الشعب أونلاين الجزائرية: مجزرة ساقية سيدي يوسف" صفحة مظلمة في تاريخ فرنسا

الشعب أونلاين الجزائرية/ سهام بوعموشة 8 فيفري 2026 - لا يمكن حصر جرائم فرنسا الإستعمارية في الجزائر، فسجلها ملطخ بدماء شعوب القارة الإفريقية وعلى رأسهم الجزائريين.
في 8 فيفري 1958، سجلت جريمة بشعة طالت اشقاءنا التونسيين، حيث قصفت فرنسا بطائراتها قرية سيدي يوسف الأمنة، بحجة حق تتبع عناصر جيش التحرير الوطني.
كان الدعم التونسي للثورة كبيرا، ويؤكد ذلك خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في خطابه أمام المجلس التأسيسي، قائلا: ” تونس المستقلة تتألم من الحرب الفاشية المسلطة على الشعب الجزائري الشقيق، وتصرح بأنها ستبذل كل ما في وسعها لتساعد على إيجاد الحلول السلمية، التي تضمن للشعب الجزائري حقوقه الوطنية ليسود الإطمئنان كامل أقطار شمال افريقيا، ويزول آخر عامل يعكر صفو العلاقات التونسية الجزائرية،..”، بحسب ما يؤكده الدكتور عبد الوحيد جلامة، في دراسة بعنوان “مجزرة ساقية سيدي وتداعياتها على القضية الجزائرية 1958-1962”.
تشير الدراسة إلى لقاء صحفي جمع الحبيب بورقيبة، مع مراسل جريدة الفيغارو، الفرنسية في 26 افريل 1956، عبر فيه الرئيس التونسي، عن مواقفه الواضحة من المساعدات التونسية للجزائريين في ثورتهم، وصرح أنه لا يتردد في تقديم يد المساعدة للثوار الجزائريين، وعبر عن رفضه وقف عمليات تمرير الأسلحة عبر الأراضي التونسية إلى داخل الجزائر. وقال: “.. لا يمكن أن نبخل بالإعانة على إخواننا الجزائريين وليست لنا مع ذلك نية استثمار الحرب على فرنسا، وإنه اذا طلب المتطوعون التونسيون خوض غمار الحرب مع الجزائر، فإنني لا أقوى على رفض ذلك الطلب، اما مدنا بالمساعدات العسكرية الفرنسية مقابل وقف الإعانة بالسلاح، التي تصل عن طريق التهريب، فإنه إلتزام يستحيل علي قبوله، لو طلب مني الإختيار بين فرنسا والجزائر لإخترت الإنضمام لإخواننا الجزائريين..”.
وحاول الرئيس بورقيبة، القيام بمساعي دبلوماسية لدى الحكومة الفرنسية اوائل سبتمبر 1956، حول مشاكل افريقيا الشمالية عامة والقضية الجزائرية بشكل خاص، وألح على ضرورة الشروع في مفاوضات مع الممثلين الرسميين لجبهة التحرير الوطني، والاعتراف برغبات الشعب الجزائري المشروعة.
بالمقابل، اهتمت الصحافة التونسية بالقضية الجزائرية عن طريق نشر اخبارها السياسية والعسكرية، وفي الوقت نفسه تقوم بالدعاية لها على المستوى الداخلي والخارجي، واستنكار الجرائم الاستعمارية الفرنسية.
ونقل الباحث جلامة، ما جاء في افتتاحيات جريدة L’Action التونسية : “..إن جيش التحرير الوطني الجزائري، وجد وسيجد في ترابنا وعلى أرضنا الملجأ والعون، من أجل الحرية إلى جانب إخوانهم، الذين سنساعدهم ماديا ومعنويا وبجميع الوسائل التي بحوزتنا…”.
أخوة متجذرة تاريخيا
أواصر الأخوة ببن الجزائريين والتونسيين في المنطقة عرفت انصهارا عائليا كبيرا بين الأسر الجزائرية والتونسية، عند احتلال فرنسا الجزائر وبعد قيام واحة الزعاطشة في 1849 بالثورة وقيام الجيش الفرنسي بتخريب الواحة، لجأ من نجى من الثوار الى نفطة وتوزر ونفزاوة، بإقليم الجريد التونسي، فآواهم السكان وقدموا لهم ولغيرهم من الفارين العون والمساعدة، ونفس الشئ فعلوه مع انتفاضة الشريف محمد بن عبد الله، الذي كان كثير التردد على تونس طلبا للراحة والبحث عن المدد وتمتين علاقته مع عدد كبير من اللاجئين الجزائريين.
شن غارات على الأعوان الفرنسيين داخل الحدود الجزائرية، وهاجر الكثير من المقاومين الى تونس ووزعوا في جهات عديدة من المنطقة، خاصة بعروش دريد، حيث قدمت لهم اسعافات ومساعدات مادية كالأغذية والخيام مقابل منعهم من القيام بأي نشاط حربي ضد الفرنسيين، الذين ضغطوا على الرسميين التونسيين، وأثناء ثورة التحرير قام الشعب التونسي بإيواء وحماية المقاومين الجزائريين وتأييدهم.
تذكر دراسات تاريخية ان اول من استوطن ربوع ساقية سيدي يوسف، في شكل تجمع سكاني صغير أفراد من قبيلة أولاد سيدي عبيد النازحين من التراب الجزائري، اضافة الى سكان جبال ورغة، الذين امتهنوا الفلاحة في الحقول المحيطة بالساقية، حيث شكلت النواة الأولى لظهور القرية، وفي 1847، تواجد على القرية قسم من أولاد سيدي عمر الغربيين الفارين من سياسة الإضطهاد المطبقة عليهم من طرف الاستعمار الفرنسي داخل الجزائر، الذين استوطنوا بالمنطقة قادمين من منطقة بئر العاتر، أين اشتغلوا بفلاحة الأراضي المحيطة بالقرية.
وتوافد جزائريون من منطقة القبائل، وشهدت القرية توسعا عمرانيا ونموا ديمغرافيا كبيرا، ومع انتصاب الحماية الفرنسية على تونس سنة 1881، اختيرت القرية كأول مكان تطأه أقدام الجيش الفرنسي، لما تكتسيه القرية من أهمية استيراتيجية خصوصا قربها من الجزائر، وكان ذلك في 24 افريل 1881.
تقع قرية ساقية سيدي يوسف، على الحدود الجزائرية التونسية على الطريق الرابط بين مدينة الكاف التونسية ومدينة سوق أهراس، واستخدمت القرية كقاعدة خلفية للعلاج واستقبال المعطوبين وملجأ للجزائريين الفارين من الإضطهاد الاستعماري، كما شكلت مركزا لعبور وتسرب وحدات جيش التحرير المدربين إلى الأراضي الجزائرية خاصة إتجاه الولاية الثانية والولاية الثالثة.
اسلاك شائكة للتضييق على المجاهدين
حاولت قوات الاحتلال الفرنسي، خنق الثورة بتقييد حركة السكان الجزائريين القاطنين على طول الحدود الشرقية، عن طريق اقامة المناطق المحرمة وتهجير سكان الحدود واجبارهم على الإقامة داخل محتشدات خصصت لإحتوائهم، وعملت على بناء حواجز من الأسلاك الشائكة والمكهربة المتمثل في خطي شال وموريس، من أجل محاصرة جيش التحرير والقضاء على الثورة، وحاولت ترهيب السكان القاطنين قرب الحدود، باتخاذ تدابير تتمثل في فرض حمل سكان المنطقة لإحدى البطاقتين اما تكون فردية أو جماعية، وجوازات المرور، التي لا تسلم الا بشروط.
وكثفت عمليات التفتيش ومضايقة السكان لترهيبهم ومنعهم من تقديم المساعدات للجزائريين، كما اعتقلت وعذبت المواطنيين التونسيين بغية انتزاع اعترافات حول عمليات تموين وتمويل الثوار الجزائريين، حيث لم تحترم بروتوكول الإستقلال.
مجزرة ساقية سيدي يوسف بحجة حق الملاحقة
لم تكن جريمة ساقية سيدي يوسف، الأولى بل سبقتها عملية اعتداء جوي على الأراضي الفرنسية على قرية بودرياس، قرب معتمدية فريانة، في 13 سبتمبر 1956، فجرحت النساء واحرقت عدد من الأكواخ مما اضطر بالعديد من سكان العشائر إلى الفرار.
وفي 24 ماي 1957، هاجمت قوات الاحتلال سكان قرية وادي الحوت، على الأراضي الجزائرية والذين اضطروا للفرار والإلتجاء للأراضي التونسية، وقصفت ليلة، 30 و31 ماي 1957 منطقة عين الدراهم.
ومع مطلع 1957، سمحت السلطات الفرنسية للقيادة العسكرية الفرنسية المتواجدة بالجزائر على اعتماد مبدأ حق الملاحقة لعمق يصل إلى 25 كيلومتر داخل الأراضي التونسية، من أجل تتبع أفراد جيش التحرير الوطني، الذين شنوا العديد من الهجمات على بعض الأهداف داخل الجزائر.
ولم يستثن المتعاطفين مع الثوار الجزائريين سواء من المدنيين الجزائريين أو التونسيين.
تحت غطاء حق الملاحقة، وقع اعتداء جوي على قرية ساقية سيدي يوسف، بعد أن أعطى الجنرال سالان، الضوء الأخضر للقيام بالهجوم على الساعة العاشرة صباحا، مستندا على مجموعة من التقارير العسكرية وبعض الصور الفوتوغرافية الملتقطة من طرف طائرة استطلاعية انجليزية الصنع بين 2 و7 فيفري 1958، واثرها تم تعيين وتحديد المناطق التي سيتم قصفها.
وفي حدود الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق من يوم السبت 8 فيفري 1958، أقلعت الطائرات العسكرية الفرنسية من قاعدة تبسة العسكرية، وقدر عددها حوالي 25 طائرة منها طائرة حربية مقنبلة من نوع ب 26 وست طائرات من نوع كورسير، وثماني طائرات من نوع ميسترال، لقصف قرية ساقية سيدي يوسف، بما يزيد عن خمسة وأربعين طنا من المتفجرات على شكل قنابل يتراوح وزنها بين خمسين وخمسمائة كيلوغرام.
استهداف مدنيين أطفال ونساء
بدأت عملية القصف بضرب مندوبية الساقية في وسط القرية، وكان اليوم انعقاد السوق الأسبوعي للقرية، وفرصة لتوزيع المساعدات على اللاجئين الجزائريين من الصليب الأحمر الدولي رفقة الهلال الأحمر التونسي، فلاذو بالفرار الا ان الطائرات الحربية الفرنسية طاردتهم ورمتهم بالقذائف اليدوية والقنابل الحارقة ونيران رشاشاتها، وطاردتهم إلى خارج القرية، كما قصفت المنجم القريب من الساقية معتبرة اياه مركزا لتدريب المجاهدين
دامت عملية القصف ساعة وعشرين دقيقة، ما أدى إلى خسائر كبيرة، حيث وصفت وسائل الإعلام الأجنبية الحادثة بالمجزرة الرهيبة والتي راح ضحيتها حوالي 76 شهيدا من مختلف الجنس والاعمار، 38 رجل تتراوح أعمارهم بين 18 و72، وتسع نساء ما بين 18 و65 سنة، وتسعة وعشرون طفلا منهم 20 من الذكور، وتسع من الاناث.
وبلغ عدد الجرحى 198 جريحا من مختلف الأعمار والجنس، ودمر حوالي 300 مسكن، و85 محل تجاري، ومدرستين ابتدائيتن ومركز إدارة الغابات وإدارة المناجم، إدارة البريد، مركز الجمارك والحرس الوطني، تدمير أربعة سيارات تابعة للجيش الوطني التونسي بمنجم وقرية الساقية، تدمير خمس سيارات مدنية، وسيارتان تابعتان للصليب الأحمر الدولي.
جريدة الشعب اونلاين الجزائرية


