الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش – لو أردنا تأريخ التعليم الخاص في تونس، فلا يكفي النظر إلى رتفاع عدد المدارس والتلاميذ أو انفجار المعاليم. فخلف هذا التحول سردية أطول وأكثر تشعبا تتعلق بتغير دور الدولة نفسها.
منذ 1956، بُني التعليم على فكرة أن المدرسة العمومية، “مدرسة الاستقلال” أداة لبناء الدولة والمجتمع، وتوسيع قاعدة التعليم لتسهيل ذلك المفهوم ،الفاقد للمعنى في يومنا هذا،: “المصعد الإجتماعي“. كانت فلسفة بورڨيبة واضحة في المجال: «التعليم هو الرهان الأول لمعركة الجهاد الأكبر»، ومهمته «تَوْنَسَةُ التعليم، وتعميمه، ومجانيته»، لبناء «الإنسان التونسي الحديث» ومحو الأمية باعتباره شرطًا للسيادة الوطنية، إذ «إنّ الدولة لا تعترف بجهل مواطنيها». وكان بورقيبة يعتبر أن «المادة الشّخمة هي ثروتنا الوحيدة»، وأن الاستثمار فيها هو «رهان تونس الأول»، حتى إن «الأم هي المدرسة الأولى للطفل»، ولا يمكنها تربية أجيال المستقبل إلا إذا كانت متعلمة ومستنيرة. وقد مثّل إصلاح 1958(المسعدي) ثم من بعد ذلك إصلاح 1991 (الشرفي)، محطتين أساسيتين في تعميم التعليم ودمقرطته قبل أن يصبح التعليم الأساسي إلزاميًا ومجانيًا إلى سن السادسة عشرة.
بالتوازي، كان النموذج المنوال الاقتصادي والتنموي عموما يتغير تدريجيًا منذ السبعينيات، قبل أن يتسارع بصورة راديكالية في 1986 وبرنامج الإصلاح الهيكلي بناء على توصيات المانحين الدوليين.
انتقلت تونس آنذاك، تدريجيًا، من اقتصاد شديد التخطيط وحضور قوي للدولة في شتى المجالات إلى نموذج يعطي مساحة أكبر للسوق والاستثمار الخاص والمنافسة، مع إصلاح المؤسسات العمومية وتخفيف التدخل المباشر للدولة في عدد من القطاعات. ويمكن هنا الحديث أيضا عن «اقتصنة الاجتماعي»(Économisation du social): أي توجه الدولة لإخضاع قطاعات اجتماعية كالتعليم والصحة والنقل، بدرجات متفاوتة، لمنطق كان يُستخدم أساسًا في إدارة الاقتصاد والاعمال: الكلفة، النجاعة، المردودية، قياس الأداء وترشيد الانفاق؛ أي النظر إلى الخدمة الاجتماعية ليس فقط باعتبارها حقًا ودورًا من أدوار دولة الرفاه والحماية (État-providence)، وإنما أيضًا باعتبارها إنفاقًا يجب ترشيد كلفته ومراكمة مردوديته.
ولم يحدث هذا في التعليم بالطريقة نفسها التي حدث بها في قطاعات أخرى. إذ لم تعلن الدولة يومًا «خوصصة التعليم» بكل فضاضة، بل كان المسار أكثر تدرجًا: بقي التعليم العمومي خدمة أساسية تمولها المجموعة الوطنية، لكن قدرته على التطور والاستثمار أصبحت مقيدة بضمور الميزانية. ففي 2019 مثلا تجاوزت الأجور 95% من ميزانية وزارة التربية، أي عمليا لا يخصص للاستثمار سوى بعض الفتات. وهكذا يمكن أن تنفق الدولة مبالغ كبيرة على التعليم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن موارد كافية تصل إلى صيانة المدارس أو تشييدها وتجهيزها وتحديث مناهجها.
وبالتوازي، اتسع الإطار القانوني المشجع للاستثمار الخاص. فالأمر عدد 486 لسنة 2008 أتاح، في شروط محددة وصارمة، منحة استثمار تصل إلى 25% من كلفة المشروع، وتتكفّل الدولة بنسبة تصل إلى 25% من أجور المدرسين القارّين لمدة لا تتجاوز عشر سنوات، إضافة إلى مساهمات في الضمان الاجتماعي وبعض الامتيازات المرتبطة بالتجهيزات. هنا تحديدًا يمكن فهم مفهوم «اقتصنة الاجتماعي»: ليست المسألة انسحاب الدولة من التعليم، وإنما دخول ذهنية الكلفة والنجاعة والاستثمار الخاص والمنافسة و”تقاسم ضمني للكلفة ” (mutualisation des coûts) إلى مجال كان يُنظر إليه أساسًا باعتباره حقًا ومرفقا عموميا.
واللافت أن التعليم الخاص لم يصبح فقط سوقًا للتلاميذ، بل أصبح أيضًا سوقًا للعمل. ففي بلد بلغت فيه البطالة 14.9% في الثلاثي الثاني من 2026، و26.6% لدى حاملي الشهادات العليا، يوفر القطاع الخاص ملجأ مهنيًا ،ولو مؤقّتا، لجزء من خريجي الجامعات، حاملي شهائد الأستاذية (نظام قديم) والإجازة (نظام أمد)، وإن كانت طبيعة هذه الوظائف وشروطها تحتاج إلى تدقيق أكبر قبل إصدار أحكام عامة حول هشاشتها. وتقدّر غرفة مؤسسات التعليم الخاص عدد مواطن الشغل المباشرة في القطاع بين 30 و50 ألفًا، إلى جانب نحو 50 ألف موطن شغل غير مباشر.
إجمالا، يبرز هنا المنوال الاقتصادي وحدوده مليا: ضعف قدرة المدرسة العمومية على الاستجابة لبعض الحاجيات يخلق طلبًا على البديل؛ نمو الطلب يوسع الاستثمار الخاص؛ والاستثمار الخاص يخلق بدوره سوقًا جديدة للتشغيل. لا يعني ذلك أن الخاص هو سبب أزمة العمومي أو أن العمومي عاجز بطبيعته، لكنه يكشف كيف أصبحت الدولة تتقاسم إنتاج الخدمة التعليمية مع السوق مع مايحمله ذلك من فرضيات تناقض.

- صور حافلات النقل المدرسي تقريبية فحسب
