الشعب نيوز/ ضياء تقتق – في صائفة حارقة من تاريخ تونس السياسي، ومنذ اربعة عقود خلت، بلغت ازمة السلطة ذروتها، وهي أزمة سياسية واجتماعية معقدة الأبعاد، متشابكة الخيوط.
ففي أواخر جويلية 1986 وُجّهت تهمة الخيانة العظمى إلى محمد مزالي، الوزير الأول ووزير الداخلية في آن واحد، فكان مصيره الفرار إلى الجزائر يوم 3 سبتمبر من العام نفسه وقد سبق هروبه العزل بتاريخ 24 جويلية، بعد أن أمضى سنة كاملة في “تركيع” الاتحاد ذهبت به إلى حد افتكاك المقرات من طرف ميليشيات السلطة وتنصيب “الشرفاء” وسجن
الأمين العام الحبيب عاشور في ديسمبر 1985. 
هذا العداء انتقل من المنابر السياسية الى البرلمان. وتحديدًا في الجلسة العامة الاستثنائية التي عقدها مجلس النواب بتاريخ 6 سبتمبر من ذلك العام. تلك الجلسة التي انعقدت في ظروف استثنائية، بين طرد آلاف العمال التونسيين من ليبيا ، وتحوّلت من محاكمة سياسية معلنة للنظام الليبي إلى محاكمة فعلية للاتحاد وأمينه العام الحبيب عاشور، رافقتها سلسلة من الإجراءات التعسفية استهدفت تطويع القرار النقابي وإسكات صوت العمال.
وبين موقف نقابي حاول الدفاع عن استقلالية المنظمة ووجد نفس مقموعا، وأخرى منساقة وراء توجهات الحكومة، تستعيد هذه الوقائع فصلاً من تاريخ تونس النقابي لا يزال صداه حاضرًا في راهنها.
ظروف استثنائية وقانون استثنائي
شكّل شهر أوت 1985 نقطة تحوّل حادة في العلاقات التونسية الليبية، حين أقدم النظام الليبي على طرد آلاف العمال التونسيين من أراضيه، قُدّروا آنذاك بنحو 32 ألف عامل وعائلاتهم، في قرار مباغت ألقى بثقله على آلاف العائلات التي فقدت مصدر رزقها بين عشية وضحاها. وتصاعدت الأزمة أكثر حين أعلنت تونس قطع علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا في 26 سبتمبر من العام نفسه، لتدخل البلاد في أجواء سياسية مشحونة انعكست مباشرة على الساحة الاجتماعية.
وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، تقدّم الوزير الأول محمد مزالي بمشروع قانون يقضي بالترفيع في المساهمة الاستثنائية للتضامن، وتوظيف مساهمة استثنائية وقتية جديدة لمواجهة تداعيات طرد العمال، تمثّلت أساسًا في خصم أجرة يوم عمل كامل من الأجراء لفائدة الصندوق المُحدث لهذا الغرض. وقد مرّر هذا القانون إثر جلسة استثنائية اتُّخذت فيها قرارات مصيرية تخص الأجراء مباشرة، دون أي تشريك حقيقي لمنظمتهم النقابية، ودون احترام لأبسط مقومات الحق النقابي أو لمبدأ الحوار الاجتماعي المسؤول الذي طالما نادى به الاتحاد.
وإضافة إلى المطرودين، وجد العمال في تونس أنفسهم يدفعون ثمن أزمة سياسية لم يكونوا طرفًا في صنع قرارها، بينما غُيّب صوتهم النقابي عن كل مراحل التداول والتقرير.
من محاكمة النظام الليبي إلى محاكمة الاتحاد
انطلقت الجلسة العامة الاستثنائية، برئاسة محمود المسعدي، بخطاب لمحمد مزالي الوزير الأول ووزير الداخلية موجّه أساسًا ضد النظام الليبي، الذي وُصف بمحاولة زعزعة الاستقرار في تونس، ليتحوّل بذلك إلى عدو خارجي واضح المعالم. وقد طُرحت هذه الأزمة على المنظمات الأممية وأخذت بعدًا دوليًا، وهو ما تردد صداه في مداخلات النواب. وشدد الوزير الأول في خطابه على وحدة الشعب التونسي والتفافه حول الرئيس الحبيب بورقيبة وحكومته في مواجهة هذه الاعتداءات.
غير أن هذا الخطاب، الذي بدأ بمحاكمة الخارج، سرعان ما انزلق تدريجيًا نحو الداخل، لينتقل من إدانة النظام الليبي إلى محاكمة سياسية للحبيب عاشور الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، وشيطنة ممنهجة للإضرابات باعتبارها تهديدًا للاستقرار الوطني في لحظة حساسة. وقد رافق هذا التحول في الخطاب رفضٌ صريح لمطالب الزيادة في الأجور، في مفارقة لافتة بين خطاب يدعو إلى التضامن الوطني في مواجهة أزمة خارجية، وممارسة فعلية تُحمّل العمال وحدهم أعباء هذه الأزمة، بينما يُقصى صوتهم النقابي ويُجرَّم تحركهم المطلبي.
التباهي بالإجراءات التعسفية تجاه منظمة حشاد
في مفارقة لافتة تكشف حقيقة ما جرى، لم يكتفِ محمد مزالي بتبني هذه الإجراءات التعسفية سرًا أو عبر قنوات إدارية خفية، بل جاء خطابه أمام مجلس النواب ليقرّ صراحة بمعظم ما اتُّخذ من تدابير ضد الاتحاد، في اعتراف مباشر يعكس ثقة السلطة آنذاك بقدرتها على تمرير هذا التوجه دون محاسبة، معتبرًا إياه نابعًا من وطنيته ومسؤوليته.
وبكل استخفاف، أقرّ الوزير الأول إنهاء الاقتطاع المباشر لمعاليم الانخراط النقابي، معتبرًا إياه “مزيّة” منحتها الدولة للاتحاد منذ 1957 واسترجعتها سنة 1985، متجاهلاً ما يحمله هذا القرار من استهداف مباشر لاستقلالية الاتحاد. كما لم يتردد في تبرير حملة التحريض ضد الأمين العام الحبيب عاشور، وتقديم اتهامات عديدة، منها الإرهاب والعمالة، كأنها معطيات ثابتة، في خطاب اتسم بالحدة والإصرار على شيطنة الطرف النقابي.
ولم يذكر الوزير الأول كيف دبّر قرار إيقاف جريدة “الشعب” اليومية في 17 جويلية، وإيقاف نشاطها ومحاكمتها قضائيًا. وهكذا تحوّل خطاب مزالي من مجرد رد فعل سياسي إلى وثيقة تُدين صاحبها، إذ كشف بنفسه، ومن على منبر البرلمان، حجم الاستهداف الممنهج الذي طال الاتحاد ومنظوريه في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ تونس النقابي.
المواقف النقابية داخل قبة البرلمان
وسط هذا المناخ المشحون، لم يتمثل صوت الاتحاد العام التونسي للشغل داخل قبة البرلمان إلا في كلمة عضو المكتب التنفيذي الوطني والنائب خليفة عبيد، الذي حاول أن يقدّم قراءة مغايرة للوضع، فإذا به يُقاطَع مرارًا وتُصادَر كلمته، لتفوت على السلطة التشريعية والحكومة فرصة تشخيص الأزمة الاجتماعية وإبراز الدوافع الحقيقية للتحركات النضالية للعمال. وعبثًا طالب بأن يُنصَف وأن يُمنَح من الوقت ما مُنح لزملائه من النواب، إلا أن مطلبه قوبل بتجاهل واضح.
واللافت أن هذا التضييق لم يكن فرديًا أو عرضيًا، بل جاء بتواطؤ ملحوظ بين رئاسة الجلسة ومقرريها وبقية المتدخلين، في مشهد يعكس اتفاقًا ضمنيًا على توجه واحد يماثل موقف الوزير الأول، ورفضًا جماعيًا لأي صوت يدافع عن العمل النقابي أو يحاول كشف ما شاب الجلسة من زيف وتجنٍّ وتزوير للحقائق. وفي المقابل، برز الاتحاد الوطني للشغل، الذي تأسس سنة 1984 عقب انشقاقه عن الاتحاد العام، ممثَّلًا هو الآخر في البرلمان، لكنه ظهر منصاعًا بالكامل لتوجهات الحكومة، في تناقض صارخ مع الدور النقابي الذي يُفترض أن يضطلع به، ليغيب بذلك أي دفاع حقيقي عن الطبقة العاملة داخل المؤسسة التشريعية.
تونس اليوم بملامح الامس
واحد وأربعون عامًا مرّت على تلك الجلسة العامة الاستثنائية، لكن المتأمل في المشهد التونسي الراهن يكتشف أن كثيرًا من ملامح تلك المرحلة لا تزال حاضرة، وإن بأدوات وسياقات مختلفة.
فمرة أخرى يعود الحديث عن إيقاف الاقتطاع المباشر لمعاليم الانخراط النقابي، في تكرار لافت لإجراء اتُّخذ بالمنطق نفسه قبل عقود، ويُراد منه إضعاف الاستقلالية المالية للمنظمة الشغيلة. وتتجدد أيضًا لغة التهم الكيدية التي تلاحق النقابيين، وسط محاولات ممنهجة لشيطنة العمل النقابي وتصويره كعائق أمام الإصلاح أو تهديد للاستقرار، بدل الاعتراف به كأحد أهم مكاسب الدولة الوطنية الحديثة.
وفي غضون ذلك، يغيب الحوار الاجتماعي المسؤول عن كثير من الملفات المصيرية، لتُتخذ القرارات والإجراءات الاجتماعية من جانب واحد، دون تشريك حقيقي للشركاء الاجتماعيين، في تكريس لمنطق الفرض بدل التفاوض.
وتتسع، في الآن ذاته، دائرة التضييقات على حرية الصحافة والتعبير، بما يعيد إلى الأذهان مصير جريدة “الشعب” في صائفة 1985، وإن اختلفت الوسائل والأدوات.
كما يظل ملف المفاوضات الاجتماعية معطلا رغم تراكم المطالب وتفاقم الأوضاع المعيشية، بينما يسجَّل ارتفاع لافت في عدد المحاكمات ذات الطابع السياسي، في مؤشر مقلق على تضييق مساحة الحريات العامة.
وأمام هذا التكرار شبه الحرفي لأدوات الأمس، يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تعلّمت السلط التونسية من دروس التاريخ، أم أنها تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بوجوه جديدة؟ ومهما بلغت حدة الاستهداف وتنوعت أساليبه، يبقى الثابت الوحيد عبر كل هذه المحطات أن الحكومات ترحل وتبقى منظمة حشاد شاهدة على تاريخ طويل من النضال، صامدة في وجه كل محاولات التركيع، ليصدق فيها القول: رحلوا وبقي الاتحاد.
- نشر في عدد الشعب الورقية بتاريخ 20 أوت 2026.
