قبل ساعات من تنفيذ الاضراب في قطاع البنوك والتامين المبرمج لايام 23 و 24 و 25 جوان الجاري قدم ناءب الشعب حسن الجربوعي تصريحا لافتا اعتبر فيه الاضراب“إضراب الشبع في زمن المعاناة… والمواطن هو الضحية”.
كما اكد فيه انه “إذا لم يتم التراجع عن هذا الإضراب، فإن الخاسر الأكبر سيكون المواطن التونسي الذي ينتظر من الدولة الاجتماعية أن تضمن له الحد الأدنى من الخدمات وحقه في التنقل وقضاء شؤونه اليومية. فحق الإضراب مكفول، لكن لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل مصالح الناس وتعميق معاناتهم في ظرف اقتصادي واجتماعي دقيق لا تحتمل فيه البلاد مزيدًا من الأزمات”
بداهة نحترم حرص السيد النائب حسن الجربوعي على مصالح المواطنين وعلى استمرارية الخدمات، لكن تصريحه يبدو وكأنه ينطلق من نتائج الإضراب ويتجاهل أسبابه، وهو ما يجعل قراءته للأزمة منقوصة وغير متوازنة.
الإضراب لم يكن رغبة في تعطيل مصالح الناس
فعندما يقول إن “المواطن هو الضحية”، فإنه يفترض ضمنيًا أن المسؤول عن الوضع هو الطرف النقابي، في حين أن الوقائع تشير إلى أن الإضراب لم يكن قرارًا متسرعًا أو رغبة في تعطيل مصالح الناس، بل جاء بعد أشهر من تعثر المفاوضات الاجتماعية ورفض الأعراف استئناف الحوار حول الزيادة في الأجور بعنوان سنة 2025، رغم وجود مطالب معلنة ومعلومة للجميع، ورغم ما يحققه القطاع من أرباح هامة. وبالتالي فإن تحميل المسؤولية للشغالين وحدهم يتجاهل الطرف الذي أغلق باب التفاوض ودفع بالأزمة إلى منطق المواجهة بدل الحوار.
كما أن الحديث عن “الدولة الاجتماعية” لا يمكن أن يكون انتقائيًا. فالدولة الاجتماعية ليست فقط ضمان استمرارية الخدمات، بل هي أيضًا حماية حقوق الأجراء، واحترام التفاوض الجماعي، وتطبيق الاتفاقيات والقوانين، وصون الحق النقابي. لذلك لا يمكن الاستناد إلى مفهوم الدولة الاجتماعية للدفاع عن مصلحة المواطن من جهة، ثم تجاهل حقوق آلاف العاملين والعاملات من جهة أخرى.
موظفو البنوك مواطنون أيضا
ثم إن التصريح يقدم وكأن هناك تعارضًا بين مصلحة المواطن ومصلحة موظفي البنوك، والحال أن هؤلاء الموظفين هم أيضًا مواطنون يواجهون نفس الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع المقدرة الشرائية. ومن حقهم الطبيعي والمشروع المطالبة بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية عندما تستوفي مطالبهم شروط المشروعية القانونية والتفاوضية.
واللافت أيضًا أن السيد النائب لم يناقش أصل الملف. فلم يقدم موقفًا من تعطيل المفاوضات الاجتماعية، ولم يتطرق إلى المطالب المرفوعة، ولم يوضح رأيه في مدى التزام الأعراف بمسؤولياتهم التفاوضية، بل انتقل مباشرة إلى إدانة الإضراب ونتائجه. والحال أن أي تقييم موضوعي لأي تحرك اجتماعي يقتضي أولًا فحص أسبابه ومبرراته قبل الحديث عن انعكاساته.
كما أن القول بأن حق الإضراب لا يجب أن يعطل مصالح المواطنين يبدو في ظاهره منطقيًا، لكنه في الواقع يفرغ الحق في الإضراب من مضمونه. فالإضراب، بطبيعته، وسيلة ضغط مشروعة تُلجأ إليها الشغيلة عندما تفشل كل مسارات الحوار. ولو كان المطلوب أن يكون الإضراب بلا أثر أو تأثير، لما كانت له أي جدوى ولما كفلته القوانين والدساتير والمواثيق الدولية أصلًا.
مسؤولية النائب ان يسعى الى معالجة الاسباب
لكن الأهم من كل ذلك هو توقيت هذا التصريح. فقد صدر قبل ساعات قليلة من تنفيذ الإضراب، وفي لحظة كان المنتظر فيها من ممثل الشعب أن يدعو إلى التهدئة وإعادة فتح قنوات الحوار بين الأطراف، لا أن يوجه اللوم إلى طرف واحد ويتجاهل جذور الأزمة. فالنائب ليس مجرد معلق على الأحداث، بل هو صاحب مسؤولية سياسية وأخلاقية، ومن المفترض أن يسعى إلى معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي لا الاكتفاء بالتعليق على نتائجه.
وكان من الأجدر بالسيد النائب أن يتساءل: لماذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود؟ ولماذا فشلت كل المبادرات السابقة؟ ولماذا وجدت آلاف العاملات والعمال أنفسهم مضطرين إلى خوض إضراب عام؟ فهذه هي الأسئلة الحقيقية التي تهم الرأي العام وتساعد على إيجاد الحلول.
كما أن خطورة التصريح تكمن في أنه صادر عن نائب شعب يفترض أنه يمثل جميع المواطنين دون استثناء، بمن فيهم موظفو البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين. فهؤلاء ليسوا طرفًا خارج المجتمع، بل هم مواطنون وناخبون وأصحاب حقوق دستورية واجتماعية. ومن واجب النائب أن ينظر إلى مصالح جميع الفئات بعين واحدة، لا أن يضع المواطنين والعمال في مواجهة بعضهم البعض، وكأن حقوق فئة لا تتحقق إلا على حساب فئة أخرى.
والأغرب في تصريح السيد النائب أنه لم يكتفِ بانتقاد الإضراب، بل دعا في الوقت نفسه إلى “فتح تحقيق في هذه الأمور خاصة في القطاع البنكي”، مبررًا ذلك بأن “لم يضرب أي قطاع إلا قطاع البنوك”. وهنا تبرز مفارقة واضحة: فإذا كان النائب يرى أن هناك ما يستوجب التحقيق داخل القطاع البنكي، فهو يقر ضمنيًا بوجود إشكال أو أزمة تستحق البحث والتدقيق. وفي هذه الحالة يصبح من المنطقي التساؤل عن أسباب الاحتقان وأسباب فشل الحوار، لا الاكتفاء بإدانة الإضراب باعتباره المشكلة في حد ذاته.
تعثر الحوار الاجتماعي وتراجع المقدرة الشرائية
ثم إن القول بأن “لم يضرب أي قطاع إلا قطاع البنوك” لا ينسجم مع واقع المشهد الاجتماعي في البلاد. فكل متابع للشأن النقابي يلاحظ اتساع رقعة التحركات الاحتجاجية والإضرابات خلال السنوات الأخيرة في العديد من القطاعات، سواء في الوظيفة العمومية أو المؤسسات والمنشآت العمومية أو القطاع الخاص. وهو ما يعكس وجود أزمة أعمق تتعلق بتعثر الحوار الاجتماعي وتراجع المقدرة الشرائية وتنامي الشعور بعدم الاستجابة للمطالب المهنية والاجتماعية.
لذلك فإن تقديم إضراب البنوك وكأنه حالة شاذة أو استثناء مطلق لا سند له في الواقع. بل إن ما يميز هذا الإضراب ليس كونه الوحيد، وإنما كونه جاء في قطاع يحقق أرباحًا مهمة، ومع ذلك وصلت فيه المفاوضات إلى طريق مسدود. وهو ما يطرح أسئلة جدية حول أسباب هذا التعطيل وحول مسؤولية الأطراف التي دفعت بالأزمة إلى هذا المستوى.
غير أن أخطر ما ورد في تصريح السيد النائب ليس حديثه عن انعكاسات الإضراب أو مطالبته بفتح تحقيق، بل قوله: “لو كان لي سلطة في هذه البلاد، من يضرب غدًا لن يعود للعمل.”
ان هذا التصريح لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي أو موقف شخصي عابر، لأنه يتضمن دعوة صريحة لمعاقبة العمال بسبب ممارستهم حقًا دستوريًا وقانونيًا. فالإضراب ليس جريمة، وليس مخالفة تأديبية في حد ذاته، بل هو حق أساسي كرسته القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية. ولذلك فإن ربط ممارسة هذا الحق بالطرد من العمل يمثل مساسًا خطيرًا بأحد أهم الحقوق النقابية والاجتماعية.
تصور مقلق للعلاقة بين السلطة والحقوق
والأخطر من ذلك أن هذا الكلام يصدر عن نائب شعب، أي عن شخص يفترض فيه الدفاع عن القانون واحترام الحقوق والحريات العامة. فالنائب مطالب بالدفاع عن دولة المؤسسات والقانون، لا بالترويج لعقوبات جماعية خارج الأطر القانونية. إذ لا يمكن في دولة تحترم الحقوق أن يصبح مصير العامل أو الموظف الطرد فقط لأنه شارك في إضراب قانوني دعت إليه منظمة نقابية شرعية.
كما يكشف هذا التصريح عن تصور مقلق للعلاقة بين السلطة والحقوق. فالحقوق لا تُمارس بإذن من أصحاب السلطة ولا تبقى قائمة ما داموا راضين عنها، بل هي حقوق محمية بالقانون والدستور، وجوهرها أنها تبقى قائمة حتى عندما تكون مزعجة أو مكلفة أو مخالفة لرغبات بعض أصحاب القرار.
ثم إن منطق “من يضرب لا يعود إلى العمل” هو منطق لا يحل الأزمات الاجتماعية بل يزيدها تعقيدًا. فالتاريخ الاجتماعي في تونس وفي مختلف الديمقراطيات أثبت أن التهديد والعقاب والإقصاء لا ينتج استقرارًا اجتماعيًا، وإنما ينتج مزيدًا من الاحتقان والتوتر. أما الاستقرار الحقيقي فيبنى على الحوار والإنصاف والاعتراف المتبادل بين الأطراف الاجتماعية.
ومن المفارقات أن أصحاب الإضراب يؤكدون أنهم لجؤوا إلى هذه الخطوة بعد استنفاد مسارات الحوار والتفاوض، بينما لم يوجه السيد النائب أي نقد إلى الطرف الذي عطل المفاوضات أو رفض استئنافها، بل خصّ بالانتقاد من مارس حقه القانوني. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يتم التركيز على الأداة الاحتجاجية وتجاهل الأسباب التي أدت إليها؟
إن المواطنين ينتظرون من نوابهم أن يكونوا صوتًا للحلول لا طرفًا في الأزمة، وأن يمارسوا دورهم في مساءلة كل من ساهم في الوصول إلى حالة الاحتقان الحالية، سواء كان من جانب الأعراف الذين رفضوا التفاوض، أو من جانب السلطة التي التزمت الصمت أمام انسداد الحوار، أو من أي طرف آخر ساهم في تعقيد الوضع.
فهم يعتبر الحقوق عبئًا يجب التخلص منه.
لذلك فإن الدفاع الحقيقي عن المواطن لا يكون بمهاجمة الإضراب أو التشكيك في مشروعيته أو التلويح بمعاقبة المضربين، بل بالدفاع عن الحوار الاجتماعي الجدي الذي يمنع الوصول إلى الإضراب أصلًا. أما اختزال الأزمة كلها في عبارة “المواطن هو الضحية” ثم التهديد بحرمان المضربين من العمل، فهو لا يقدم حلًا للأزمة، بل يكشف فهمًا يعتبر الحقوق عبئًا يجب التخلص منه لا مكسبًا يجب حمايته.
ولو تم احترام الحوار والتفاوض منذ البداية، لما وجد المواطن نفسه اليوم أمام إضراب، ولما وصلت الأزمة إلى هذه المرحلة. فالمسؤولية لا تتحملها الشغيلة التي لجأت إلى حقها القانوني بعد استنفاد سبل الحوار، بل يتحملها أيضًا كل من ساهم في إغلاق أبواب الحل قبل الوصول إلى هذه اللحظة. وفي النهاية، فإن حماية المواطن وحقوق الشغالين ليستا مسارين متعارضين، بل هما وجهان لنفس الدولة الاجتماعية التي يفترض بالجميع، وخاصة ممثلي الشعب، أن يدافعوا عنها.
