هادية العرفاوي: البارومتر يعيد المعنى الاجتماعي للأرقام ويحوّلها إلى مساءلة للسياسات وكشفٍ لكلفة الخيارات

الشعب نيوز/ تونس - في تصريح لجريدة الشعب، شدّدت الأخت هادية العرفاوي الأمينة العامة المساعدة المسؤولة عن قسم العلاقات الدولية و العربية و المشرفة على إعداد النسخة الاولى من البارومتر الاقتصادي والاجتماعي للاتحاد، على أنّ نسخة سنة 2025 لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرّد “تقرير تأسيسي” يُضاف إلى رصيد الوثائق المتداولة، بل باعتبارها نقلة نوعية في حضور الاتحاد العام التونسي للشغل داخل النقاش العمومي. حضورٌ، كما تقول، يقوم على القياس والتحليل المنتظمين، ويربط الأداء الاقتصادي مباشرة بمصير الشغل، والقدرة الشرائية، ومنظومات الحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي.
مسافة واسعة بين “التعافي المعلن” و”الإنهاك الاجتماعي الفعلي”
وأوضحت العرفاوي أنّ أهمية هذه الوثيقة لا تختزل في الأرقام التي تضمّنتها، على الرغم من ثقلها ودلالتها، بل في كونها تفتح مسارًا رصديًا دوريًا قابلًا للتراكم، بما يجعلها مرشّحة للتحوّل إلى مرجع في تقييم السياسات العمومية، وفي تفكيك الخطابات الرسمية التي تختزل الأزمة في “منحنيات” وإشارات تقنية لا أثر لها على واقع الأسر. فالبارومتر، في تقديرها، لا يكتفي بتسجيل مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل يكشف المسافة الواسعة بين “التعافي المعلن” و”الإنهاك الاجتماعي الفعلي”، ويعيد طرح السؤال الذي يجري عادة الالتفاف حوله: ما قيمة النمو إذا لم يُنتج شغلاً لائقًا؟ وما جدوى تراجع نسب التضخّم إذا ظلّ الغلاء ينهك ميزانيات العائلات؟
وتتوقّف العرفاوي مطولًا عند مسألة تعتبرها محورية، وهي الفجوة بين التضخّم المقاس والتضخّم المعاش. فحتى حين تعلن الجهات الرسمية أرقامًا توحي بانخفاض نسبي، يبقى الواقع اليومي للأسر محكومًا بارتفاع كلفة الغذاء، والنقل، والسكن، والصحة، وهي نفقات قسرية تجعل هامش التصرّف أضيق يومًا بعد يوم. وفي هذا الإطار، ترى أنّ البارومتر ينجح في إعادة توجيه النقاش من تحسين النِسب والمؤشرات إلى حماية العيش الكريم، ومن إدارة الأزمة إلى تفكيك أسبابها البنيوية.
استمرار تآكل الأجر الأدنى وضعف آليات التحيين
أما في ما يتعلّق بالأجور، تعتبر العرفاوي أنّ الوثيقة تطلق تحذيرًا واضحًا: استمرار تآكل الأجر الأدنى وضعف آليات التحيين لم يعودا مسألة تقنية أو مطلبًا قطاعيًا، بل تحوّلا إلى شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي. وتؤكد أنّ الربط بين تطوّر الأجور وتطوّر الأسعار لم يعد ترفًا نقابيًا، بل ضرورة لحماية السلم الاجتماعية، لأنّ المجتمع لا يمكن أن يواصل تحمّل كلفة الأزمة عبر الأجور المجمّدة والقدرة الشرائية المستنزفة.
وعن سوق الشغل، تشير العرفاوي إلى أنّ البارومتر يلتقط جوهر الأزمة، إذ لا يختزلها في نقص مواطن الشغل، بل يبرز هشاشة التشغيل، واتساع العمل غير المنظّم، وضعف إدماج النساء، والشباب، وحاملي الشهادات العليا، وهو ما يجعل مردودية النمو ضعيفة حتى في فترات الانتعاش النسبي. وتشدّد على أنّ هذه الهشاشة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية أضعفت الاستثمار المنتج، وقلّصت السياسة الصناعية، وعمّقت الفوارق الجهوية.
الأزمة حصيلة اختلالات هيكلية مرتبطة بضعف النمو
وتصل العرفاوي إلى واحدة من أكثر نقاط البارومتر حساسية، وهي الحماية الاجتماعية، مؤكدة أنّ الأزمة ليست محاسبية ولا عابرة، بل حصيلة اختلالات هيكلية مرتبطة بضعف النمو، واتساع الاقتصاد غير المنظّم، وتراجع قاعدة المساهمين، وجمود الأجور. وترفض في هذا السياق المقاربات التي تختزل “الإصلاح” في تقليص الحقوق الاجتماعية أو الترفيع في سن التقاعد، معتبرة أنّ البارومتر يقدّم اتّجاهًا مغايرًا يقوم على إصلاح تضامني شامل: توسيع القاعدة، إدماج غير المنظّم، تحسين الأجور، وحماية الفئات الأضعف.
يعود الاحتقان ليصبح أداة التعبير الوحيدة
وفي ختام تصريحها، تعطي العرفاوي للحوار الاجتماعي مكانته المركزية، مؤكدة أنّ تعطّله ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل علامة على خلل عميق في إدارة الدولة للصراع الاجتماعي. فحين تُفرّغ آليات التفاوض من مضمونها، تتصاعد النزاعات ويعود الاحتقان ليصبح أداة التعبير الوحيدة. لذلك، ترى أنّ البارومتر لا يكتفي بتوثيق تعطّل الحوار، بل يربطه مباشرة بالاستقرار، وبالتنمية، وبالديمقراطية الاجتماعية، مؤكدة أنّ إعادة بناء الثقة وإحياء التشاركية ليست خيارًا سياسياً ظرفيًا، بل شرطًا لإنقاذ الاقتصاد والمجتمع معًا.
ضياء تقتق، الشعب الورقية 05 فيفري 2026


