27.4 C
تونس
21 سبتمبر، 2026 11:03
جريدة الشعب نيوز
آراء حرةوطني

حملة ليلية على نشطاء أسطول الصمود: لا لتحويل التظاهر إلى جريمة

 الشعب نيوز/ آراء حرة – 
في ليلة ثقيلة على تونس، تواصلت حملة أمنية واسعة استهدفت عدداً من النشطاء المشاركين في المسيرة التي انتظمت يوم السبت الماضي في العاصمة للمطالبة بحرية معتقلي أسطول الصمود، في ما تتزايد المعطيات حول إيقافات تمت ليلاً ومن المنازل والشوارع، وسط تضارب بشأن عدد الموقوفين واستمرار عمليات الإيقاف إلى حدّ هذه الساعة.
إن خطورة ما يحدث لا تتصل فقط بعدد الإيقافات، وإنما بالطريقة التي تتم بها، وخصوصاً إذا ثبت اقتحام المنازل أو اقتياد أشخاص ليلاً دون إعلام عائلاتهم بمكان وجودهم أو تمكينهم من حقوقهم القانونية. فالإيقاف، مهما كانت التهم أو الشبهات، ليس إجراءً خارج القانون، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة للعقاب الجماعي أو الترهيب أو الانتقام من المشاركة في تحرك سلمي.
وإذا كانت هذه الإيقافات مرتبطة فعلاً بالمسيرة التي انتظمت دعماً لوائل نوار ولمعتقلي أسطول الصمود، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: هل أصبحت المشاركة في تحرك سلمي والتعبير عن موقف تضامني سبباً كافياً للانتقال من الشارع إلى السجن؟
ليست أرقاماً في محضر
إن الأسماء التي تتداولها العائلات والنشطاء ليست أرقاماً في محضر أمني، فوراء كل اسم عائلة وأبناء وأمهات ورفاق وحياة وحقوق وحكاية طويلة من المشاركة في الشأن العام. وهؤلاء الشباب الذين يجري اليوم اقتياد بعضهم في ظلمة الليل ليسوا خطراً على تونس، بل هم، في نظر كثير من التونسيين، من أكثر الأجيال تمسكاً بقيم التضامن والحرية والعدالة ورفض الظلم.
لقد اختار هؤلاء أن يكونوا في الشارع عندما كان بإمكانهم أن يلتزموا الصمت، وأن يرفعوا أصواتهم من أجل معتقلين لم يعرفوهم بالضرورة معرفة شخصية، لأنهم رأوا في قضيتهم قضية تتجاوز الأشخاص إلى معنى أوسع يتعلق بالحرية والعدالة والحق في التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض تحويل المواقف الإنسانية والوطنية إلى جرائم،وهذه القيمة بالذات هي التي تجعل استهداف الشباب بسبب مواقفهم أمراً بالغ الخطورة، فالسلطة التي تعاقب الفتية التونسيين لأنهم تضامنوا، واحتجوا، ورفعوا أصواتهم دفاعاً عن قضية يؤمنون بعدالتها، لا يعالج خلافاً عابراً، وإنما يضيّق المجال الذي تتنفس فيه القيم المدنية نفسها.
الحرية والكرامة والعدالة والتضامن قناعة
ان هؤلاء الشباب ليسوا من أولئك الذين تصنعهم لحظة عابرة أو تدفعهم حسابات ظرفية؛ إنهم أبناء قناعاتهم، شديدو التمسك بما يؤمنون به، أنقياء في دوافعهم، وعنيدون في الدفاع عن القيم التي اختاروا أن يجعلوا منها جزء من حياتهم. قد يُقتادون إلى مراكز الإيقاف، وقد تُغلق خلفهم أبواب السجون، وقد يُراد لهم أن يخافوا أو يتراجعوا أو يراجعوا مواقفهم تحت وطأة الضغط، لكن من الصعب كسر إنسان جعل من الحرية والكرامة والعدالة والتضامن قناعة لا مجرد شعار، إنهم لا يحتاجون إلى كثير من الكلام حتى يستعيدوا قوتهم؛ يكفي أن يخرجوا من تجربة الايقاف وهم أكثر وعياً بما جرى، وأكثر تمسكاً بحقوقهم، وأكثر إصراراً على ألا تتحول بلادهم إلى فضاء يخاف فيه المواطن من التعبير عن رأيه.
وقد يكون الايقاف او السجن قادراً على حجز الأجساد لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يحجز الأفكار ولا أن يصادر القيم ولا أن يمحو الذاكرة. ومن يراهن على أن الإيقاف أو التخويف سيجعل هؤلاء الشباب أقل حضوراً في الشأن العام قد يكتشف، بعد كل جولة، أنهم يخرجون أكثر صلابة، وأكثر التصاقاً بالقضايا التي دافعوا عنها، وأكثر قدرة على تحويل تجربة القمع نفسها إلى طاقة جديدة للمقاومة المدنية. إنهم من ذلك الجيل الذي قد يتعب، وقد يدفع ثمناً باهظاً، وقد يمرّ بلحظات انكسار إنساني طبيعية، لكنه لا يتخلى بسهولة عن قناعته؛ ولذلك فإن كل محاولة لإخضاعه بالقوة قد تنتج النتيجة المعاكسة: شباباً أكثر وعياً، وأكثر تشبثاً بحريته، وأكثر إصراراً على أن تكون تونس وطناً يتسع لأبنائه جميعا
لقد عرف التونسيون كثيراً من هذه الوجوه قبل الثورة وأثناءها وبعدها، في محطات مختلفة من تاريخ البلاد، وهي وجوه ظلت حاضرة في الدفاع عن قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة ومقاومة الظلم. وقد تختلف الأجيال والحقب والشعارات، لكن ما يجمع كثيراً من هؤلاء هو أنهم لم يتعلموا أن الصمت هو الطريق الأكثر أمناً، ولم يجعلوا الخوف معياراً لمواقفهم.
جيل شاب يشعر أن بلاده تحتاج إلى صوته
انه لا يمكن معالجة الاختلاف السياسي أو الاحتجاج الاجتماعي بمنطق الإيقاف الجماعي، فالسجون لا تطفئ الأفكار، والملاحقات لا تلغي القضايا، والخوف لا يصنع استقراراً دائماً. بل إن محاولة دفع الشباب خارج المجال العام بالقوة قد تترك جرحاً أعمق في علاقة المجتمع بمؤسساته، وتحوّل قضية حقوقية أو سياسية إلى قضية كرامة شخصية وجماعية.
إن المطلوب الآن، قبل أي شيء، وقف كل إيقاف يتم خارج الأطر والإجراءات القانونية وإطلاق سراح كل الشباب الذين لم يرتكبوا سوى ممارسة حقهم في التظاهر والتعبير السلمي، كما أن المسؤولية تقتضي عدم تحويل هذه الليلة إلى مساحة للشائعات أو التخويف، فكل شخص موقوف له حق معلوم في معرفة سبب إيقافه، وفي الاتصال بمحاميه وعائلته، وفي أن يعامل وفق القانون، بعيداً عن أي عقوبة مسبقة أو تشفٍّ أو إذلال.
إن تونس لا تحتاج إلى مزيد من السجون في مواجهة شبابها، ولا إلى استدعاء ذاكرة الخوف كلما خرج مواطنون إلى الشارع للتعبير عن موقفهم، بل تحتاج إلى دولة تثق في قوة القانون، وإلى مؤسسات تحترم مواطنيها، وإلى فضاء عام يتسع للاختلاف والاحتجاج والتضامن، وإلى جيل شاب يشعر أن بلاده تحتاج إلى صوته لا إلى سجنه، وليس من مصلحة تونس أن ترى أبناءها في السجون بسبب مواقفهم، ولا أن يتحول التضامن إلى تهمة، ولا أن يصبح الشارع المدني طريقاً إلى الزنازين، قوة البلاد ليست في عدد الذين يمكن إيقافهم، وإنما في قدرتها على حماية حق مواطنيها في الاختلاف والتعبير والمشاركة.
كل التضامن مع الموقوفين وعائلاتهم، وكل التضامن مع معتقلي أسطول الصمود، ومع كل من اختار أن يرفع صوته دفاعاً عن الحرية والعدالة والكرامة. والمطلوب اليوم ليس الصمت أمام ما يجري، بل كشف الحقيقة، وضمان السلامة، واحترام القانون، وصون حرية هؤلاء الشباب وحقوقهم وإطلاق سراحهم.

مقالات مشابهة

الحماية المدنية تسجل 333 تدخلا خلال 24 ساعة

فريق النشر Echaab News

أصحاب الشهادات العليا ببئر علي بن خليفة يواصلون تحركاتهم للمطالبة بالتشغيل

فريق النشر Echaab News

بعد إيقاف مشاركين في مسيرة أسطول الصمود .. مطالب بالكشف عن أماكن احتجازهم

فريق النشر Echaab News