بقلم المولدي الزوابي – بتّ مقتنعًا، بعد سنوات من المهنة والمتاعب و… أن الصحافة قد تتحول إلى جريمة يُؤاخذ عليها الصحفي، لا لأنه خالف أخلاقياتها أو ضوابطها المهنية، وإنما لأنه آمن بها أكثر مما ينبغي.
جريمة، عندما يصدق الصحفي، وفي لحظة الاقرب أنها لا تغتفر، أن الصحافة يمكن أن تكون أحد محامل مناعة البلد وتقدمه وسلامته، وأن الدفاع عن الدولة لا يكون دائمًا بالتصفيق لها، وإنما أحيانًا بكشف ما يهددها من الداخل.
بتّ مقتنعًا أن الصحافة جريمة عندما يتمسك الصحفي بضوابط المهنة وأخلاقياتها، وعندما ينسى أن وظيفته، في نظر البعض، ليست أن يجعل الواقع أجمل مما هو عليه، بل أن يراه كما هو، وأن يضعه أمام الناس بكل ما فيه من نقائص واخلالات وتجاوزات وانحرافات وماكياجات وايجابيات ايضا.
جريمة عندما يعتقد الصحفي أن من حق المواطن أن يعرف، وأن من واجبه هو أن يبحث عن الحقيقة، لا أن يكتفي بالرواية الجاهزة.
جريمة عندما ينحاز إلى المظلومين، إلى أولئك الذين لا يملكون منابر ولا نفوذًا ولا قدرة على الوصول إلى أصحاب القرار، ويتمسك بحقهم في الكرامة والعدالة والحرية وسائر الحقوق التي لا تُمنح منّةً من أحد، وإنما تُصان لأنها حقوق.
بتّ مقتنعًا أن الصحافة جريمة عندما ينحاز الصحفي إلى كل ما يمكن أن يرفع من شأن بلاده، ويحصّن مستقبلها، ويفتح أمامها نوافذ الطمأنينة والثقة، فالدول لا تصبح قوية بإخفاء عيوبها، ولا تتقدم بطمس إخفاقاتها، ولا بانكار منجزاتها وإنما تصبح أكثر قوة عندما تمتلك شجاعة النظر إلى مرآتها، حتى وإن كانت الصورة قاسية.
تلك هي الصحافة التي اتقنعت الدول التي تقدمت فهم دورها، أو تلك التي اختارت طريق التقدم باعتبارها عين على الماضي كي لا تعيد أخطاءه، وعين على الحاضر كي تفهمه، وعين على المستقبل كي تستعد له بعيدا عن الدعاية المغلوطة وتغذية مناخ الخوف والتجريم.
في بلادنا، يبدو أن الصحفي قد يرتكب جريمته الكبرى عندما يصرّ على القيام بوظيفته.
جريمة عندما يرفض الصمت أمام وقائع تنطق بقرائنها، ويصر على طرح الأسئلة التي ربما لم يطرحها المحقق، أو لم يجد القاضي طريقًا إليها، أو لم ير السياسي الذي يدير شؤون البلاد ضرورة في طرحها.
جريمة عندما يختار الصحفي أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم، حتى لو كان الثمن صحته، وراحته، وأمنه، وعائلته، ومستقبله.
وجريمة أكبر عندما يرفض أن يكون مجرد ساعي بريد.
فالصحافة ليست أن تنقل ما قيل وكما قيل، ومتى قيل، ولمن قيل.
الصحافة تبدأ تحديدًا عند السؤال الذي قد يزعج الجميع هل ان كل ما قيل صحيح؟
بتّ مقتنعًا أن الصحافة جريمة عندما يتمسك الصحفي بدوره الرقابي يراقب المتحرك والساكن، يسأل من يفعل ومن لا يفعل، يتابع القرار كما يتابع غيابه، يبحث في ما أُعلن وما لم يُعلن، ويطارد الحقيقة عندما تختبئ خلف أبواب المؤسسات وفي الثنايا والبرك أو الضائع منها في متاهات الملفات.
عندها وبلا شك، تكتمل أركان الجريمة.
وتنتصب المحاكم الافتراضية قبل المحاكم الواقعية، ويصبح السؤال لماذا نشر ومن سمح له ولماذا لم يكن بدل هل ان ما نشره صحيحا؟
عند ذلك الحدّ يدرك الصحفي أن أخطر ما يمكن أن يفعله ليس أن يكذب، وإنما أن يقول الحقيقة في المكان والزمان اللذين لا يراد لها أن تُقال فيهما.
وبعد طول تفكير، وبعد سنوات طويلة قضيتها في هذه المهنة، وبعد أن وجدت نفسي منذ سنة 2004 وإلى غاية 2015 أمام أكثر من عشر قضايا، استنادًا إلى نصوص من مجلات الصحافة والاتصالات والمجلة الجزائية، قررت أخيرًا أن أعترف بانني مذنب.
فقط لأنني صدقت ذات يوم أن الصحافة ليست جريمة.
ومذنب لأنني رفعت، في الساحات، هذا الشعار.
ومذنب لأنني صدقت أن الصحافة يمكن أن تكون سلطة رقابة، وضميرًا عامًا، ونافذة يرى من خلالها المجتمع نفسه، ووسيلة لحماية الدولة من أخطائها قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات.
لكنني اكتشفت، بعد سنوات، أن الجريمة الحقيقية ليست أن تكون صحفيًا.
ولا أن تخطئ في ممارسة الصحافة.
ولا حتى أن تختلف مع السلطة.
الجريمة الحقيقية أن تكون صحفيًا،وأن تعرف معنى الصحافة،ثم تُصرّ على ممارستها…
