جريدة الشعب نيوز
آراء حرةنقابي

بين بياني صفاقس وبن عروس : ارتفاع الخطاب النقابي أمام أزمة تتسع

تكشف قراءة بياني الاتحادين الجهويين للشغل بصفاقس وبن عروس عن تقاطع واضح في تشخيص الوضع العام، وعن ارتفاع ملحوظ في مستوى الخطاب النقابي، ليس فقط من حيث حدّة المواقف، وإنما أيضاً من حيث طبيعة القضايا التي أصبحت مطروحة، فالبيانان لا يكتفيان بالمطالب المهنية أو القطاعية، بل يتعاملان مع جملة من الأزمات باعتبارها مترابطة، وتكشف في مجموعها عن أزمة بنيوية مركبة تتجاوز الاختلال الظرفي في هذا القطاع أو ذاك.
تتمثل نقطة الالتقاء الأولى في الوضع الاجتماعي والاقتصادي. فالاتحادان يتوقفان عند ارتفاع كلفة المعيشة، واضطراب التزويد بالمواد الأساسية، وتدهور الخدمات العمومية، وخاصة الماء والكهرباء، إلى جانب اتساع الفوارق الاجتماعية وتراجع القدرة على ضمان الحد الأدنى من مقومات العيش. ومن الواضح أن هذه الملفات لم تعد تُقرأ باعتبارها مشكلات منفصلة يمكن معالجتها بقرارات جزئية، وإنما باعتبارها مظاهر لأزمة أعمق تمس قدرة الدولة على الاستجابة للحاجات الأساسية لمواطنيها.
ويتقاطع البيانان كذلك في الربط بين الأزمة الاجتماعية وانسداد الأفق أمام الشباب. فالهجرة غير النظامية لا تظهر هنا كظاهرة منفصلة عن الواقع الداخلي، وإنما كنتيجة من نتائج فقدان الأمل وتراجع فرص العمل والشعور بانسداد المستقبل. ولذلك يستحضر البيانان مأساة الشباب الذين يختارون المخاطرة بحياتهم، بما يؤكد أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تختزل في المقاربة الأمنية، بل تقتضي معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إليها.
ويبرز في المستوى السياسي تقاطع آخر أكثر أهمية، يتمثل في رفض الانفراد بالقرار وتهميش الحوار والتفاوض والتشاركية.
فالبيانان ينطلقان من أن الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يُبنى خارج الحوار مع القوى الاجتماعية، وأن المنظمات الوطنية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد هياكل احتجاجية، في حين أن لها، بحكم طبيعتها ودورها التاريخي، موقعاً في النقاش حول الخيارات الوطنية الكبرى،ومن هنا يأتي الارتفاع في نبرة الخطاب. فبيان بن عروس يضع بوضوح مسألة الحوار والتشاركية ورفض الإقصاء والانفراد بالقرار في صلب موقفه، بينما يذهب بيان صفاقس خطوة أبعد عندما يحمّل صراحةً منظومة الحكم القائمة مسؤولية العجز عن إدارة الشأن العام، ويرفض أن تتحول الأزمات إلى مادة لتوزيع المسؤوليات على الآخرين أو إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطاب المؤامرة والتخوين.
وهذه ربما إحدى أهم النقاط التي يجتمع عندها البيانان: رفض تحويل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية إلى معارك خطابية، بدل مواجهتها بسياسات وقرارات قابلة للقياس والمساءلة، فارتفاع الأسعار لا تعالجه الاتهامات، واضطراب التزويد لا يحلّه الخطاب السياسي، وانقطاع الماء والكهرباء لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الظرفية، كما أن هجرة الشباب لا يمكن إيقافها بالشعارات.
واللافت أيضاً أن البيانين يعيدان التأكيد على الدور الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل، بما يتجاوز الوظيفة النقابية المباشرة.
فالمسألة، وفق هذا الخطاب، لم تعد تتعلق فقط بالدفاع عن مصالح الأجراء، وإنما بالدفاع عن القدرة الشرائية، والخدمات العمومية، والعدالة الاجتماعية، والحقوق والحريات، والحوار الوطني، أي عن شروط الاستقرار الاجتماعي والسياسي نفسها.
ومن هذه الزاوية، فإن ارتفاع سقف الخطاب الجهوي لا ينبغي قراءته فقط باعتباره تصعيداً ضد السلطة، وإنما باعتباره مؤشراً على اتساع الفجوة بين الواقع الاجتماعي وقدرة منظومة الحكم على احتوائه. فعندما تتزامن أزمة الماء والكهرباء والأسعار والتزويد مع البطالة والهجرة وتراجع الثقة وغياب الحوار، فإن تراكمها ينتج وضعاً مختلفاً نوعياً عن مجرد تعدد الأزمات.
الأهم أن صدور مواقف متقاربة في تشخيصها من جهتين نقابيتين كبيرتين مثل صفاقس وبن عروس يكشف أن القلق لم يعد محصوراً في قطاع أو جهة بعينها، ونقاط الالتقاء بينهما تشير إلى شعور يتوسع داخل القواعد النقابية بأن معالجة الوضع لم تعد ممكنة بالآليات التقليدية نفسها، وأن استمرار الانسداد قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي.
لذلك، فإن المؤشر الأبرز في البيانين ليس فقط ارتفاع لهجتهما، وإنما انتقال الخطاب النقابي تدريجياً من سؤال المطالب إلى سؤال إدارة البلاد: كيف تُدار الأزمات؟ كيف تُتخذ القرارات؟ ما موقع الحوار؟ من يتحمل المسؤولية؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؟
وفي ظل أزمة بنيوية مركبة، تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمشكلة لم تعد في وجود أزمة واحدة يمكن انتظار انفراجها، وإنما في تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وسياسية تتفاعل فيما بينها. وكلما غاب الحوار وتراجعت قدرة المؤسسات على تقديم حلول ملموسة، ارتفع منسوب التوتر داخل المجتمع، وارتفع معه بالضرورة سقف الخطاب النقابي،وبذلك، يمكن النظر إلى بياني صفاقس وبن عروس باعتبارهما إشارتين واضحتين إلى أن الاحتقان الاجتماعي بدأ يفرض نفسه مجدداً كقضية سياسية ووطنية، وأن تجاهل هذا المؤشر أو اختزاله في مجرد «تصعيد نقابي» قد يكون قراءة قاصرة لطبيعة التحولات الجارية في البلاد، فالاستقرار لا يصنعه الصمت، وإنما القدرة على معالجة أسباب الغضب، وفتح قنوات الحوار، وتحويل الأزمات المتراكمة من موضوع للتجاذب إلى مجال للمسؤولية المشتركة والحلول الفعلية.

مقالات مشابهة

إتحاد بن عروس يرفض تدهور المقدرة الشرائية ويدعو إلى الحوار والعدالة الاجتماعية

فريق النشر Echaab News

إتحاد صفاقس يدين عجز السلطة عن إدارة الشأن العام و يرفض سياسة الإقصاء

فريق النشر Echaab News

السالمي : سنساند كل النضالات النقابية و كل الخيارات مطروحة في المستقبل

فريق النشر Echaab News