وثائقي

من الذاكرة النقابية: حين استخدم "مزالي" ايقاف الاقتطاع المباشر سلاحًا لتطويع الاتحاد.

تونس / الشعب نيوز - ضمن قراءة الملف الوطني المتعلق بإيقاف الاقتطاع المباشر لمعاليم الانخراط في الوظيفة العمومية والقطاع العام، تفرض العودة إلى السوابق التاريخية نفسها بوصفها مفتاحًا لفهم الحاضر. فالعلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة السياسية لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا من الوئام، بل تميّزت بدورات متكرّرة من التقارب والصدام، بلغت إحدى ذرواتها خلال مرحلة حكومة محمد مزالي، حين انتقلت السلطة من الحملة الإعلامية إلى إجراءات عملية استهدفت ركائز القوة المادية والتنظيمية للمنظمة الشغيلة.

فبعد محاولة تشويه القيادة النقابية في الفضاء العام، اتجهت الحكومة إلى ما يمكن وصفه بسياسة تجريد تدريجي من المكاسب التي راكمها الاتحاد منذ فجر الاستقلال. البداية كانت مع منشور 21 جوان 1984 المتعلق بما سُمّي «حق الانخراط والانسلاخ»، والذي أُلبس ثوب الحرية الفردية في الانتماء النقابي، بينما كان هدفه العملي تفريغ الاتحاد من منخرطيه وإضعاف تمثيليته داخل مواقع العمل.

ثم جاء منشور 10 سبتمبر 1984 ليحجّر اجتماعات النقابيين داخل المؤسسات، في محاولة مباشرة لمصادرة أحد أهم تجليات الفعل النقابي. غير أنّ الردّ لم يتأخر، إذ خاض قطاع التعليم الثانوي، مدعومًا بقوى تربوية أخرى، إضراب 25 أفريل 1985 الذي تحوّل إلى يوم وطني للحق النقابي، مؤكّدًا التمسك بحرية الاجتماع والتنظيم.

وبرغم الإيقافات التي طالت عددًا من الأساتذة، انتهى الصراع إلى اتفاق 22 ماي 1985 الذي أعاد – ولو جزئيًا – الاعتراف بحرية النشاط النقابي داخل المؤسسات خارج أوقات العمل.

غير أنّ المنعطف الأخطر تمثّل في إلغاء الخصم الآلي لمعاليم الانخراط، وهو مورد مالي أساسي مكّن الاتحاد لعقود من ضمان استقلاليته التنظيمية.

فقد اعتبرت حكومة مزالي هذا المكسب امتيازًا قابلًا للسحب، لا حقًا مكتسبًا، وسارعت – تزامنًا مع انعقاد الهيئة الإدارية في أوت 1985 – إلى إنهاء العمل بالاقتطاع المباشر، في خطوة هدفت بوضوح إلى تجفيف منابع تمويل المنظمة.

لكن التجربة التاريخية تُظهر أنّ الضغط المالي لم يؤدِّ إلى إخضاع الاتحاد بقدر ما ولّد ردّ فعل عكسيًا. فقد اندفع المنخرطون إلى تسديد الاشتراكات طوعًا، بل وتقديم اشتراكات مساندة، في تعبير جماعي عن الدفاع عن الاستقلالية النقابية. وهو ما أكده الحبيب عاشور آنذاك حين اعتبر أنّ الاتحاد قادر على الصمود إلى حين إعادة تنظيم منظومة الانخراط.

وتكاملت سياسة التضييق مع إيقاف العمل بالإلحاق النقابي، بما يعنيه ذلك من دفع المتفرغين النقابيين إلى الاختيار بين التخلي عن مسؤولياتهم أو فقدان وظائفهم، في محاولة لشلّ الفعل النقابي من داخله.

إن استحضار هذه السابقة التاريخية لا يندرج في باب التوثيق فحسب، بل يكشف أن مسألة الاقتطاع المباشر لمعاليم الانخراط كانت دومًا أكثر من إجراء مالي إداري؛ لقد كانت، في كل مرّة، مؤشرًا على طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيم النقابي: هل هي علاقة شراكة اجتماعية متوازنة، أم محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل المجتمع؟

ومن هنا تكتسب النقاشات الراهنة حول إيقاف الاقتطاع المباشر معناها الأعمق، باعتبارها امتدادًا لسؤال قديم متجدّد: استقلالية الاتحاد… بين الضمانات القانونية وموازين الصراع الاجتماعي.

ضياء تقتق/ الشعب الورقية 12 فيفري 2026.

* وهكذا ردت "البطحاء" على مناشير مزالي وأوامره.