جريدة الشعب نيوز
ثقافي

ماجدة وحليم الرومي: أغان راقية لتونس ووصل للحاضر بالتأسيس

  • في الصورة ماجدة في اخر حفلاتها بقرطاج ووالدها حليم الرومي من زمن الاسود والابيض

الشعب نيوز/ محمد بن يدري – رغم مضي نحو 20 يوما، أستسمح القراء في العودة الى الحفل الختامي للدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي. الأمر لا يتعلق فقط بشخص نجمة الحفل ماجدة الرومي، وريبرتوارها، وصوتها، وانضباطها، وفنّها في التواصل، وحضورها اللافت، ولا ايضا بفستانها ومكياجها وغيره.

هناك ذلك الحبّ الذي تكنّه عائلة الرومي لتونس، فماجدة قدّمت أولى حفلاتها فيها سنة 1980، وبعد سنوات غنّت لها نشيدًا من نوع خاص بعنوان “عسلامة تونس”، حيث استخدمت لفظة “ع السلامة ” الهوياتية التونسية الخالصة  لأول مرة في أغنية، أصبحت اليوم علامة ترويجية للبلاد.

لكن هناك، في رأيي، ما هو أعمق، أقصد خلفية بُنيت بعناية. فالإرث يفرض نفسه. من والدها وهو حليم الرومي، ذلك الذي اكتشف نهاد حداد ومنح اسمها الشهير “فيروز”.

وهو، بحسب الروايات، لبناني وُلد سنة 1919 في الناصرة بفلسطين، و/أو فلسطيني وُلد في صور بجنوب لبنان. وأيًّا كان الأمر، فقد تنقّل بين هذه الأماكن، مع فترة إقامة قصيرة في مصر.

له حكاية مع تونس

كان طيلة حياته موسيقيًا وملحّنًا ومطربًا وقائد أوركسترا، ورئيسًا لقسم الموسيقى في إذاعة حيفا ثم في إذاعة لبنان، ومؤسِّسًا وأمينًا لمكتبة الموسيقى العربية. وخلال مروره بالقاهرة، عمل ممثلاً لكنه اشتُهر أساسًا كملحّن لموسيقى العديد من الأفلام.

له أيضًا حكايته الصغيرة مع تونس. زارها مرة، على الأقل، سنة 1972، حيث فاز بالجائزة الأولى في تلحين “الموشحات” ضمن مهرجان نظّمه لهذا الغرض مجمع الموسيقى العربية.

لكنه أهدى تونس تحفتين موسيقيتين رائعتين. الاولى “جميلة قرطاج” التي تبدأ بـ”قسما بسحر عيونك الخضر” وهي قصيدة لصلاح جاهين لحنها وغناها هو بنفسه، و غنّتها ابنته ماجدة بشكل رقيق في أول حفل لها بقرطاج سنة 1980.

أما الأهم في نظري فهي تلك التي لحّنها لقصيدة أبي القاسم الشابي “إرادة الحياة”، والتي أصدرها وغنّاها بنفسه في عرض أول بتاريخ 28 أوت 1961.

وهنا بالتحديد “أربط بسهم” بين حليم الرومي وشخص يُدعى سيسيل حوراني (*). ما سأطرحه هنا غير مؤكَّد لكنه قد يكون قريبًا من الحقيقة، وأثق في عدد من الأشخاص (**) لتأكيد هذا الاستنتاج أو نفيه.

برنامج المؤسسين

من المعروف أن الرئيس الحبيب بورقيبة ومعاونيه في الحكومة والحزب والمنظمات الوطنية فكّروا في كل شيء عند بناء الدولة الوطنية الجديدة: في الصحة، وفي السكن، وفي التعليم، وفي الوقت نفسه في الثقافة. وكان لديهم برنامجهم الخاص بطبيعة الحال، وهو لمجرد التذكير مستوحى في خطوطه الكبرى من برنامج الاتحاد العام التونسي للشغل. لكنهم استعانوا بخبراء متخصصين. أحدهم سيسيل حوراني، اللبناني، الذي جعله بورقيبة مستشاره الدبلوماسي والثقافي من 1956 إلى 1967.

و لمن لا يعرفه، فإن سيسيل حوراني (*) هو صاحب فكرة إنشاء المركز الثقافي الدولي بالحمامات – المعروف سابقًا بـ”دار سباستيان” – الذي يحتضن منذ ستين عامًا مهرجان الحمامات الدولي ومديره لعدة سنوات. يظهر في الصورة اثناء تكريمه سنة 2014 من قبل وزير الثقافة مراد الصقلي.

وُلد حوراني (1917-2020) في مرجعيون بلبنان، على بعد نحو 30 كلم فقط – قياسًا بخط الطيران المستقيم – من مدينة صور، حيث وُلد حليم الرومي سنة 1919. كان الرجلان من الجيل نفسه تقريبًا، وكلاهما من أهل الفن والثقافة، وعملا في إذاعات ذلك العصر، معًا أو كلٌّ على حدة.

لحن راق لقصيدة راقية

وانسجامًا مع مشروع الدولة التونسية الناشئة الرامي إلى جعل الثقافة رافعة لإيقاظ العقول والتنمية والتثقيف، استخدم حوراني – كواحد من اطاراتها – كل الوسائل الممكنة لانجاز مهمته.

وبما ان الموسيقى هي احد أوجه الثقافة والفن والدعاية ايضا، فقد استغلها للتعريف بتونس الناشئة في زمن كانت فيه مصر مهيمنة على المنطقة، وذلك بمساعدة حليم الرومي الذي، بحكم براعته، اهتدى إلى فكرة عبقرية تمثلت في وضع لحن “راقٍ” لقصيدة “راقية”، لشاعرنا الكبير أبي القاسم الشابي، “إرادة الحياة”. وبعد أن غنّاها حليم بنفسه، أهداها في منتصف سنة 1963 إلى المطربة المصرية الكبيرة سعاد محمد، التي حوّلتها – كما قيل – إلى نشيد عربي رسمي، يُردَّد ويُنشد في جلسات جامعة الدول العربية.

هكذا، ارتبط الماضي بالحاضر من خلال خيط رفيع تصوره ونفذه بناة دولة الاستقلال ومازال صامدا في وجه عدة عواصف.

  • ملاحظات

(*) بمبادرة من مراد الصقلي، وزير الثقافة آنذاك، جاء حوراني إلى تونس للاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس المركز الثقافي الدولي بالحمامات.

(**) أقصد بالخصوص السادة عبد العزيز قاسم، ورضا النجار، ومراد الصقلي، وزميلنا مصطفى عطية.

(***) الإذاعة التونسية، في زمن كانت فيه نافذتنا على العالم، بثّت برنامجًا أسبوعيًا بعنوان “بشرّي وزحلة ومرجعيون”.وهي اسماء لثلاث مدن كبرى في لبنان، ولا استبعد ان حوراني كان وراءه.

مقالات مشابهة

توقفت منذ 2022 : إعادة تفعيل آلية اقتناء حقوق الاستغلال في المسلك غير التجاري للأفلام التونسية

فريق النشر Echaab News

مسرح أوبيرا مدينة الثقافة : فتح باب الترشح للإنتاج والإنتاج المشترك للأعمال المسرحية

فريق النشر Echaab News

خبير بيئي جزائري: “دعوا الغابات المحروقة تتجدد طبيعيا”

فريق النشر