لم يعد السؤال اليوم : هل تملك تونس حلولا شاملة لمعالجة معضلة البطالة ؟ فهذه قضية وطنية مركبة ، لا تُختزل في قانون واحد بل تتطلب خيارات اقتصادية وتنموية واجتماعية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل اللائقة . لكن في المقابل ، هناك قانون عدد 18 لسنة 2025 ، الذي جاء لإنصاف فئة من أصحاب الشهادات العليا الذين استنزفتهم سنوات البطالة الطويلة ، وقد استوفى مساره التشريعي الكامل ودخل حيز النفاذ منذ أكثر من سبعة أشهر . كما أن الفصل 57 من قانون المالية لسنة 2026 حسم مسألة الاعتمادات المالية الخاصة بانتداب الدفعة الأولى . لذلك ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس : هل يوجد قانون أو إمكانيات ؟ بل : لماذا ما يزال التنفيذ غائبا ؟؟
لم تبلغ القضية هذا المستوى من الحضور الوطني صدفة ، بل عبر مسار نضالي متصاعد تعزز بالتحرك الوطني يوم 11 جوان 2026 ، ثم بالتحركات الجهوية التي وحدت أصوات أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل في مختلف الجهات ، قبل أن يبلغ ذروته في التحرك الوطني يوم 8 جويلية الفارط ، حيث فرض أصحاب الحق بوحدة صفهم وإصرارهم ، عودة ملف القانون عدد 18 إلى صدارة النقاش الوطني. ولم يكن ذلك دفاعا عن امتياز جديد بل مطالبة بتنفيذ قانون نافذ أقرته الدولة نفسها .
ورغم هذا الضغط الاجتماعي المشروع ، ما تزال السلطة تُدير الملف بمنطق التصريحات والتطمينات أكثر مما تُديره بمنطق التنفيذ .
فمنذ أشهر ، تتوالى الوعود وتتغير الخطابات وتتعدد الروايات ، مرة يُقال إن المنصة في طور الإعداد ومرة إن الأمر الترتيبي قيد الاستكمال ، ومرة تُحمل المسؤولية للإدارة أو للإجراءات التقنية … غير أن هذه السرديات لم تعد تقنع أصحاب الحق ولا الرأي العام ، لأن الوقائع أصبحت أوضح من أن تُحجب بخطاب إداري متكرر .
ففي نظام تتركز فيه السلطة التنفيذية ومفاصل القرار في قمة هرم الدولة ، لا يمكن اختزال تعطيل تنفيذ قانون نافذ في مجرد إشكال تقني أو بطء إداري. وعندما يكون النص موجودا والاعتمادات مرصودة والالتزام السياسي معلنا ، فإن استمرار التعطيل لا يُقرأ إلا باعتباره غيابا للإرادة في الانتقال من مرحلة الوعد إلى مرحلة التنفيذ .
ولعل أخطر ما في هذا الملف أن الزمن ليس عنصرا محايدا ، فكل يوم تأخير لا يعني فقط تأجيل إجراء إداري بل يعني أعمارا تُستنزف وكفاءات تُقصى وحقوقا تتآكل . وما لا يمكن تعويضه ، مهما كانت التبريرات هو السنوات التي ضاعت من حياة آلاف أصحاب الشهادات العليا الذين تجاوز كثير منهم سن المشاركة في المناظرات الوطنية ، ولم يبق أمامهم سوى القانون عدد 18 باعتباره آخر أفق للإنصاف .
ومن المؤسف أن بعض الأصوات ما تزال تدعو أصحاب الحق إلى مزيد من الصبر، أو تربط التنفيذ بظروف البلاد وإمكاناتها.. غير أن هذا الخطاب لم يعد مقنعا ، لأن الدولة حين تعتبر ملفا أولوية ، توفر له الوسائل والإمكانات والقرار السياسي . أما مطالبة آلاف المعطلين بمزيد من الانتظار بعد سنوات طويلة من البطالة وبعد صدور قانون نافذ ، فهي ليست دعوة إلى الصبر بقدر ما هي مطالبة بقبول استمرار الظلم والغبن الاجتماعي .
إن احترام القانون لا يُقاس بعدد النصوص التي تُنشر في الرائد الرسمي بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى واقع. وهيبة الدولة لا تُبنى بكثرة الخطب أو الاجتماعات أو البلاغات ، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون يسري بالفعل وأن الحقوق لا تبقى رهينة الانتظار أو التأجيل.
لقد أثبت أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل خلال الأشهر الأخيرة ، أن نضالهم كان سلميا ، منظما ومسؤولا ، وأنهم لم يطالبوا إلا بتطبيق قانون أقرته مؤسسات الدولة نفسها واليوم ، لم يعد المطلوب تفسير القانون أو إعادة تأويله ولم تعد المشكلة في غياب النص أو التمويل ، بل في استكمال آخر حلقة من حلقات الدولة : حلقة التنفيذ .
إن امتحان الدولة الحقيقي اليوم ليس في إصدار الوعود بل في احترام التزاماتها . فحين يصبح تنفيذ قانون نافذ محل انتظار لأشهر طويلة فإن القضية لم تعد قضية تشغيل فحسب بل أصبحت قضية مصداقية الدولة وهيبة القانون . لأن الدول تُقاس ، في نهاية المطاف ، ليس بما تقوله لمواطنيها بل بما تنجزه لهم .
