتحرك بعد ظهور المشكلة أكثر مما تعمل على منعها؟

هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدا من مجرد البحث عن الجهة المقصرة: هل تعاني القيروان من سوء تصرف في منظومة النظافة، أم أن البلديات مطالبة بأداء خدمة تفوق الإمكانيات الموضوعة على ذمتها؟

المعطيات الوطنية تكشف حجم الضغط الذي تعمل تحته منظومة النظافة البلدية. ففي أكتوبر 2025، تحدثت معطيات رسمية عن جمع لا يتجاوز 79 بالمائة من النفايات، بما يعادل في ذلك الوقت نحو 10,367 طنا يوميا، بينما لم يتجاوز عدد أعوان النظافة البلديين 10,597 عونا، أي بمعدل يقارب 0.9 عون لكل ألف ساكن.

كما بلغ أسطول معدات النظافة 3,422 مركبة، مع التأكيد على أن هذا العدد، رغم ارتفاعه في السنوات الأخيرة، لا يغطي كامل الحاجيات.

هذه الأرقام لا تفسر وحدها وضع القيروان، لكنها تمنعنا من التعامل مع كل نقطة سوداء باعتبارها دليلا تلقائيا على فشل البلدية في أداء واجبها.

عندما تكون منظومة وطنية بأكملها تعاني نقصا في الموارد البشرية والتجهيزات، يصبح من المشروع أن نسأل: ما الذي يمكن أن تنجزه البلدية فعلا بالإمكانيات الموجودة لديها؟

فالبلدية التي تعاني نقصا في الأعوان والسائقين، أو من أعطاب متكررة في المعدات، أو من محدودية وسائل الصيانة وقطع الغيار، لا يمكن أن تقدم بالضرورة الخدمة نفسها التي تقدمها بلدية تتوفر على موارد أكبر.

لكن الوجه الآخر للمشكلة لا يقل أهمية: نقص الإمكانيات لا يمكن أن يتحول إلى بطاقة إعفاء دائمة من المسؤولية. فالنظافة ليست شاحنات وأعوانا فقط، وإنما هي أيضا تنظيم لمسارات الجمع، وضبط للتوقيت، وتوزيع للموارد، ومراقبة للنقاط التي تتكرر فيها عمليات الإلقاء، وتنسيق مع الأسواق والمؤسسات التجارية، وتدخل سريع قبل أن تتحول الفضلات إلى نقطة سوداء.

واللافت أن جلسة 17 أوت نفسها لم تكتف بالدعوة إلى رفع الفضلات، بل نصت على إعادة تنظيم خدمات الجمع والصيانة، وتعزيز الرقابة وتطبيق القانون.

وهذا يعني أن جزءا من الحل يرتبط حتما بكيفية إدارة الموارد المتاحة، لا بحجمها فقط. كما أن جلسة أخرى انعقدت في 4 أوت بالقيروان تضمنت إعداد خريطة محينة للنقاط السوداء والمصبات العشوائية، ووضع برنامج زمني للتدخلات اليومية، وإعادة هيكلة مسارات رفع الفضلات، وتكثيف كنس الشوارع، مع إحداث خلية للمتابعة.

وهنا تحديدا ينبغي أن تنتقل المسألة من منطق الحملات إلى منطق الإدارة.

فإذا كانت البلدية تعرف أين توجد النقاط السوداء، ومتى تتكرر، وما حجم الفضلات التي تنتج عنها، وما الموارد التي تحتاجها لمعالجتها، فإن السؤال يصبح قابلا للقياس: هل الموارد غير كافية فعلا، أم أن توزيعها واستعمالها يحتاج إلى مراجعة؟

لكن تحميل البلديات وحدها مسؤولية المشهد سيكون بدوره تبسيطا للمشكلة. فالنظافة جزء من منظومة بيئية أوسع، وتوزيع الموارد داخل هذه المنظومة يكشف بدوره عن خيارات الدولة.

ففي مشروع ميزانية الدولة لسنة 2026، قدرت ميزانية مهمة البيئة بنحو 500 مليون دينار، مقابل 465 مليون دينار سنة 2025، أي بزيادة تقارب 10 بالمائة. وأوضح وزير البيئة أن حوالي 90 بالمائة من ميزانية الوزارة موجهة إلى الديوان الوطني للتطهير.

وهنا يجب التمييز بين أمرين غالبا ما يختلطان في النقاش العام: ارتفاع ميزانية وزارة البيئة لا يعني أن البلديات حصلت تلقائيا على موارد إضافية مخصصة لجمع النفايات. بل إن الوزير أوضح لاحقا أن نحو 90 بالمائة من ميزانية الوزارة للفترة 2026–2027 موجهة إلى مشاريع مرتبطة بالتطهير.

وهذا لا يقلل من أهمية الاستثمار في التطهير، لكنه يطرح سؤالا آخر: أين يقع التصرف في النفايات المنزلية وجمعها ورفعها داخل هذه المنظومة التمويلية؟ وما هي الموارد التي تصل فعليا إلى البلديات حتى تستطيع أن تؤمن خدمة يومية ومنتظمة؟

فالمواطن يرى الحاوية الممتلئة والشاحنة المتأخرة والنقطة السوداء، لكنه لا يرى بالضرورة شبكة الاختصاصات والتمويلات والتجهيزات التي تقف خلف هذه الخدمة.

وعندما تطلب من البلدية نتيجة محددة، فإن مساءلتها تصبح عادلة فقط إذا كانت شروط تحقيق هذه النتيجة واضحة، وكانت الموارد الموضوعة على ذمتها متناسبة مع حجم المهمة.

وتكشف القيروان نفسها عن هذا التداخل بين الحاجة إلى التدخل العاجل والحلول بعيدة المدى. ففي ماي 2026، أعلن وزير البيئة عن اقتراح نحو 46 مشروعا بيئيا لفائدة الولاية ضمن مخطط التنمية 2026–2030، على أن تعطى الأولوية للمشاريع التي استكملت دراساتها وأن ينطلق تنفيذ عدد منها خلال 2027 و2028.

وتشمل المشاريع مجالات بيئية مختلفة، من بينها التطهير والمساحات الخضراء، إلى جانب مشاريع أخرى في المجال البيئي.

لكن المشاريع المبرمجة للسنوات المقبلة لا تجيب وحدها عن سؤال اليوم.

فالمشروع الذي سينطلق في 2027 لا يرفع الفضلات المتراكمة في حي اليوم، ولا يصلح شاحنة معطلة، ولا يوفر عونا غائبا عن مسار الجمع. لذلك فإن الاستثمار طويل المدى ضروري، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن معالجة الاختلالات اليومية.

بل إن ما حدث بعد احتفالات المولد النبوي الشريف يقدم مثالا آخر على حجم الضغط الذي يمكن أن تتحمله المدينة. فقد تم تخصيص اعتمادات إضافية لفائدة بلدية القيروان بقيمة 1.162 مليون دينار من صندوق حماية المناطق السياحية لدعم تدخلاتها في النظافة والعناية بالمحيط، بالتزامن مع كثافة الزوار والنشاط السياحي خلال المناسبة.

هذه الاعتمادات مهمة لأنها تساعد البلدية على مواجهة ضغط استثنائي، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا أعمق: هل تستطيع منظومة النظافة أن تعمل بكفاءة في الأيام العادية، أم أنها تحتاج باستمرار إلى موارد استثنائية كلما ارتفع الضغط على المدينة؟

لهذا لا يبدو منطقيا الاختيار بين روايتين جاهزتين: رواية تحمل البلديات كل المسؤولية، وأخرى تعفيها منها بالكامل. العجز اللوجستي يمكن أن يكون حقيقيا، وسوء التصرف يمكن أن يكون موجودا في الوقت نفسه، ولا يلغي أحدهما الآخر. بل إن نقص الموارد يجعل حسن التصرف فيها أكثر أهمية، بينما يجعل سوء التنظيم أكثر كلفة عندما تكون الموارد محدودة أصلا.

ولهذا فإن الخطوة الجدية لا تبدأ بالضرورة بحملة نظافة جديدة، وإنما بتشخيص حقيقي لكل بلدية: كم عدد الشاحنات العاملة فعلا؟ كم عدد المعطلة؟ كم عدد الأعوان والسائقين المتوفرين؟ ما عدد الحاويات؟ ما مسارات الجمع؟ كم مرة يتم رفع الفضلات من كل منطقة؟ أين تتكرر النقاط السوداء؟ وكم من الوقت تحتاج النقطة التي تم تنظيفها حتى تعود إليها الفضلات؟

الأهم من ذلك كله: لماذا تعود النقطة السوداء بعد رفعها؟

إذا أظهر التشخيص أن المعدات والأعوان والموارد موجودة، لكن توزيعها أو استغلالها أو مراقبتها غير ناجع، فإن المسؤولية الإدارية تصبح واضحة.

أما إذا أثبت أن البلدية تعمل فعلا بأقل من حاجياتها البشرية واللوجستية، فإن الحل لا يكون بإصدار تعليمات جديدة تطالبها بنتائج أكبر، وإنما بتوفير الوسائل التي تمكنها من تحقيق تلك النتائج.

وفي هذه الحالة تصبح المشاريع البيئية المبرمجة للقيروان فرصة لبناء منظومة أكثر استدامة، لا مجرد قائمة مشاريع جديدة.

المطلوب ليس فقط رفع الفضلات، بل تطوير البنية التحتية للتصرف فيها، ودعم مراكز التحويل، وتشجيع التثمين والرسكلة، وتحسين القدرات اللوجستية للبلديات، وربط التمويل بالنتائج القابلة للقياس.

ويبقى المواطن جزءا من المعادلة. فالمرفق العمومي مطالب بتوفير خدمة منتظمة، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الأفراد والمؤسسات التجارية عن الإلقاء العشوائي للفضلات ومخلفات البناء.

وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المواطن بالانضباط إذا كانت خدمة الجمع غير منتظمة أو إذا غابت الحاويات أو تأخر رفع الفضلات. المسؤولية هنا متبادلة، لكن توزيعها يجب أن يكون واضحا، لا أن يتحول المواطن أو البلدية إلى الحلقة الأسهل في سلسلة أطول من الاختصاصات والقرارات.

القيروان، في النهاية، لا تحتاج إلى أن تقيس نجاح منظومة النظافة بعدد الحملات التي تنظمها، ولا بعدد الصور التي توثق رفع الفضلات.

النجاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الحملة الاستثنائية استثناء فعلا، لا الآلية التي تعود إليها المدينة كلما ظهرت الأزمة.

فالمشكلة ليست فقط أن الفضلات تتراكم، وإنما أن المنظومة لا تزال في كثير من الأحيان تتحرك بعد ظهور الأزمة بدل أن تمنعها.

وبين نقص الإمكانيات وحسن التصرف، وبين مسؤولية البلدية ودور الدولة وسلوك المواطن، يبقى السؤال الذي يستحق الإجابة: هل نريد منظومة نظافة تقيس نجاحها بعدد الأزمات التي تتمكن من رفعها، أم منظومة تمنع هذه الأزمات من أن تصبح مشهدا عاديا في حياة المدينة؟

مقالات مشابهة

سُعداء بما نحنُ فيه..”وأسعد منا بياض الورق”

فريق النشر

وزارة الداخلية تدعو إلى توخي الحذر والإلتزام بقواعد السلامة

فريق النشر Echaab News

الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تعلن إنخراطها في الإطار التنسيقي الثلاثي

فريق النشر Echaab News