اللامكان في التاسع قسم من سنة 270 تلميذ قمري .
الى السيد المدير ، الى السيد الناظر
الطالب : أستاذ أول مميز درجة استثنائية في سد الشغور

الموضوع : استفسار ، هل مهمتي أن أحرر العقول أم أن أقولبها؟
سيدي المدير، سيدي الناظر،
لم أطلب مقابلتكم لأشتكي من جدول التسعة أقسام، ولا من ثقل المحفظة، ولا من إكتظاظ القاعات ، و لا من غياب المقاعد للتلاميذ و لا من السبورة المتهالكة و لا الابواب المهشمة و لا الانارة المنعدمة جئت لأسألكم سؤالاً فلسفياً بسيطاً، سؤالاً لم أجده في دليل الإجراءات الإدارية:
ما هي مهمتي بالضبط؟
عندما درست الفلسفة، وعندما اخترت تدريسها، تعلمت أن مهمتي كما قال كانط هي إخراج الإنسان من قصوره الذي هو عنه مسؤول ، أن أعلّمه كيف يجرؤ على استعمال عقله. التعليم إما أن يكون أداة لتحرير الإنسان، أو أداة لقهره.؟
لكن ما تطلبه مني الإدارة اليوم يذهب في اتجاه ثانٍ تماماً.
أنتم تطلبون مني قولبة العقول
تطلبون مني أن أُنهي البرنامج في موعده، أن تكون نسبة النجاح مرتفعة، أن تكون أعداد التلاميذ في الفروض متقاربة مع المعدل المطلوب، أن تكون كراس النصوص مستوفاة الشروط، ودفتر المناداة مضبوطاً. لا أحد يسألني: هل فكّر تلميذ حقاً؟ هل تحرر من فكرة خاطئة؟ هل تجرأ على أن يقول “لا”؟
الفلسفة التي أدرّسها تقول للتلميذ: لا تصدق الجاهز. والإدارة تقول لي: التزم بالجاهز.
والأخطر، أنكم تطلبون مني أن أساهم في **بضْعنة التعليم**، تحويله إلى سلعة.
أصبح التلميذ “زبوناً” يجب إرضاؤه، والولي “حريفاً” يجب طمأنته بالنقطة، والمدرسة “مؤسسة خدمات” يجب أن تُظهر أرقاماً. وأصبحت أنا، بعد 28 سنة، مجرد “مزود خدمة” مطالب بأن يسلّم البضاعة: درس جاهز، ملخص جاهز، إصلاح جاهز للباكالوريا.
أين تحرير العقول و بناء الإنسان في كل هذا؟
عندما أدرّس تسعة أقسام، بـ 270 تلميذ، لا أستطيع أن أحرر أحداً. أستطيع فقط أن أقولب. أمرّ كآلة، أوزع نفس الورقة، أكرر نفس التعريف للحرية وأنا غير حر في وقتي، أشرح الاغتراب عند ماركس وأنا مغترب عن عملي.
أستاذ الفلسفة لا يُقاس بعدد الأوراق التي ملأها، بل بعدد العقول التي أقلقها. لا يُقاس بمدى التزامه بالبرنامج، بل بمدى قدرته على جعل تلميذ واحد على الأقل يخرج من القسم وهو يقول: “ما كنت أظنه بديهياً لم يعد كذلك”.
فهل تريدون مني أن أُنتج تلاميذ يفكرون، أم تلاميذ ينجحون فقط؟
هل تريدون عقولاً حرة، أم ملفات مطابقة للمواصفات؟
أنا لا أرفض النظام، أنا أطلب معناه. لأنني بعد 28 سنة، أخاف أن نكون نجحنا إدارياً وفشلنا فلسفياً وإنسانياً.
مع الاحترام،
أستاذ الفلسفة – 28 سنة خدمة – 9 أقسام
