في 8 سبتمبر، اليوم العالمي لمحو الأمية، سنسمع من جديد عن الأرقام والاستراتيجيات والبرامج والحق في التعلم. وسنستعيد، بحق، حجم الفجوة الجندرية في الأمية في تونس: نحو 22.4% من النساء أميات مقابل 12% من الرجال، مع ارتفاع النسبة في بعض المناطق الريفية.
لكن ماذا لو قلبنا زاوية النظر هذه المرة؟
ماذا لو لم نسأل فقط: لماذا ما زالت الأمية مرتفعة؟ بل سألنا أيضًا: منذ سنوات، من ينفذ سياسة محو الأمية؟ وكيف تعاملت الدولة مع هؤلاء الذين جعلتهم في الصف الأول من مواجهة هذه المشكلة؟
هنا نصل إلى مدرس تعليم الكبار.
ذلك المدرس الذي وجد نفسه، على امتداد سنوات، في قلب سياسات متعاقبة، وبرامج متغيرة، وتسويات مؤجلة، وأوامر جديدة، ووعود بإخراج القطاع من الهشاشة.
مدرس تعليم الكبار أصبح، في جانب من هذه التجربة، أشبه بفأر تجارب للسياسات العمومية المتعاقبة.
كل مرحلة تأتي بحل.
مرة نتحدث عن اتفاقية، ومرة عن تسوية، ومرة عن عقد، ومرة عن مراجعة الأجر، ومرة عن استراتيجية جديدة. ثم نعود في كل مرة إلى السؤال نفسه:
وماذا عن الوضعية المهنية؟
ليست هذه مبالغة في توصيف المسار.
ففي سنة 2021، كان ملف المدرسين المتعاقدين لتعليم الكبار مطروحًا رسميًا أمام لجنة برلمانية، وكانت الوزارة تتحدث آنذاك عن وضعية هشة وعن البحث عن إطار يضمن حقوقهم ونظام تأجيرهم وترقيتهم وتدرجهم. بل إن الوزير تحدث صراحة عن العمل على إخراج القطاع من الهشاشة.
ومرت السنوات.
في 2023 أُعلن عن تسوية وضعية 1018 مدرسًا للتربية الاجتماعية، وفي 2024 أُدرجت تسوية وضعية مدرسي تعليم الكبار المتعاقدين ضمن اعتمادات وزارة الشؤون الاجتماعية.
ثم صدر الأمر عدد 544 لسنة 2024، فارتفعت منحة التدريس إلى 1500 دينار خام لحاملي الأستاذية أو الإجازة و1250 دينارًا خام لمن هم دون ذلك، بأثر من أكتوبر 2023، مع إخضاعها للاقتطاع بعنوان التقاعد والحيطة الاجتماعية والضريبة.
نعم، تحسن الأجر.
لكن هل تحسن الأجر يعني أن الوضعية المهنية أصبحت مستقرة؟
هنا بالضبط يجب أن نرفض اختزال القضية في رقم الأجر.
فمدرس قضى عشر سنوات أو أكثر في المهنة لا يحتاج فقط إلى أن نرفع منحة عمله. يحتاج إلى أن يعرف: ما موقعه المهني؟ ما مستقبله؟ ما حقوقه؟ ماذا سيحدث عندما يبلغ سن التقاعد؟ وماذا ستفعل الدولة بسنوات خدمته؟
ماذا يعني أن يكون بعض هؤلاء المدرسين قد تجاوزوا 45 سنة؟
أي منطق مهني يسمح بأن يقضي الإنسان سنوات طويلة في وظيفة تحتاجها الدولة، ثم يجد نفسه وقد تقدم به العمر دون مسار مهني واضح، ودون أن يعرف على وجه اليقين أين تنتهي هذه العلاقة المهنية؟
إن بلوغ 45 سنة ليس مجرد رقم في بطاقة التعريف.
في سوق الشغل، هو عمر تتقلص فيه فرص إعادة بناء المسار المهني. وفي دولة تقول إنها تريد القطع مع التشغيل الهش، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
كيف يمكن أن نطلب من شخص تجاوز الخامسة والأربعين، بعد سنوات من الخدمة، أن يواصل حياته المهنية داخل وضعية لا تمنحه الأمان الذي تمنحه الوظيفة التي يؤديها فعليًا؟
وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة.
الدولة ترفع شعار القطع مع التشغيل الهش، وتعلن عن تسويات لفئات من العمال والمتدخلين، فيما يظل مدرس تعليم الكبار في صيغة تعاقدية تعود جذورها إلى سنوات طويلة.
فأين يقع مدرسو تعليم الكبار من هذا المسار؟
هل هم خارج تعريف الدولة للتشغيل الهش؟
أم أن الهشاشة تصبح أقل وضوحًا عندما تكون في شكل «منحة تدريس» بدل أجر قار، وفي شكل عقد بدل خطة وظيفية؟
ثم هناك السؤال الذي لا يحظى بما يكفي من النقاش: التقاعد.
إذا كانت الاقتطاعات بعنوان التقاعد والحيطة الاجتماعية تُستوفى من دخل المدرس، فإن السؤال المشروع هو: ما الذي سيضمن له، عند بلوغ سن التقاعد، أن سنوات عمله واقتطاعاته قد تحولت فعلًا إلى حق اجتماعي وتقاعدي واضح ومتناسب مع مساره المهني؟
وإذا كان هؤلاء المدرسون منخرطين في منظومة التقاعد منذ سنوات، فهل جرى احتساب كامل مسارهم المهني بصورة واضحة تضمن لهم حقًا تقاعديًا يتناسب مع سنوات الخدمة والاقتطاعات؟
وماذا يحدث عندما يتوفى المدرس؟
هل تنتقل الحماية الاجتماعية التي ساهم فيها طوال سنوات إلى أسرته وفق قواعد واضحة وعادلة؟ وهل تتطابق حقوقه وحقوق عائلته مع طبيعة العمل الذي أداه طوال سنوات؟
هذه ليست أسئلة تقنية. هذه أسئلة دولة اجتماعية.
لأن الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بقدرتها على رفع الأجور، بل بقدرتها على حماية الإنسان من المخاطر التي ترافق العمل: المرض، والعجز، والشيخوخة، والوفاة، وفقدان مورد الرزق.
والأهم: هل رفع الأجر يلغي الحق في الملاءمة مع الشهادة الجامعية؟
أن يحصل حامل الإجازة أو الأستاذية على 1500 دينار خام، بعد سنوات من العمل، يمثل تحسنًا في المقابل المالي. لكنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر:
ما القيمة المهنية لشهادته؟
هل أصبحت الشهادة الجامعية أساسًا لمسار مهني واضح، أم أصبحت فقط معيارًا لتحديد قيمة المنحة؟
هناك فرق كبير بين الأمرين.
فالملاءمة مع الشهادة ليست مجرد امتياز مالي. إنها اعتراف بأن التكوين الجامعي والخبرة المتراكمة يحددان قيمة العمل وموقع صاحبه داخل المسار المهني.
والمدرس الذي يحمل شهادة جامعية ويقوم منذ سنوات بمهمة تربوية واجتماعية لا يمكن أن تختزل علاقته بالدولة في عدد الساعات التي يدرسها وفي قيمة المنحة التي يتقاضاها.
ثم إن القول إن رفع الأجر «منحة» تمنحها الوزارة أو الدولة يحتاج بدوره إلى مراجعة.
الأجر ليس منّة.
والترفيع في المقابل المالي ليس هدية سياسية، بل تصحيح لعلاقة اقتصادية واجتماعية بين العمل وقيمته.
خصوصًا عندما يكون المدرس قد أدى عمله لسنوات، وعندما تكون الدولة نفسها قد اعترفت بحاجتها إليه، وعندما تخضع المنحة لاقتطاعات بعنوان التقاعد والحيطة الاجتماعية.
لا يمكن أن نعامل الأجر باعتباره فضلًا، ثم نطالب العامل في المقابل بأن يعتبر الاستقرار المهني امتيازًا إضافيًا.
الأمر أعمق من ذلك.فوثائق وزارة الشؤون الاجتماعية نفسها تكشف أن المنظومة تعتمد على عدد كبير من المتعاقدين: 885 مدرسًا متعاقدًا في تعليم الكبار مقابل 113 مدرسًا فقط في وضعية ترسيم سنة 2024.
هذه ليست مجرد أرقام.
هذه بنية تشغيل.
وحين يصبح المتعاقد هو القاعدة، والمرسم هو الاستثناء، فإن السؤال لم يعد عن وضعية أفراد، بل عن نموذج إدارة سياسة عمومية كاملة.
أي سياسة هذه التي تحتاج إلى المدرس كل سنة، لكنها لا تمنحه بالضرورة أفقًا مهنيًا يمتد إلى نهاية حياته المهنية؟
وأي استراتيجية للتعلم مدى الحياة يمكن أن تُبنى على علاقة مهنية قصيرة الأفق مع من يُفترض أن يكون أحد أعمدتها؟
المفارقة أن الدولة نفسها غيّرت خطابها.
انتقلنا من «محو الأمية» إلى «تعليم الكبار»، ثم إلى «التعلم مدى الحياة»، وأصبح الحديث اليوم عن المهارات والإدماج والقدرة على مواصلة التعلم.
لكن هل انتقلنا بالسرعة نفسها من منطق العامل المتعاقد إلى منطق المهني صاحب المسار؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في 8 سبتمبر.
ليس دفاعًا عن فئة مهنية فقط، وإنما دفاعًا عن معنى السياسة العمومية نفسها.
فإذا كانت الأمية، وخاصة أمية النساء، تكشف أن الحق في التعلم لم يتحقق بعد بصورة متساوية، فإن وضعية المدرسين تكشف جانبًا آخر من المشكلة:
الدولة قد تعترف بالحق لدى المستفيد، لكنها مطالبة أيضًا بأن تعيد التفكير في حقوق من يحقق هذا الحق على الأرض.
لا يمكن أن نطلب من مدرس تعليم الكبار أن يبني لدى امرأة أمية الثقة في قدرتها على التعلم، بينما لا تمنحه الدولة نفسها الثقة في مستقبله المهني.
ولا يمكن أن نتحدث عن «التعلم مدى الحياة» بينما يعيش بعض من يقومون عليه سؤال المستقبل مدى الحياة.
لقد تعاقبت الحكومات، وتغيرت البرامج، وتبدلت الاستراتيجيات، وصدرت الأوامر، وتحسن الأجر.
لكن السؤال الذي يبقى هو نفسه:
ماذا تغيّر فعلًا في حياة مدرس تعليم الكبار؟
هل أصبح عاملًا مستقرًا، أم فقط متعاقدًا بأجر أفضل؟
هل أصبح صاحب مسار مهني، أم صاحب عقد يتجدد مع تغير السياسة؟
هل أصبح يتمتع بحماية اجتماعية واضحة وكاملة، أم أن بعض حقوقه لا تزال مرتبطة بطبيعة العلاقة التعاقدية؟
وهل تعاملت الدولة معه باعتباره جزءًا من خدمة عمومية دائمة، أم باعتباره أداة مرنة لتنفيذ سياسة تتغير كلما تغيرت الأولويات؟
في 8 سبتمبر 2026، ربما لا نحتاج إلى خطاب جديد عن محو الأمية بقدر حاجتنا إلى كشف ما تقوله وضعية مدرس تعليم الكبار عن الدولة التي تحاول محو الأمية.
فإذا كانت الدولة تريد فعلًا أن تقطع مع التشغيل الهش، فإن أول اختبار ليس عدد الخطب التي أعلنت ذلك، بل عدد الوضعيات التي لم تعد هشة.
وإذا كانت تريد فعلًا بناء دولة اجتماعية، فليس السؤال فقط:
كم سندفع للمدرس؟
بل: ماذا نضمن له عندما يمرض؟ ماذا نضمن له عندما يتقدم في السن؟ ماذا نضمن له عند التقاعد؟ وماذا نضمن لعائلته عندما يغيب هو؟
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بما تعطيه للإنسان وهو يعمل.
بل بما تضمنه له عندما يتوقف عن العمل.
وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي في 8 سبتمبر:
بعد سنوات من السياسات والاستراتيجيات والتسويات، هل تغيّرت فعلًا وضعية مدرس تعليم الكبار، أم أننا فقط أصبحنا ندير الهشاشة بأجر أفضل؟
