26 جانفي 1978: الإضراب العام ومعركة الاتحاد من أجل الشرعية والاستقلالية

تونس / الشعب نيوز - تُعدّ أزمة 26 جانفي 1978، المعروفة بـ«الخميس الأسود»، من أخطر الأزمات التي عرفها الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه، ومن أكثر المحطات دلالة على طبيعة العلاقة الصراعية بين السلطة السياسية والمنظمة النقابية في تونس ما بعد الاستقلال. فلم يكن الإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد حدثًا اجتماعيًا ظرفيًا، بل شكّل ذروة صراع بنيوي حول استقلالية المنظمة النقابية وشرعيتها التمثيلية ودورها الوطني في مواجهة سلطة استبدادية اختارت القمع والليبرالية التابعة خيارًا استراتيجيًا.
السياق السياسي والاجتماعي للأزمة
شهدت تونس خلال سبعينات القرن العشرين تحوّلات اقتصادية عميقة اتسمت بتبنّي السلطة لسياسات ليبرالية أفضت إلى تهميش اجتماعي متزايد وتفاقم البطالة وتدهور المقدرة الشرائية للطبقات الشعبية. في هذا السياق برز الاتحاد العام التونسي للشغل كقوة اجتماعية منظمة تعبّر عن مطالب الكادحين وتدافع عن مكاسبهم وترفض التحوّل إلى جهاز تابع للدولة.
هذا الدور جعل الاتحاد في مواجهة مباشرة مع نظام بورقيبة الذي لم يكن يتسامح مع أي شكل من أشكال الاستقلال التنظيمي. وقد تجسّد ذلك في تضييق ممنهج على أنشطة الاتحاد وحملات تشويه إعلامية وتهديدات مباشرة لقياداته من بينها التهديد باغتيال الأمين العام الحبيب عاشور في محاولة لكسر إرادة المنظمة وإخضاعها.
.jpg)
من ضبط النفس إلى الإضراب العام
أمام تصاعد الضغوط، اختارت القيادة النقابية مدعومة بقاعدتها نهج التعقل وضبط النفس والدعوة إلى الحوار تفاديًا لانزلاق البلاد إلى العنف. غير أن إصرار السلطة على المساس بشرعية الاتحاد والتدخّل في شؤونه الداخلية دفع المنظمة مكرهة إلى إعلان الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 باعتباره أداة دفاعية عن الوجود المستقل للاتحاد لا مجرّد وسيلة ضغط مطلبية.
قبل الإضراب بثلاثة عشر يومًا نشر النقابي والمناضل محمد ڨلبي حربوشة مقالته الشهيرة في جريدة الشعب التي حذّر فيها بوضوح من استعداد السلطة لاستخدام القتل والاغتيال لقمع الحركة النقابية في تعبير مبكر عن وعي عميق بطبيعة الصراع وحدوده الدموية.

القمع ومحاولة كسر الشرعية
جاء ردّ السلطة على الإضراب العام قاسيًا وغير مسبوق: تدخل أمني وعسكري واسع إطلاق نار على المتظاهرين اقتحام مقرات الاتحاد واعتقالات جماعية شملت نقابيين ومواطنين مساندين. وأسفرت الأحداث عن استشهاد أكثر من 400 شخص إضافة إلى مئات الجرحى والموقوفين ما جعل من 26 جانفي 1978 إحدى أكثر المحطات دموية في التاريخ الاجتماعي التونسي.

ولم يقتصر القمع على الشارع بل انتقل إلى مستوى ضرب الشرعية التنظيمية عبر تنصيب قيادة نقابية موالية للسلطة وإحالة النقابيين إلى المحاكمات واعتماد التعذيب في التحقيقات وهو ما أدى إلى استشهاد المناضلين سعيد قاقي وحسين الكوكي في محاولة واضحة لتفكيك البنية القيادية للاتحاد.

الصمود واستعادة الشرعية
على الرغم من شدة القمع لم تنجح السلطة في إخضاع الاتحاد. فقد واصل النقابيون نضالهم دفاعًا عن شرعية منظمتهم وتمكّنوا من استعادة قيادتهم المنتخبة خلال مؤتمر قفصة سنة 1981 قبل أن يعود الحبيب عاشور إلى الأمانة العامة ويدخل الاتحاد مجددًا في صراع مفتوح مع السلطة ابتداءً من سنة 1984.
تكشف هذه المرحلة عن حقيقة جوهرية مفادها أن الاتحاد العام التونسي للشغل لم يكن كيانًا تابعًا بل فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا مستقلاً قادرًا على الصمود وإعادة بناء ذاته رغم محاولات الكسر والتدجين

تمثّل أزمة 26 جانفي 1978 لحظة مفصلية في تاريخ الحركة النقابية التونسية إذ كشفت حدود المشروع السلطوي القائم على القمع وأكدت في المقابل مركزية الاتحاد العام التونسي للشغل كرافعة نضال اجتماعي ووطني. إن استحضار هذه الأزمة لا يندرج في إطار الذاكرة وحدها بل في سياق فهم أعمق لدور التنظيم النقابي في الدفاع عن الديمقراطية الاجتماعية وعن حق الكادحين في التنظيم المستقل.
ويظل درس 26 جانفي 1978 قائمًا: لا يمكن تفكيك منظمة متجذّرة في المجتمع بالقوة ولا يمكن مصادرة الوعي النقابي ما دامت الذاكرة حية والنضال مستمر.
المجد للشهداء والخلود لذكراهم.
اعداد: قسم التكوين النقابي والانشطة الثقافية


