وطني

مشروع القانون المتعلق بتعيين العمداء :  هل تُعاقَب الجامعة على استقلاليتها؟

 الشعب نيوز/ ضياء تقتق - في سياق تشريعي يتّسم بتوسّع منطق المركزية وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمؤسسات العمومية، أُودِع يوم الثلاثاء 20 جانفي 2026 لدى مكتب الضبط المركزي لمجلس نواب الشعب مشروع قانون يتعلّق بتنقيح القانون عدد 19 لسنة 2008 المنظّم للتعليم العالي، كما تمّ تنقيحه بالمرسوم عدد 31 لسنة 2011، وذلك بمبادرة مجموعة من النواب. وقد أُحيل المشروع، يوم الخميس 29 جانفي 2026، على لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، فاتحًا بذلك نقاشًا يتجاوز حدود الصياغة القانونية ليطال موقع الجامعة العمومية في الدولة، ومعنى الاستقلالية الأكاديمية، وحدود الحوكمة في ظل التحوّلات السياسية الراهنة.

ولا يبدو هذا المشروع منذ لحظة إيداعه، تعديلًا تقنيًا معزولًا، بقدر ما يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة ضبط آليات القرار داخل المؤسسات، وهو ما يفسّر حجم التفاعل الذي أثاره داخل الأوساط الجامعية والنقابية، ويجعل من مناقشته اختبارًا فعليًا لخطاب الإصلاح المعلن.

 خلفية تشريعية متحوّلة

يذكّر مشروع القانون، في شرحه للأسباب، بأن الإطار القانوني لسنة 2008 اعتمد مبدأ التعيين في اختيار رؤساء الجامعات، على أساس الكفاءة العلمية والإدارية، وبقرار من الوزير المكلّف بالتعليم العالي بعد استشارة الهياكل الجامعية. وقد مكّن هذا النظام، وفق مبرّراته، من ضمان حدّ أدنى من الانسجام المؤسساتي والاستمرارية في تنفيذ السياسات العمومية.

غير أنّ تنقيح سنة 2011، في سياق ما بعد الثورة، أدخل آلية الانتخاب باعتبارها الأساس في اختيار رؤساء الجامعات، في انسجام مع مناخ عام رفع آنذاك شعارات المشاركة، والاستقلالية، والديمقراطية داخل المؤسسات.

لكن بعد أكثر من عقد من التجربة، يرى أصحاب مشروع التنقيح أنّ نظام الانتخاب كشف عن اختلالات عدّة، من بينها ضعف التنسيق بين الجامعات والسلطة الإشرافية، وتراجع نجاعة المحاسبة الإدارية، وغلبة الاعتبارات الانتخابية والتحالفات الظرفية على حساب البرامج الأكاديمية والتسييرية.

مضمون المشروع: تعيين مُقنَّع بشروط

لا يدعو المشروع صراحة إلى عودة آلية التعيين بصيغتها القديمة، بل يقترح صيغة يُقدَّم فيها التعيين باعتباره تتويجًا لمسار ترشّح وتقييم. إذ يُفتح باب الترشحات أمام أساتذة التعليم العالي المشهود لهم بالكفاءة، مع إلزام المترشحين بتقديم برامج مفصّلة لتسيير الجامعة وتطويرها علميًا وإداريًا.

كما ينص المشروع على إحداث لجنة مستقلة تضم ممثلين عن الوزارة والمجالس الجامعية وخبراء، تتولّى تقييم الملفات والبرامج، قبل اقتراح قائمة قصيرة تُعرض على الوزير المكلّف بالتعليم العالي، الذي يرفعها بدوره إلى رئيس الجمهورية للتعيين بأمر. ويُحدَّد منصب رئيس الجامعة بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، في محاولة لإضفاء طابع زمني واضح على المسؤولية.

من التقنية إلى السياسة: قراءة الجامعيين

غير أنّ عديد الجامعيين لا يتعاملون مع المشروع باعتباره مجرّد تقنية تشريعية لتحسين الحوكمة، بل يرون فيه تعبيرًا عن تحوّل أعمق في فلسفة إدارة الجامعة. فانتخاب رؤساء الجامعات، رغم ما شابه من نقائص، كان يقوم على ثلاث مكتسبات أساسية: تكريس الاستقلالية الأكاديمية، إرساء مساءلة داخلية، والمساهمة في بناء ثقافة ديمقراطية داخل الفضاء الجامعي.

من هذا المنطلق، يُقرأ استبدال الانتخاب بالتعيين، حتى وإن تمّ عبر مسار ترشّح، كتحوّل نوعي ينقل الجامعة من فضاء علمي مستقل نسبيًا إلى مرفق إداري خاضع لمنطق السلطة التنفيذية. وهو تحوّل لا يُختزل في الإجراءات، بل يطال جوهر العلاقة بين المعرفة والسلطة.

التعيين وإنتاج «التفاهة الوظيفية»

يذهب بعض الأساتذة أبعد من ذلك، معتبرين أنّ تركيز سلطة التعيين بيد القرار السياسي يفتح الباب أمام منطق انتقاء لا يُكافئ بالضرورة الكفاءة أو الجرأة الفكرية، بل يُفضّل الولاء والسلامة السياسية. وفي هذا السياق، يُستعمل مفهوم «التفاهة الوظيفية» لا بمعناه الأخلاقي، بل بوصفه آلية لتفريغ المواقع القيادية من الشخصيات القادرة على النقد وصياغة الرؤى، وتعويضها بشخصيات غير مزعجة.

فالسلطة، وفق هذا التحليل، لا تخشى الأستاذ الضعيف، بل الأستاذ القوي والمستقل، القادر على إنتاج خطاب قانوني أو علمي مضاد. ومن هنا يُنظر إلى المشروع باعتباره جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى تحييد الجامعة بوصفها فضاءً نقديًا محتملًا.

 الالتفاف بدل الإلغاء

اللافت في مشروع القانون، كما في غيره من النصوص التشريعية الحديثة، أنّه لا يصرّح بإلغاء الاستقلالية أو الحرية الأكاديمية، بل يلتفّ عليها بخطاب إصلاحي كثيف يستعمل مفردات الحوكمة، والنجاعة، وتسريع القرار. وهو خطاب يُبقي على الشكل الإصلاحي، مع تفريغه من مضمونه الديمقراطي، بحيث لا تُلغى المشاركة بل تُفرَّغ، ولا تُلغى الحرية الأكاديمية بل تُحاصَر إداريًا.

 ذاكرة 2022: الجامعيين الذين قالوا «لا»

في خلفية هذا النقاش، يستحضر الجامعيون موقف عمداء وعميدات كليات الحقوق والعلوم القانونية في ماي 2022، حين أعلنوا اعتذارهم عن المشاركة في اللجان التي أحدثها رئيس الجمهورية في إطار ما سُمّي بـ«الحوار الوطني»، وتمسّكهم بحياد المؤسسات الجامعية ورفضهم الزجّ بها في مشروع سياسي أحادي.

ذلك الموقف، الذي استند إلى قيم الحرية الأكاديمية وواجب التحفّظ، مثّل رفضًا مؤسسيًا واضحًا للانخراط في مشروع الرئيس ودستوره، وقطعًا مع توظيف الجامعة كرافعة شرعية لمسار سياسي مغلق. ويرى عديد الجامعيين أنّ هذا الرفض لم يُغفَر، وأنّ مشروع التنقيح الحالي يمكن قراءته أيضًا كإعادة ضبط لموازين القوة داخل الجامعة، وتضييق لهوامش استقلالها.

* نشر المقال في الشعب الورقية بتاريخ 05 فيفري 2026