الشعب نيوز/ وثائقي – قلّما يحمل تاريخ واحد في التقويم الوطني هذا القدر من الكثافة الرمزية والسياسية كما يفعل الخامس والعشرون من جويلية في تونس.
فهذا اليوم، الذي وُلدت فيه الجمهورية عام 1957، تحوّل عبر عقود إلى محطة متكررة لأحداث مفصلية، بعضها مؤسِّس وبعضها مأساوي وبعضها “انقلابي بامتياز” حسب توصيف بعض النخب السياسية، حتى بات التونسيون يترقبونه كل عام وكأنه موعد ثابت مع القدر السياسي للبلاد. من إعلان الجمهورية إلى الاستفتاء على دستور جديد، مرورا باغتيال سياسي هزّ البلاد ووفاة رئيس سابق وقرارات استثنائية غيّرت مسار الانتقال الديمقراطي، يبدو أن هذا التاريخ أصبح مرآة تختزل تعقيد المسار التونسي منذ الاستقلال إلى اليوم.
ولم يغب الاتحاد العام التونسي للشغل عن أي من هذه المحطات المفصلية في تاريخ تونس الحديث، فمنذ تأسيسه في 20 جانفي 1946 ظلّ حاضرا في قلب الأحداث السياسية والاجتماعية التي عاشتها البلاد، شريكا في صناعة بعضها وشاهدا ناقدا على بعضها الآخر، ومرجعا وطنيا يُستحضر رأيه كلّما بلغت الأزمة أوجها.
1957: ميلاد الجمهورية وحضور نقابي في التأسيس

في 25 جويلية 1957، أعلن المجلس القومي التأسيسي إلغاء النظام الملكي وقيام الجمهورية التونسية، بعد أقل من عام ونصف على استقلال البلاد عن فرنسا. جاء هذا القرار تتويجا لمسار وطني قاده الحبيب بورقيبة، الذي انتُخب أول رئيس للجمهورية، منهيا بذلك حكم البايات الذي امتد قرونا.
لم يكن الإعلان عن الجمهورية مجرد تغيير في شكل الدولة، بل كان إيذانا ببناء دولة حديثة على أسس مؤسساتية جديدة، إذ تلته سلسلة من الإصلاحات الجذرية في التعليم والقضاء ووضعية المرأة، جعلت من هذا التاريخ لحظة تأسيسية بامتياز في الوعي الجمعي التونسي.
ولم يكن الاتحاد طرفا غائبا عن هذه اللحظة التأسيسية، بل شارك في إطار الجبهة الوطنية بما يقارب تسعة عشر نائبا مثّلوا عديد الدوائر الانتخابية داخل المجلس القومي التأسيسي، في حضور نقابي ساهم بشكل مباشر في المسار الذي أفضى، بعد سنة واحدة فقط، إلى تحويل النظام السياسي من الملكية إلى الجمهورية.
2013: اغتيال محمد براهمي وموقف نقابي حاسم
بعد ستة وخمسين عاما، حمل التاريخ نفسه وجها مغايرا تماما. ففي 25 جويلية 2013، اغتيل النائب والقيادي في التيار الشعبي محمد البراهمي أمام منزله بالعاصمة، في جريمة هزّت البلاد وإعادتها إلى أجواء التوتر التي أعقبت اغتيال شكري بلعيد قبل أشهر قليلة.
جاء الاغتيال في خضم مرحلة انتقالية هشة، حيث كانت الهيئة التأسيسية تتصارع حول صياغة الدستور الجديد وسط استقطاب حاد بين الإسلاميين وخصومهم. أدت الحادثة إلى تجميد أعمال المجلس التأسيسي واندلاع موجة احتجاجات واسعة تحت مسمى “اعتصام الرحيل”، وشكلت نقطة تحول دفعت لاحقا نحو الحوار الوطني الذي أفضى إلى حكومة تكنوقراط وإنهاء الأزمة الخانقة آنذاك، وهو الحوار الذي كان الاتحاد أحد أطرافه الأربعة الرئيسية، ما جعله شريكا مباشرا في إخراج البلاد من واحدة من أخطر أزماتها السياسية.

2019: رحيل الباجي قائد السبسي، تعليق النضال النقابي والمشاركة في تأمين الانتخابات
في التاريخ نفسه من عام 2019، توفي الرئيس الباجي قائد السبسي عن عمر ناهز 92 عاما، ليصبح أول رئيس تونسي منتخب ديمقراطيا يرحل أثناء توليه المنصب. جاءت وفاته في ظرف ياسي دقيق، إذ كانت البلاد على أبواب استحقاقات انتخابية تشريعية ورئاسية مبكرة، ما استدعى تفعيل الفصل 84 من دستور 2014 وتولي رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر لمهام الرئاسة بالنيابة. مثّل هذا الانتقال، رغم الظرف المأساوي، اختبارا لصلابة المؤسسات التونسية الفتية، إذ جرى بسلاسة نسبية أثبتت قدرة النظام الدستوري على استيعاب الفراغ دون اهتزاز يُذكر.

وفي اليوم نفسه، اجتمع المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد بصفة طارئة وأصدر بيان نعي أعلن فيه تعليق جميع التحركات النضالية المبرمجة وتأجيلها إلى مواعيد لاحقة، داعيا الهياكل النقابية إلى مزيد الوحدة والتضامن من أجل مصلحة تونس. ولم يقف دور الاتحاد عند هذا الحد، إذ جنّد لاحقا أكثر من ثمانية آلاف ملاحظ ومراقب عبر مرصده النقابي لمتابعة الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تلت وفاة الرئيس، في إطار حرصه التاريخي على مواكبة الاستحقاقات المصيرية للبلاد وضمان نزاهتها.
2021: قرارات استثنائية وموقف نقابي متوازن
شكّل 25 جويلية 2021 منعطفا حادا في المسار السياسي التونسي. ففي هذا اليوم، أعلن الرئيس قيس سعيّد جملة من الإجراءات الاستثنائية استنادا إلى تأويله للفصل 80 من الدستور، شملت تجميد أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الحكومة آنذاك هشام المشيشي. جاءت هذه القرارات في سياق أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية متفاقمة، تفاقمت معها الاحتجاجات الشعبية ضد أداء البرلمان والحكومة في ظل تفشي جائحة كورونا. اعتبر مؤيدو الخطوة أنها إنقاذ للدولة من الانسداد، بينما وصفها معارضوها بالانقلاب على الشرعية الدستورية، لتنقسم البلاد حول تسمية هذا اليوم وتوصيفه.
وقد اتخذ الاتحاد موقفا دقيقا ومتوازنا من هذه اللحظة، إذ ذكّر في بيانه الصادر عن مكتبه التنفيذي الوطني بأنه سبق أن نبّه مرارا إلى الأزمة التي بلغت أوجها في تعطّل دواليب الدولة وتفشي الفساد وتراجع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وفي الوقت الذي حيّا فيه التحركات الشعبية السلمية ودان الأسلوب القمعي الذي واجهتها به الحكومات السابقة، شدّد على ضرورة التمسك بالشرعية الدستورية ومرافقة التدابير الاستثنائية بضمانات واضحة، أبرزها ضبط أهدافها وتحديد مدتها الزمنية وعدم تحويلها إلى إجراء دائم، مع ضمان احترام الحقوق والحريات والاحتكام في أي تغيير سياسي إلى آليات ديمقراطية وتشاركية.
2022: استفتاء على دستور جديد وقراءة نقدية للاتحاد
وكأن التاريخ يغلق دائرته، عاد 25 جويلية ليكون موعدا لاستفتاء شعبي على دستور جديد في عام 2022، صاغه الرئيس سعيّد وفريقه، ليؤسس لنظام رئاسي معزز يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية. جرى الاستفتاء وسط مقاطعة واسعة من المعارضة وقسم من المجتمع المدني، وسجّل نسبة مشاركة متدنية مقارنة بالاستحقاقات الانتخابية السابقة، رغم إعلان الموافقة عليه بأغلبية ساحقة من المصوّتين. مثّل هذا الاستفتاء تتويجا رسميا لمسار 25 جويلية 2021، ونقل تونس إلى نظام رئاسي شبه مطلق.
ولم يكتف الاتحاد بموقف عابر من هذا الاستحقاق، بل أصدر قراءة نقدية مفصّلة لمشروع الدستور فور صدوره بالرائد الرسمي، أشار فيها إلى أن دعوته المتكررة لحوار وطني حقيقي، المتجذرة في مبادرته لسنة 2020، لم تلق التجاوب المطلوب، معتبرا أن الهيئة الاستشارية التي أُحدثت لصياغة الدستور لم تنبثق عن تشاور حقيقي. وانتقد الاتحاد في قراءته غياب التوازن بين السلط، وتركّز الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية، وغياب المحكمة الدستورية وتراجع دور القضاء، مع تسجيله في المقابل بعض الإضافات الإيجابية كتجريم التمييز في الإدارة العمومية والتهرب الضريبي.

تاريخ يتصارع فيه التأسيس والانكسار، والاتحاد شاهد دائم
يكشف تراكم هذه الأحداث في يوم واحد عن سخرية التاريخ التونسي وقسوته في آن. فاليوم الذي وُلدت فيه الجمهورية كفكرة تحررية وتأسيسية، أصبح لاحقا مسرحا لاغتيال سياسي مأساوي، ووفاة رئيس، وقرارات استثنائية أنهت تجربة دستورية عمرها سبع سنوات، ثم استفتاء أرسى نظاما جديدا بالكامل. وفي كل محطة من هذه المحطات، كان الاتحاد العام التونسي للشغل حاضرا بصوته وموقفه، سواء بالمشاركة المباشرة كما في التأسيس، أو بالوساطة والحوار كما في أزمة 2013، أو بدعوة الوحدة الوطنية كما في 2019، أو بالنقد البنّاء الحريص على التوازن بين الضرورة والشرعية كما في 2021 و2022.
هذا التكرار ليس مجرد صدفة تقويمية، بل يعكس، في جوهره، طبيعة المسار التونسي المتقلب بين لحظات البناء المؤسساتي ولحظات الانكسار والانقطاع، وحضور منظمة نقابية ظلت، على مدى ما يقارب ثمانية عقود، طرفا فاعلا في صياغة هذا المسار لا مجرد راصد له من الخارج. ولعل ما يستحق التأمل أكثر هو أن التونسيين، مهما اختلفوا في تفسير هذه المحطات وتقييمها، يجدون أنفسهم كل عام أمام تاريخ واحد يفرض عليهم مواجهة أسئلة الجمهورية والديمقراطية والشرعية من جديد، في تذكير دائم بأن التاريخ لا يكتفي بالمرور، بل يعود ليطرح أسئلته على كل جيل، والاتحاد حاضر في كل مرة يُطرح فيها هذا السؤال.
* نشر في العدد الاخير من جريدة الشعب الورقية.
* في واجهة الصورة الرئيسية يظهر ثلاثة قادة نقابيون هم الحبيب طليبة وصالح القلعاوي وأحمد بن صالح
