تطرقنا في المقالات السابقة إلى العديد من المسائل ذات الصلة بالضمان الاجتماعي والعلاقات الشغلية ليس من الزاوية القانونية والإجرائية فحسب بل أيضا من الناحية المهنية التي يجد فيها القارئ والمختص ما يحتاجه من تعريف للمفاهيم والمسارات التي غالبا ما تغيب لأسباب تتصل بضعف آليات الاتصال والتواصل بين المضمون الاجتماعي من جهة والمؤسسات المكلفة بإسداء الخدمات المتعددة التي يديرها المرفق العام.
تضاف إلى هذه الملاحظة الأسباب الموضوعية المرتبطة بتراكم التشريعات وتشعب المرجعيات والنصوص التي أصبحت تثقل إجراءات التصرف في الصناديق الاجتماعية وخاصة تلك التي يديرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ويقدم من خلالها الخدمات لفائدة المضمونين الاجتماعيين من شتى القطاعات والأصناف من الأجراء وأصحاب المؤسسات الخاصة الصغرى والمتوسطة والتي تمثل غالبية النشاط الاقتصادي الوطني.
متاهات قواعد التصرف في المستحقات
هذا التنوع الوظيفي والمهني وضع الصندوق الو
طني للضمان الاجتماعي أمام منظومات متعددة ومختلفة ويعود استصدارها إلى مسببات إما تاريخية وتشريعية ودوافع سياسية داخلية أو لضمان التماهي مع تشريعات دولية واتفاقيات ملزمة للدولة التونسية.
طني للضمان الاجتماعي أمام منظومات متعددة ومختلفة ويعود استصدارها إلى مسببات إما تاريخية وتشريعية ودوافع سياسية داخلية أو لضمان التماهي مع تشريعات دولية واتفاقيات ملزمة للدولة التونسية.المهم أن الاختلافات تهم الفوارق بين الصناديق من جهة وداخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من جهة ثانية.
هذا لا يعني أن منظومة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية منسجمة ومبسطة وموحدة من حيث آليات الانخراط وافتتاح الحق في شتى الخدمات حيث يتشتت مجهود المتصرفين جراء متاهات قواعد التصرف في المستحقات والاستخلاص وتصفية الجرايات ورأس المال عند الوفاة وفق مرجعيات مختلفة تعود أساسا للفروقات التي عرفتها أنظمة التأجير والمتغيرات المتواترة التي تم إدخالها على القانون العام للوظيفة العمومية الذي تفكك بمقتضى الامتيازات القطاعية وتقليص هامش الجذع المشترك الذي يديره المركز الوطني للإعلامية.
من الطبيعي إذن أن تدمج المهن الجديدة ومن المنطقي كذلك أن تكون الأنظمة الأساسية للمؤسسات ذات صبغة خصوصية لكنه من الصعب قبول الفوارق الهيكلية في الامتيازات القطاعية التي همشت مفاهيم التأطير والتحفيز وأفرغت العدالة الاجتماعية من مضامينها.
العدالة الاجتماعية تتطلب التوزيع العادل
هذا المنحى أخل بالمسارات المهنية ولم يواكب المتغيرات في «مورفولوجيا» العمل والشغل المعروفة بالمهن الجديدة وتغول الاقتصاد الموازي المنفلت من الجباية والحماية الاجتماعية.
فالعدالة الاجتماعية تتطلب التوزيع العادل ولا يجب أن ترتهن إلى موازين القوى التي سادت المفاوضات الاجتماعية طيلة عقدين والتي تم تغييبها حديثا عبر تجميد الحوار الاجتماعي وإقرار مراجعات وزيادات بصفة أحادية وغير محفزة وغير مجزية ومنصفة بما يمكن أن يضمن السلم الوظيفي ويكفل الاستقرار الاجتماعي.
هذا الإطار العام الذي يمكن أن نفهم من خلاله الفوارق في التأجير والاختلافات المجحفة في مزايا أنظمة الجرايات في القطاعين العام والخاص ولن نستعرض الفوارق التي أشرنا إليها سابقا وفي إطار تفاوضي ودراسي رسمي أو تكويني بهدف الوعي بالإشكال والبحث عن بدائل وحلول قبل طوفان العجز المالي وانعكاس التفاوت الطبقي والشرخ بين القطاعات والأصناف المهنية.
إذا عدنا إلى أنظمة التأجير نلاحظ تفاوتا كبيرا لم ننجح في التحكم فيه وعدم سن سياسة وطنية قائمة على الإنصاف والعدالة وتثمين المعرفة والمهنية والإنتاجية وتوفير شروط العمل اللائق والحرص على التقييم والمتابعة والتعديل بين الفئات والأجيال التي أصبحت تخير الهجرة النظامية وغير النظامية والمغامرة خاصة بالنسبة للإطارات الطبية وشبه الطبية والهندسية والمهن ذات التخصص والكفاءة المطلوبة في سوق الشغل العالمية.
تقليص الفارق المجحف بين معدلات الجراية
وترمي هذه الفوارق بظلالها على واقع الجرايات في القطاعين العمومي والخاص ومن بين المفارقات التشريعية التي عمقت الهوة في هذا الصدد نجد الأجر المرجعي لاحتساب الجراية بين أرفع تأجير في القطاع العام ومعدل العشر سنوات الأخيرة في القطاع الخاص بكل فروعه فمردود السنوات كذلك وضارب الاحتساب في تصفية الجراية وسقفها في القطاع الخاص الذي خلق نظاما تكميليا مجمدا وغير مجدي من حيث المردود ومحدودية الاشتراكات.
إن موضوع التعديل الآلي للجرايات في القطاع العام وما شهده من مراجعات يحتاج إلى مقال خصوصي للوقوف على المقارنة بينه وبين ربط المراجعات بالزيادة في الأجر الأدنى المضمون ولا نقارن ههنا بنية التمييز بل لرسم خارطة طريق للإصلاح يكفل تقريب الأنظمة وتقليص الفارق المجحف بين معدل الجراية في القطاع العام مقارنة بالقطاع الخاص مهما كانت التعلات والأسباب والدواعي.
فالمطلوب في الأخير أن نتدرج في التشخيص ونراكم المعطيات خارج «النعرات» الفئوية من أجل رسم جدول قيادة بياني يكون بوصلة الإصلاح الذي يجعل منا مواطنين في الحقوق والواجبات… لا ولدها ولا ربيبها… بل بنات وأبناء تونس.
