جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

” الكنام” ليس مجرد صندوق للخلاص، بل إستمرارية العلاج بعيدا عن منطق المواجهة

بقلم حاتم القهواجي الكاتب العام للجامعة العامة للصناديق الاجتماعية – حين يصبح العلاج رهينة الخلافات التعاقدية: الفصل 13 يحمي المضمون الاجتماعي ويحصّن دور الكنام».

لم تعد الأزمة القائمة بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض والصيدليات الخاصة مجرد خلاف حول المستحقات المالية وآجال الخلاص، بل أصبحت تمسّ بصورة مباشرة حقوق المضمونين الاجتماعيين ومدى ضمان استمرارية حصولهم على العلاج والدواء.

فمنذ إعلان النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة تعليق العمل بمنظومة الطرف الدافع بداية من غرة نوفمبر 2026، وجد المضمون الاجتماعي نفسه أمام وضعية جديدة تفرض عليه دفع كامل ثمن أدويته مسبقاً، ثم تقديم مطالب لاسترجاع المصاريف، بعد أن كانت هذه المنظومة تضمن له التكفل المباشر وفق شروطها.

وبصرف النظر عن المبررات المالية والمهنية التي تستند إليها النقابة، فإن القرار الأحادي بتعليق العمل بهذه الصيغة، رغم أن الاتفاقية المنظمة لها لا تزال، وفق المعطيات المتوفرة، سارية المفعول إلى غاية 15 جانفي 2027، يطرح إشكالاً جوهرياً يتعلق بمدى جواز تحميل المضمون الاجتماعي تبعات خلاف تعاقدي لم يكن طرفاً فيه.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الأزمة تقتضي اعتماد مقاربة قانونية ومؤسساتية تقوم على ثلاثة محاور أساسية:

أولاً: استمرارية العلاج أولوية مطلقة، والمضمون الاجتماعي ليس ورقة ضغط

إن تعليق العمل بمنظومة الطرف الدافع لا يمثل مجرد تغيير في طريقة خلاص الفواتير، بل ينقل العبء المالي مؤقتاً إلى المضمون الاجتماعي، الذي يصبح مطالباً بتوفير كامل ثمن الدواء، ثم انتظار استرجاع المصاريف من الصندوق.

وهو ما قد يشكل عائقاً حقيقياً أمام الفئات محدودة الدخل وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، الذين يحتاجون إلى أدوية بصفة منتظمة ولا تتوفر لهم دائماً السيولة اللازمة للدفع المسبق.

وبالتالي، فإن الخطر لا يقتصر على تغيير آلية التكفل، بل يمتد إلى إمكانية تأجيل العلاج أو الانقطاع عن تناول الأدوية نتيجة العجز عن توفير ثمنها.

فلا يجوز أن تتحول صحة المضمون الاجتماعي إلى وسيلة ضغط في الخلافات المهنية والتعاقدية، ولا أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف في علاقة بين مؤسسات يفترض أن تعمل لضمان حقه في العلاج.

ثانياً: تفعيل الفصل 13 وإعادة توجيه الاعتمادات: خيار قانوني لحماية المضمون الاجتماعي وصون مكانة الكنام

إن تعليق الصيادلة العمل بمنظومة الطرف الدافع يفرض على الصندوق إعادة ترتيب أولوياته المالية بما يتلاءم مع الوضعية الجديدة.

فمن غير المنطقي مواصلة تخصيص الاعتمادات للعمليات المستقبلية في إطار صيغة تم تعليق العمل بها من قبل مسدي الخدمات، في حين أن الأولوية أصبحت تتمثل في توفير السيولة اللازمة لاسترجاع مصاريف العلاج لفائدة المضمونين الذين اضطروا إلى دفع ثمن أدويتهم مسبقاً.

وعليه، فإن توجيه الاعتمادات المتاحة نحو تأمين استرجاع المصاريف في آجال معقولة يمثل استجابة عملية للأولوية الاجتماعية والصحية، شريطة احترام قواعد التصرف المالي والميزانية والالتزامات القانونية القائمة.

وهذا التوجه لا يعني بأي حال من الأحوال إسقاط المستحقات السابقة للصيدليات عن الخدمات التي تم إسداؤها فعلياً، وإنما يقتضي التمييز بين الديون المتخلدة والاعتمادات المخصصة للعمليات المستقبلية، باعتبار أن لكل منهما نظامه القانوني والمالي.

وفي هذا السياق، يكتسي الفصل 13 من القانون عدد 71 لسنة 2004 المؤرخ في 2 أوت 2004 أهمية خاصة، إذ ينص على أنه:

«بهدف ضمان استمرارية العلاج، يمكن للوزير المكلف بالضمان الاجتماعي أن يضبط، عند الاقتضاء، آليات للتكفل من قبل الصندوق بالخدمات الصحية المسداة للمضمونين الاجتماعيين من قبل مسدي هذه الخدمات».

إن المشرّع خوّل لوزير الشؤون الإجتماعية صلاحية ضبط آليات بديلة للتكفل كلما اقتضت الضرورة ذلك، ضماناً لاستمرارية العلاج وعدم رهن حقوق المضمونين بالخلافات التعاقدية.

ومن ثمّ، فإن تفعيل هذا الفصل يمثل احتكاماً إلى آلية قانونية قائمة، ويتيح الفصل بين ضمان حق المواطن في العلاج وبين النزاع المالي والتعاقدي بين الصندوق والصيدليات.

وهنا تكمن الأهمية الحقيقية لهذا التوجه: فهو لا يمثل إضعافاً للكنام أو تجاوزاً لدوره، بل تحصيناً لمكانته وإبعاداً له عن التجاذبات، مع المحافظة على وظيفته باعتباره مؤسسة عمومية ورافداً أساسياً من روافد تمويل الصحة العمومية في تونس.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتماد آلية استثنائية تمكّن المضمونين الاجتماعيين المنخرطين بالمنظومة العلاجية الخاصة، والذين يتعذر عليهم الانتفاع بالطرف الدافع، من إيداع ملفات استرجاع المصاريف بداية من غرة نوفمبر 2026، وفق إجراءات مبسطة وآجال مضبوطة، مع إعلامهم مسبقاً بشروط التكفل والوثائق المطلوبة.

هل تمثل مستحقات الطرف الدافع سبب الصعوبات المالية لقطاع الصيدلة؟

من الضروري عدم اختزال رقم معاملات الصيدليات الخاصة في المبيعات التي تتم في إطار منظومة الطرف الدافع، إذ يتكون نشاطها من عدة أصناف من المبيعات:

– مبيعات المضمونين الاجتماعيين بنظام استرجاع المصاريف، حيث يسدد المواطن كامل ثمن الدواء للصيدلي.
– مبيعات الأدوية لفائدة مرضى الأمراض المزمنة المنخرطين بالمنظومة العلاجية العمومية، الذين يتعذر توفير أدويتهم من قبل الهياكل الصحية العمومية، وفق آليات التكفل المعمول بها.
– المبيعات لفائدة المواطنين غير المنخرطين في أنظمة التأمين الاجتماعي.
– المبيعات في إطار منظومة الطرف الدافع، حيث يتحمل الصندوق الجزء المتكفل به والمضمون الجزء المحمول عليه.

وبالتالي، فإن تحديد مدى تأثير مستحقات الكنام على الوضعية المالية للصيدليات يقتضي دراسة موضوعية لتركيبة رقم معاملاتها، وآجال استخلاص مختلف مستحقاتها، وهوامش الربح وكلفة التزود والتمويل.

وإذا ثبت أن الجزء المفوتر للكنام في إطار الطرف الدافع لا يمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي معاملات القطاع، فإن ذلك يستوجب البحث في بقية أسباب الصعوبات المهنية والاقتصادية، وعدم تحميل منظومة التأمين على المرض وحدها مسؤولية جميع الاختلالات.

فالصندوق الوطني للتأمين على المرض ليس مطالبا بمعالجة جميع الإشكاليات التي تدخل ضمن اختصاصات وزارات وهياكل أخرى، على غرار المالية والتجارة والصحة والعدل والداخلية، كل في حدود صلاحياته.

فحق الصيدلي في المطالبة بمستحقاته مشروع، لكن لا يجوز أن يتحول حق المضمون الاجتماعي في العلاج إلى أداة ضغط لمعالجة الصعوبات الاقتصادية والمهنية للقطاع.

ثالثاً: حلول جذرية لمنع تكرار الأزمة وتحصين حق المضمون الاجتماعي

إن تكرار تعليق العمل بمنظومة الطرف الدافع كلما نشأ خلاف حول المستحقات أو آجال الخلاص يكشف عن ضرورة مراجعة العلاقة التعاقدية الحالية وإرساء ضمانات تحول دون تكرار هذه الأزمات.

وفي هذا الإطار، تبرز جملة من الحلول الممكنة:

1. دراسة إرساء اتفاقيات فردية مع الصيدليات الخاصة بما يضمن استقلالية العلاقة التعاقدية مع كل صيدلية، ويحدّ من تأثير القرارات الجماعية على استمرارية التكفل، مع احترام الإطار القانوني المنظم للاتفاقيات القطاعية.

2. وضع آليات قانونية وترتيبية بديلة يتم تفعيلها عند تعليق العمل بالمنظومة التعاقدية، بما يضمن استمرارية توفير الأدوية وعدم انقطاع العلاج، وخاصة بالنسبة إلى مرضى الأمراض المزمنة والفئات الهشة.

3. مراجعة آليات الخلاص والتسوية المالية من خلال ضبط آجال واضحة وملزمة، وإرساء رزنامة لتسوية المستحقات وتحسين التدفقات المالية بين الصندوق ومسدي الخدمات الصحية.

4. إقرار ضمانات تعاقدية لحماية المضمون الاجتماعي تمنع توظيف حقه في العلاج كورقة ضغط عند نشوء النزاعات المهنية أو المالية بين الأطراف المتعاقدة.

5. إرساء آلية دائمة للحوار والتسوية تضم جميع المتداخلين ، تتولى متابعة تنفيذ الاتفاقيات والتدخل المبكر لمعالجة الإشكاليات قبل تحولها إلى قرارات تعليق أو مقاطعة.

6. تعزيز التوازنات المالية والمؤسساتية للكنام من خلال معالجة مديونيته وتوفير الموارد الضرورية للقيام بمهامه، باعتباره مؤسسة عمومية ذات وظيفة اجتماعية وصحية استراتيجية.

الخلاصة: حماية المضمون الاجتماعي تبدأ بحماية حقه في العلاج وصون مكانة الكنام

إن الأزمة الحالية تفرض إعادة ترتيب الأولويات: استمرارية العلاج أولاً، واحترام الحقوق التعاقدية والمالية لجميع الأطراف، ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي تهدد استدامة المنظومة.

فتعليق العمل بالطرف الدافع لا يعفي الكنام من التزاماته السابقة، مثلما لا يعفي الصيدليات من مسؤولية احترام التزاماتها التعاقدية، ولا يجوز في جميع الحالات تحميل المضمون الاجتماعي نتائج هذا الخلاف.

إن تفعيل الفصل 13 من القانون عدد 71 لسنة 2004 يمثل في هذا السياق توجهاً قانونياً ومؤسساتياً مهماً، لأنه يوفر أساساً لضمان استمرارية التكفل، ويفصل بين حق المضمون في العلاج والتجاذبات التعاقدية، ويحافظ على الدور المحوري للكنام باعتباره أحد روافد تمويل الصحة العمومية في تونس.

فالمطلوب ليس إضعاف الكنام أو تجاوز دوره، بل تحصينه وتعزيز قدرته على أداء رسالته، وليس المفاضلة بين حقوق الصيدليات والمضمونين، بل ضمان حقوق الجميع دون أن يدفع المريض ثمن الخلافات.

صحة المضمون الاجتماعي ليست ورقة تفاوض، والكنام ليس مجرد صندوق للخلاص، واستمرارية العلاج مسؤولية قانونية واجتماعية ومؤسساتية لا تقبل التأجيل.

مقالات مشابهة

كاتب عام جامعة التعليم العالي : إستبيانكم مرفوض شكلا ومضمونا وردّنا سيكون من خلال خطّة نضاليّة متكاملة

فريق النشر Echaab News

حين تُعطّل السلطة الحوار الإجتماعي و تحوله إلى مجرد مادة نظرية في مناظرات الانتداب

فريق النشر Echaab News

الإعلام حاضر في تصنيف البرامج، غائب في رؤية الدولة،ومستقبل المهنة خارج الأولويات؟

فريق النشر