جريدة الشعب نيوز
ثقافي

رشيدة عمارة : الحفر .. الجداول والبُعوث

الشعب نيوز / المنذر العيني –  الحفر فرح في الشّبهة عند المرور، يغور في ذاكرة ما، لا تستطيعه الورشة إلاّ عند الاستعجال من تلك الضّرورة تبديه وتبدي زينته على الألواح.

نسفر إلى ما يتعالق من كلّ شؤون الرّوافد حتّى يتسنّى الاندماج في تصريف الفواعل تتحمّس في تأثيث السّطح، مناخات من الحكي الدّاخلي تستعدّ بها الذّهنيّة وتستعيد، حتّى تغدق من مكرمة الإبرة ينفخُ صاحبها وينفح من طاقة حلميّة غائرة تترسّب في تأطير شواهد من حركة السّعي.
الرّسائل لا تشتدّ إلاّ في رحاها تدور وتغمس من مقتضايات أولى تنفتح على تأويليّة الاستلزام يُظاهر مَدَّه جدلاً من الوقائع والحقائق والأخبار. فتغدو تلك الأحافير مراسمَ لزواجاتٍ مقبلةٍ ترتقي حدّتها وهي تطبع الأثر بالأثر أو تتلاحم على ركحيّات شتّى جرّاء دوران مستمرّ من إجلاءٍ إلى إجلاء حتّى لكأنّ الأجواء حركةُ معصرةٍ من عسر إلى يسر.
المرادف في هذه الحياة التّشكيليٌة مفارق فنيّة تستنبت من الأفكار واجهات لها تغمض وتفصح في ٱن من الفكر إلى الحفر ومنه إلى الوجه.
وجه يرفل في ظلاله الاستعاريّة يلحُن في التّناسل والتّناسب والإرسال، بين ما أفرزه الموشور وما تحيله زواجات القربى من ٱيات. ورغم ما يشوب هذه التّداوليّة من مخاضات فإنّها لا تسقرّ إلاّ على الغرابات، كلّ حسب قدرته من المسافة تحبك صيرورتها لتقبض على حالة تنفلت باستمرار لكنّها هي حلقة الالتقاء مع المؤلّف أو مع الفنّان، يودُّ ولا يودّ.
تقاطعات كان لابدّ من رصد بعض إحداثيّاتها على هذه الشّبكة تجول فيها حركة الحفر وهي ترسم وهي تعبر وهي تقول تحت طائلة دَيْنِها من ضغطٍ إلى ضغط.
تصطفّ الهياكل على غير منوال بعد أن زواجتْ النّتوءاتِ بالأغوار واعتبرتْ من تعبئة الأحبار والأحماض، يحضر ما يعلق بالأعتاب، فتنشأ الوجوه أو تفزع من قيامتها تؤلّف ما تجرّده صفوف تلك العيّنات تتناول إشاراتها من الرّؤى تغرف من كلّ نوازلها في تخليق المعنى على دكّة السّطح، حركيّة تَسنّ مَتنها من هامشها يرقن حياته الأخرى مسرحًا حارّا لا يغفل عن تطهّره ولا ينسى انجرافه من اللّون.
الحفر شوق دائم من الٱداء الفنّي لا ينضبط لطريقة واحدة، عامل أمام أقواس الأرضيّة في متعدّدها تقبل أن تكون بساطا لمعمليّة أو لتطبيقات تحت المجهر، خَراجُها يكون من قسمة تضحي إقليديةً دائما تحتفظ بالبواقي من سائرٍ ودائرٍ ومتحرًك ومألوف ومتلوف وعائد وبائد ومحفوف ومقدّس ومدنّس وهجين ومجنّسٍ مصفوفٍ مقطوفٍ… لا ترضخ إلاّ لحَراك الحافر بين المشيئتين من الفكرة إلى التّقنية ومنها إلى العرض.
حقوق عَينيّة هذا الحفر في جداوله من المحاولة الفنيّة من إدراكٍ إلى إدراك، تبعث على التّفلسف أليس السّؤال حفرا أيضا يطرقُ يستغرق وقوعا ثمّ طيرانا يدور يلوّح من التّحقيق إلى التّحقّق أو أدنى منه إلى الشكّ في سوق الورشة اعتباراتٍ فنيّةً تلمس أيضا ما يُرى، وما لا يُرى من تقليد هذه المفارقة المقاربة.
 نحن إزاء مراهنة على ٱداء الحفر في وظيفيّاته المتعدّدة فاعلا ومفعولا مهيّئًا لامتدادات اللّوحة تتعرّض للرّؤية قد لا تكشف إلاّ ما تُغيرُه نتوءاتٌ أو ماتستطيع به أغوارٌ في ممرّات ما تفتأ تتكرّر في عتاوة الأجراح أحداثا متناثرةً من حياةٍ أسطوريّةٍ أو واقعيّةٍ وما فوقها لاحقةٍ في ٱن.
تقديم : 
تنفتح الإشارة أوّلا إلى المناسبة التي بعثت هذه الورقة حول الفنّانة التشكيليّة التّونسيّة رشيدة عمارة بمشاركتها في المعرض الجماعي بمدينة صفاقس مستندة إلى خبرة مدهشة منذ أن دأبت تعرض مع الجماعة في ملتقيات ومحطّات، أواخر الألفيّة السّابقة وإلى اليوم أيّاما وصالونات وأروقة ومتاحف وتظاهرات وفضاءات تدفعها الرّغبة في بياناتها من تجربة إلى أخرى في مسارات الحفر الفنّي قد أثّثت معارضها الخاصّة أيضا وطنيّا ودوليّا بين عواصم أروبا وجغرافيّاتها من باريس إلى بلغاريا وإلى ايطاليا…
وغيرها من عهود ومقامات أثرتها بأصناف من الأعمال الحفريّة شكّلت هيأة فنّانة لا تمتثل للنّمطيّة ولا تعترف بالوصول، منكبّة على طرائق شتّى من توليفات نظريّة تنظيريّة تؤسّس لدائرتها التّطبيقية على النّحاس وعلى اللّينو ضمن صيرورتها الفكريّة تقترب من حركة المشغل الانتمائي يعصر حدّته مع سؤال الهويّة التّونسيّة لا يهدأ أبدا، هويّة تتجسّد عبر الفنّ لا ينسى معاقله منذ القبصيّة الصّيّادة مرورا بكل الاعتبارات الانسانيٌة الحضاريّة فينيقًا ورومانًا شعوبا وقبائلَ تقبل وتنحدر إلى هذه الأرض تدوينًا يليه تدوين، من قبضة إلى قبضة تسعى إلى الحكي والانشاء، حكمتها السّريّة الجهريّة أن لا تكون إلاّ في الفعل يبصم وشمه في الفنّ حفرا ورسما وتركيبا وحياكاتٍ ودقّا ونقشا وملابساتٍ.
هل معنى ذلك أنها تحاول أن تكون!؟ أي نعم. الحيازة الفوقيّة من النّظر التّساؤلي ومن حفريّات عن المعنى في طقوس متنوّعة عند رشيدة عمارة هي البوصلة إلى الاشارات الحفريّة تتحرّك على مساحات وجيوب وأكفّ ومضايقَ ووجناتٍ وربواتٍ من منتجعاتٍ وأطباق…
ما تنفكّ تحدث فجواتٍ في صِلاتٍ وعلائقَ حول ما يمكّنه الحفر، أن تُحدث به ذلك الانطباع الضيّق في مشهديّاتِة المقتطعةِ الجزئيّةِ إرسالا يحيل في فردانيّاتِه تتساور في الرّقص والطّيران تتعاضد من حين إلى حين، حتّى أنها تنفصل إلى لوحات صغيرة وشقوف تنبئ على الجمع، على حالتنا الجمعيّة في طريقته هذه من البثّ أو الجهر وذلك بالحفر منتبذا تحفيزيًا دافعا يؤطّر أزمنة من حياة الفنّانة حين تجسّ مناطقَ من روحانيّاتٍ فالتةٍ لحدث الحياة هذه يقابله حدث الموتِ حدث البعث في صروف قيامته من جديد، عبر جبهات من المقاومة حتّى تتقدّم بنفسها أوّلا لتكون هي ولنكون نحن، في كل مرحلة من هذه المراحل وهي تُدخل المصفوفة تحت دولاب الديوان الواحدة بعد الأخرى من عدد الإصدارات أو المسحوبات، تترقّب نتاجها، حصادها من تلك الزّواجات.
 هل تنتهي مثل هكذا عمليات من الولادات؟ الإجابات انفتاح ٱخر من دهشة الأخذ في كلّ مرّة من جديلة فكريّة طائشة شعريّة فلسفيّة تأمليّة قد تتماسّ مع كينونتها الفازعة من عامريّةِ شخصيّة متأهّبة للقنص تؤدّيها على هذه الجدران والأبساط تتراصف على ناصية الحلم أملا سعيا دامغا إلى التّرسيخ من نشأة الفكرة إلى اليد تدقّ إيقاعاتها الطّفوليّة، عبر منحيات كأنّها الابتداء يجنّح في العمق بعيونٍ نقاطٍ ثاقبةٍ، وأصابعَ على الرّمل أو على واجهات كالبلّور متزلّجة لاتكاد ولاتنضبط تعوم في أرحامها، تهيج أشطارَ منعرجاتٍ وأقواسٍ، وهيئاتٍ دفينة هجينة في لحمتها الخطيّة متشابكة من نحت الذّات تتخلّق معها إيقاعاتٌ تنحو إلى موسيقات داخلية من وشائج الحلقات تتكاثر في ذوات مشابهة وهي تتخفّى في بواطنها النّفسيّة معوضّة ذلك بطاقة الإنشاء حول المواضيع والمناسبات.
المناخات دائما تديرها إرادة التكوين عند رشيدة عمارة، هي بوهيميّة ثاوية غنيّة، لا تنزع لإقناع أي أحد إلاّ لإخلاصها في هذا الحفر الرّاقص منتقلة بين المساحة والأخرى من خنقةِ الجراحة على النّحاس إلى فسحة الورشة على المطّاط تطير بروحها تلوّن وتحوّل، لا تتوسّل إلاّ غايتَها من غليان الفكرة داخلها تتراوح في الإمكان، لا ترضى بالّذي هو أدنى إلاّ لتتجادل مع الّذي هو خير من كوكبة إلى كوكبة، في فرادة الأخذ من مسح إلى مسح ومن تجديف إلى ٱخر عبر متواترات النّظر في المرٱة امرأة سليلة عليسة وحفيدة الكاهنة، صورةً من أرْوى، صديقةً تلميذةَ صفيّة فرحات…
نفيسةَ المرأة التّونسيّة في اعتدادها بنسويّتها الفائرة في معاصرة جديرة بالذِّكر… في تجاريدها شبهةٌ من خريطة تونس عبر ٱخر الطّرازات للوجه للجسد يحفر ذاته من جديد على ظهر الأزرق متوسطه الأبيض يشرق في ألوانه وينشر ألواحه على مرّ الأزمنة أو في محاربها في أمحاحها الصّفراء، من عارضة للَقطة ما في الممرّ غائرة في الذّاكرة أو في المصادفة الحيّة إلى حضرةٍ من محفل أو مأتم ٱت.
أنساق متداخلة تعبر الورشة حتّى تترامى على المقربة، ذلك ما تمكّنه المحفورات من كلّ هذه الإدلاءات تخطّ دقيقةً أعمالَ الحفر في لامتناهياتِه من الشّروط التّقنيّة حتّى تتنامى تشكّل بعوثا من التٱويل والحيوات.
الحفر : الجداول والبعوث
لا تُصادم الحافرة رشيدة عمارة ما تولاّه الموروث التّشكيلي التّونسيّ في نزوعه إلى المشهديّة تتٱلف بين الأضواء من الرّيف إلى المدينة ومن السّقائف إلى المروج والأسواق… في تسويغ رومنطيقي واقعي انطباعيّ وتشخيصيّ بائن، ذلك أنّها اقتطفت من تلك الرّوافد حساسيّة عين دقيقة غائرة إلى الظّاهر تحوّله بكلّ سرديّة الحاكي في حقن متعلّقاتها بدسوس فوق الجلد فوق اللّحد، قد نسمع رنينا أو نرى دبكة أو نلمس عباءة شاهدة أو نشمّ رائحة من عطور من كلّ ما يتبرّج على السّطح من كائنات حاضرة صامتة صاخبةٍ في ٱن، مهيّأة للانفجار تنبثق من مجرّات صغيرة حافلة تنفلت من الرّوتينيّ القاتل فهذا ما تعاينه التّجربة في ” البحر الأزرق” أو في ما سبقها من ملمحيّات ” الاوديسة”… تسميات
اشتغلت عليها الفنّانة في رصدها للمجاور يتعالى بمعانيه من الإخبار إلى بياناته من الإنشاء يطفح كيلُه من المشابهة ومن المعارضة يقيم الدّليل على جدل في النّماء من مسحوبةٍ إلى أخرى لا تتطابق قدر ما تفضي إلى محون من أسئلة حول النّجوى وحول الجدوى في سينوغرافيّات تتهدّل منها أصوات تتمسرح على الظّهر في ما يشابه الرّكح، قد نعلمها في شطحها الصّوفيّ.
كساوَى منشورة تفتح البصر إلى حكايا على القارعة أمام عين الشّمس تخشن في ظلالها من الخطوط، تسعى الرّشيدة أن ترقّق في حفرها الجانبيّ حتّى تظهر وكأنّها مرسومة مرتجفة رغم صرامة التّقنية ولزوم الطّباعة حتّى تحافظ على دهشةٍ من تلك الهشاشات لشخصيّات تعبر في ظرافتها من الحجوم تتعرّى في مهرجانها الخارجيّ الدّاخلي من دائرة الانتماء.
الأثواب من أهراج قياماتٍ تسرّ النّاظرين، هيئة “مادونا” بسحابة شعرها لا تفيد إلاّ ذاتيّة المنشئة أيضا في حتميّة هي قراءة نفسانية تتكرّر من نطف مضت وأخرى ٱتية تكتب أثرها في غيرإعلان، في غير تصميم مسبق، تعزيزُ دلالاته فقاقيع لونية تنبت في الهامش ممّا يقتضيه الإسراع لا يهاب النّقد في تلك المتناولات في كلاسيكيات المنظور، هكذا تنحو خطوطها تُراكم ما انجرّ من زيادة أو نقصان، من جوع ومن كبد يتمظهران متنافرين منسجمين في الإراقة تتناوب في الدّوران، دليل الحركة والمجون.
فالاحتراف يمضي بعثُه في ذلك العبث الطّفولي كأنّه مؤشّر حادّ هازئ للعناقيد من شخصيّاتها تتلوّى في جاذبيّة مخصوصة مملوءة بالأدهان أو فارغة منها، وما تلك المعلّقات من الأثواب إلاّ شهود عيان على ما يحصل، فتضحي النّصب الرّقيقة تجاويف من أسرارنا مبلّلة بخطابات تستحمّ من رجائها الدّينو زوسي من لذّة ومن حرمان، أو عسكر من كتائب الواقع تتجرّد من ضوضائها لتقيم في زاوية من زوايا العرض بألوية ذخائر وحاجات.
الخطوط ترعى انزياحاتها من تمثّل إلى ٱخر يتشكّل في حفره وهو يدنو من الإشارة أكثر من التّعبير يخفق في بدائيّة واضحة، لعلّها مناخات من السّحر أو التقرّب تنجذب إلى تصوّف وذلك ما تستوجبه الغاية من رسومات مجنّحة تطلب الإفاضة الطّقوسيّة الخاصّة لا تفرز منها الأنثى من الذكر وهما إلى نواة الدّائرة يتكرّان على غير منوال.
أعمال تتواتر في منجرّات من سياقات تفكيريّة تفكّرية تستند إلى عيّنات نضجت رشيدة عمارة في هضم دوائرها من فكرة الانكشاف لمارتن هاديڨار في مقولته حول أن الفنّ لايزيّن العالم فهو يكشف ماكان مستترا فيه ولا يصفه قدر ما يفتح حقائق شتّى من المتعلّقات. هذا التوزّع الفلسفي ما يفتأ يثمر في تجسيداتها التّعبيرية يعلي من شأن المادّة المحفورة تصبح هي الحاملة للمعنى، مخدوشة متأكلة مطروقةأو معروقة… تجابه أزمنة وفصولا فتعود للسّطح هيبتُه التي لا تحيد عن ضخّ مثل هكذا تأويلات تتذكّر في أثرها من فراغها من امتلائها من حركات تتجدّد عند المباشرة.
الصّورة حينئذ ليست في محلّ منافسة على الاكتمال قدر ما هي إرادة في قول علامات سيميائيّات مخضّبة بالشّعر نسقا خافقا داخليّا يفتح ويغمُض في رؤيته للعالم وتعاطيه مع التلقّي، يتعاضد مع تلك المنحنيات من تدفّقات جول دولوز او مع داريدا في رصده الغياب الباقي من أثر ما أو في حضوره غير المكتمل، أو مع باشلار في ذاكراته الحسيّة للمادّة تتنامى في تشكيلاتها صوب التّعبير. فالمعنى من تقصّد الفنّانة لوعيها الفلسفي هو تأثيراته على ترشيحات تواصليّة تعلو بالعمل الفنّي من غاية الرّضا إلى حافزيّة مغايرة لا تشبع نهم البحث وشبق الورشة.
بعوث خفاقّة تتمثّل في حمّى هذه المخرجات تتناهى إلى عودة بالأسئلة عن معنى الجماليّة الفنيّة يداورها الحفر ينغمس في مادّته تترامى أطرافها بأفكارها من القريب إلى البعيد تسعى أن يشاركها الرّائي في لقاءاتها مع الغائر من الأفكار .
رشيدة عمارة فنّانة دؤوبة، خلقت عالمها الخاصّ، فصيحة في تشكيلاتها الحفريّة عَبرت ذاكرة من هويّة نضّاخة عبر المراكمة والدّوران، حلقتها تشبك من المادّة عناصر حيّة من طفولة غائرة على السّطح ومن تشييع للنظر من المجاور والقريب تحفر في نسغه تملؤه حياة فيملؤها، وتعليه فيعليها.

مقالات مشابهة

بعد مصر و الجزائر : جائزة أفضل ممثل لحلمي الدريدي لدوره في فيلم ” الروندا 13 “

فريق النشر Echaab News

الحومة تتحوّل إلى ركحٍ في الهواء الطلق : موسيقى و سينما و مسرح في مهرجان حي هلال الحضري

فريق النشر Echaab News

تنظم بين 12 و19 ديسمبر 2026 : مختار العجيمي يدير أيام قرطاج السينمائية

فريق النشر Echaab News