34 C
تونس
16 أوت، 2026 12:49
جريدة الشعب نيوز
وثائقي

أسس لميلاد الحركة النقابية التونسية: اضراب رصيف بنزرت الذي دام سنة و40 يوما

في تاريخ 15 أوت من سنة 1924 انطلق اضراب عمال الرصيف ببنزرت واستمر ستة وأربعين يوما كاملة في واحدة من المحطات المبكرة والحاسمة في تشكل الحركة العمالية التونسية، مطالب هؤلاء العمال كانت تمس جوهر الكرامة والمساواة : تحديد يوم العمل في ثماني ساعات والمساواة في الاجر مع العمال الفرنسيين.
ومنذ بدايته تجاوز الاضراب حدود الرصيف والميناء وتحول الى قضية اجتماعية التقت حولها فئات واسعة من اهالي بنزرت وامتد التضامن الشعبي معه وتوالت الاضرابات في مصانع الجهة وفي الفلاحة والبناء والميناء لتتحول المطالب العمالية الى حركة اجتماعية تكشف بوضوح عن واقع التفاوت الاستعماري في العمل والاجر والحقوق.
ولم تحظ هذه الحركة بمساندة النقابات الفرنسية باستثناء عمال ترسانة فريفيل بمنزل بورقيبة الذين اختاروا الوقوف الى جانب العمال التونسيين وكان هذا التضامن محدودا لكنه حمل دلالة عميقة على طبيعة المعركة التي كان يخوضها العامل التونسي.
مواجهات دامية وشهداء  
فهي لم تكن مجرد نزاع حول الاجور وساعات العمل بل كانت في جوهرها صراعا مع منظومة استعمارية جعلت من التمييز جزءا من واقع الحياة والعمل.
وفي يوم 11 سبتمبر 1924 وقعت مواجهات دامية بين العمال التونسيين وقوات الاستعمار من امن وجيش فرنسيين فسقط شهداء ووقعت اعتقالات ومحاكمات ودفع العمال ثمنا باهظا لمجرد انهم طالبوا بحقوقهم.. استشهد العربي بن احمد الكومي ومبروك بن محمد الشاهد وكانا من اوائل شهداء الحركة النقابية التونسية كما نفي الزعيم محمد الخميري الى مرسيليا وانتهى الاضراب بعد ستة واربعين يوما بتحقيق بعض المطالب العمالية.
لكن قيمة اضراب الرصيف لم تكن في عدد ايامه ولا في المطالب التي تحققت فقط بل في ما فتحه من طريق امام التنظيم العمالي الوطني فقد ساهم في تأسيس نقابات تونسية بماطر وفريفيل منزل بورقيبة ومنزل جميل وبنزرت وفي انتقال العامل التونسي من موقع الفرد الذي يواجه الاستغلال وحده الى موقع الجماعة التي تكتشف في التنظيم قوة للدفاع عن الحق والمساواة.
من هنا ولدت الحركة النقابية التونسية
ومن رحم هذه التجربة العسيرة وفي ظروف اجتماعية وسياسية قاسية ولدت الحركة النقابية التونسية ثم جامعة عموم العملة التونسية بقيادة رائد الحركة النقابية محمد علي الحامي.
كانت ولادة عسيرة ودامية لان التنظيم العمالي لم يولد في فضاء محايد بل خرج من صراع العامل مع الاستغلال والتمييز ومن وعي يتشكل تدريجيا بان قضية العامل لا يمكن فصلها عن قضية المجتمع في العدالة والحرية والكرامة.
وهكذا لم يكن الرصيف في تلك اللحظة مجرد مكان للعمل ولم يكن الميناء مجرد فضاء تمر منه السفن والبضائع هناك بين العمال والورشات وفي مواجهة سلطة استعمارية لم تكن ترى في العامل التونسي ندا كاملا في الحقوق تشكل فصل من تاريخ اجتماعي وسياسي اكبر من حدود بنزرت حيث كان العامل يكتشف ان وحده هش وان قوته تبدأ حين يتحول الافراد الى جماعة واعية بحقوقها وان النضال من اجل ثماني ساعات عمل ومساواة في الاجر يمكن ان يصبح في سياق استعماري جزءا من صراع اوسع من اجل انسانية الانسان نفسه.
الحق لا يمنح بالانتظار
ومن تلك البدايات واصلت الحركة العمالية التونسية مسارها حتى افضت تجاربها وصراعاتها وتضحياتها الى ميلاد #الاتحاد_العام_التونسي_للشغل كمنظمة وطنية اجتماعية مستقلة ارتبط تاريخها بالدفاع عن حقوق الشغالين وبالمطالب الاجتماعية وبمسار التحرر الوطني والاجتماعي.
استحضار اضراب الرصيف ببنزرت اليوم هو وقوف امام لحظة تأسيسية فهم فيها العمال التونسيون منذ وقت مبكر ان الحق لا يمنح دائما وان المساواة لا تتحقق بالانتظار وان التنظيم حين يولد من حاجات الناس ومن صراعهم من اجل حياة اكثر عدلا يمكن ان يصبح قوة اجتماعية قادرة على تغيير موازين كاملة.
المجد للشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لحق لم يكن ينبغي ان يكون موضع تفاوض والاحترام لكل عامل حمل قبلنا عبء الصراع من اجل الكرامة والمساواة.

مقالات مشابهة

في ذكرى 5 أوت 1947… حين يصبح الماضي مسؤوليةً تجاه المستقبل…

فريق النشر

في ذكرى 5 أوت: الحبيب عاشور يكشف أسباب ثقته في نجاح الاضراب

فريق النشر

الحبيب بورقيبة.. ذكرى ميلاد رجل صنع تاريخ الدولة التونسية

فريق النشر Echaab News