كتبت المناضلة النقابية الاستاذة سهام بوستة :
ليست الأمم الحية هي التي تكثر من الاحتفاء بذكري الماضى بل تلك التي تجعل من الذاكرة قوةً لإعادة بناء الحاضر.
فالذكرى في معناها العميق ليست عودة إلى ما انقضى وإنما هي اختبار لقدرتنا على الوفاء لمعنى الحدث لا لصورته. لذلك فإن استحضار شهداء وأبطال الإضراب العام يومي 4 و5 أوت 1947 لا ينبغي أن يتحول إلى طقس سنوي نستعيد فيه أسماء الرجال والنساء الذين صنعوا المجد ثم نغادرهم إلى واقع لا يشبه أحلامهم. فالذاكرة التي لا تُنتج فعلًا ليست سوى شكل آخر من أشكال النسيان.

لقد أدرك رواد الحركة النقابية التونسية في لحظة مبكرة من تاريخ البلاد أن معركة الشغالين لا تنفصل عن معركة الوطن.
معركتان لا تنفصلان
لذلك لم يكن الإضراب العام مجرد وسيلة للضغط من أجل فرض الحق في التفاوض مع سلطة الاستعمار بل كان إعلانًا بأن الكرامة الاجتماعية والحرية الوطنية وجهان لقضية واحدة وأن تحرير العامل جزء من تحرير تونس من كل أشكال الهيمنة السياسية والاستغلال الاقتصادي والاستعباد الاجتماعي …
وما يمنح تلك التجربة قيمتها التاريخية ليس فقط ما حققته بل الكيفية التي بُنيت بها. فقد تجاوز الرواد العصبيات الجهوية ولم يجعلوا من اختلافاتهم الفكرية أو الإيديولوجية سببًا للتشرذم بل حولوها إلى مصدر ثراء داخل مشروع وطني جامع. كانوا يدركون أن المنظمة النقابية لا تُقاس بقدرتها على تمثيل فئة بل بقدرتها على توحيد المجتمع حول قيم العدالة والحرية والسيادة.
إن التاريخ يعلمنا أن المنظمات الكبرى لا تُصنع بالهياكل وحدها وإنما بالرؤية الأخلاقية التي تمنح تلك الهياكل معناها. فعندما تضعف الفكرة المؤسسة تتحول اي منظمة مهما بلغت قوتها إلى مجرد جهاز يدير اليومي ويستهلك رصيده الرمزي الذي صنعته التضحيات…
تحرير الماضي من الجمود
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن تثيره ذكرى 5 أوت ليس ماذا فعل الرواد؟ بل ماذا بقي من مشروعهم؟ وهل ما زالت المنظمة وفية لذلك الأفق الذي جعل منها مدرسة للنضال الوطني والاجتماعي؟ وهل ما زالت قادرة على إنتاج الوحدة في زمن التشتت والمعنى في زمن الشعبوية والاستقلالية في زمن الاستقطابات؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الذاكرة هو أن تتحول إلى ملاذٍ من الحاضر بينما حقيقتها أنها دعوة إلى تغييره. فالوفاء للشهداء لا يكون بتقديس الماضي وإنما بتحريره من الجمود وإعادة اكتشاف ما فيه من أسئلة لم نفكر فيها بعد. وكما كتب احد الفلاسفة الألمان” فإن الماضي لا يطالبنا بالتمجيد والإعجاب به بل يطالبنا بفهم ما بقي فيه من امكانات لم تتحقق حتي لا تضيع تضحيات من صنعوه” …

إن تونس اليوم لا تحتاج إلى حنينٍ إلى زمن الرواد بل إلى استعادة الروح التي صنعتهم روح الاستقلالية ووحدة الصف والنزاهة والجرأة الفكرية والحس الاستشرافي والإيمان بأن العمل النقابي ليس دفاعا عن المصالح والمواقع بل هو انخراط فعلي في بناء الدولة المدنية و الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
مدرسة للحوار
نحتاج إلى منظمة تُقاس بحجم رسالتها لا بعدد هياكلها وبقدرتها على إنتاج الأفكار والمقترحات والبدائل وابداع تحركاتها النضالية الميدانية وعلى توحيد التونسيين حول المشترك الوطني …. منظمة تُعيد الاعتبار للنقابة باعتبارها فضاءً للتربية على المواطنة ومدرسةً للحوار والاعتراف بحق الاختلاف وضميرًا اجتماعيًا يقاوم كل أشكال الهيمنة مهما كان مصدرها.
رحم الله شهداء وأبطال 4 و5 أوت 1947.
ولنجعل من ذكراهم عهدًا متجددًا ألا نعيش في التاريخ بل أن نجعل التاريخ يعيش فينا لا بوصفه سجلًا للأمجاد فحسب وإنما بوصلةً أخلاقية تحمينا وتهدينا كلما ضللنا الطريق …”فالذاكرة ليست وفاء لما كان فحسب …بل مسؤولية تجاه ما ينبغي ان يكون …” الفيلسوف ب ريكور (Paul Ricoeur).

